هتلر،من كان وماذا تعني المقاومة ضد هذا الشخص؟

حازم كويي
2021 / 5 / 9

بمناسبة الذكرى 76 للانتصار على النازية
إيريش فروم
ترجمة وإعداد: حازم كويي

من كان هذا الرجل، هتلر؟ هوسؤال ينطبق على كل أنسان،من كان،من أنا،وهل يمكن قول الكلمة الاخيرة عن من يكون أنسان ما،وهو صعب عن هتلر،كما هو عن الآخرين.الانسان له دوافع وطموحات مختلفة وتناقضاته العديدة،هناك من يفكر بنفسه عن وعي،بما يفعله والتي لها بواعث كثيرة،أو بدون وعي،وهنا تأتي الاسئلة، من هو؟من كان؟إن كان رحمةً أو لعنةً مع مخاطرها.
لو نظرنا الى التأريخ وما قيلَ عن حياة هتلر، فقد كان يعيشُ الفنتازيا،حينما كان طفلاً وكشخص أعزب،وكانت لديه أفكاراً كبيرة نوعية،التي لاتتناسب مع الواقع،وهذا ما تمثلَ في كتابه(كفاحي)عندما أراد ان يكون فناناً،بالضد من رغبة والده وصراعه معه،الذي كان يُريده أن يكون موظفاُ.
لم تتحقق أرادة الوالد،حامل المسؤولية أو الانضباط ،كي يديرويشكل حياته بنشاط،أمام هتلر الفنان والمتهرب،الذي كان يعيش فنتازيته.
وهكذا كما هو عند الآخرين،عاش نرجسيته وخيبة أمله،وتراجُع قدراته النشاطية،من خلالها توجه نحو الضغينة والكُره، ولطموحاته نحو الافكار الكبيرة من جهة أخرى،وحين لم يستطع تحقيق سوى القليل،زادت طموحاته للوصول الى فنتازياته.
حيث ظهرت لديه مبكراً،عندما حل في مدينة فيينا،وفيها لم يستطع أن ينجح في أمتحان أكاديمية الفنون،أراد بعدها أن يدرس الهندسة المعمارية ،لكنه لم يكمل المرحلة التي تسبقها(الصف الاعدادي الاخير) كي يبدأ دراسته،وكان يجول شوارع فيينا وهو يرسم لوحاته ويبيعها ويكسب المال التي تكفي حاجاته،حتى بداية الحرب العالمية الاولى،ليصبح جندياً واثقاً،يخدم بشكل شجاع،كان فيها مرؤسيه يشكون من غطرسته الكبيرة ومنهم رفاقه في الجيش،وهنا ظهرت ونمت تصوراته وتحسساته للسلطة،ذلك الجانب الخفي من شخصية هتلر.
الجانب الآخر منه كانت نرجسيته المفرطة،وهي موجودة عند الكثيرين،ولكن بصورة مخففة، لدى هتلر كانت من النوع الثقيل،فيما يخص أفكاره وقدراته،الامتلاك،التصورات،المشاعر،وهو مالازمه طوال حياته،فلم يكن يهتم بالاخرين عدا نفسه،كان بلا شعور نحو أُمه أو أصدقاءه ولم تكن له صداقات مع آخرين ولا مع النساء،عديم التربية،شقي ولايفكر سوى بخُططه وسلطته وحبه لمجامعة الاموات، ،وهو موضوع من الصعب التوسع فيه،فهناك أُناس تتميز شخصياتهم بأنهم يحبون الحياة،وآخرين يمكن أن يُقال عنهم كارهين لها.
الذين يُحبون الحياة، يكون التعرف عليهم سهلاً،بالعكس للكارهين،الذين لم تجرِ تربيتهم لاجل الحياة، تكون نهايتهم المو ت،لهذا كان هتلر نهلستياً(عدمياً)،كان يكره اليهود،البولونيين،الروس،وكان يكره الالمان أيضاً،ظهرت عنده بوضوح عندما خسر الحرب العالمية الثانية،وبأوامرمنه في تهديم كل شئ قبل أن يطأ أعداءه الاراضي الالمانية،ولم يقتصر التهديم على الابنية،بل مرافق تزويد المياه والاغذية،والذي كان يعني موت مئات الالآف جوعاً،وهي رغبة عميقة ودافع متجذر لدى هتلر في التهديم ضد الجميع،وفي النهاية كره نفسه والحياة،وكما حدث لغوبلز(وزير إعلامه)عندما قتل أطفاله .وحتى لو كان هتلر قد أنتصر في الحرب،فلم يكن يعرف مالذي يمكن أن يفعله بهذا النصر، شخصيتهُ متوافقة للهدم وليست شخصية بناء.
لقد كان هتلر متعصباً، وكذلك طاقمه الملتف حوله،ولو ينظر المرء الى حاشيته من الناحية السيكولوجية والاجتماعية،الذين ينحدرون من الطبقة الوسطى،الفاقدين للامل والمتعة بالحياة،حاملين الاحقاد والضغائن ومن الساديين،المتفقين في علاقاتهم للتهديم،والعامل الثاني،تميز هتلر بكونه ممثلاً بارعاً، يهدف الى الحلول ليُشفي ألمانيا،وبقيامه بهذا الدور،الذي أدى الى تصديق الملايين من الالمان لما يقوله،لم يستطيعوا فيها تلمس نزعته التهديمية،كان موهوباً في الايحاءوالجذب،وكانت له كاريزما من خلال نظراته التي آمن بها أمام المقابل(الجمهور)،وقالها شخصياً،بتفضيله أن تكون التجمعات الجماهيرية مساءاً،كون الاكثرية مُتعبة بعد يوم عمل طويل،ستكون فيها مقاومة المثقفين ضعيفة،هذه العوامل مُجتمعةً أدت،الى أن الجماهير لم تكن تصدق أن أهدافه حقيقة هي التهديم،بل رأو فيه الشخص المنقذ لهم.
هتلر (القائد) الذي أحتاج حشودالجماهير، ومعها كذلك الى الهتاف والتصفيق كي يثبت نفسه بنفسه، وفي أعماقه الداخلية، وهو مابدأهُ في حلقة حزب (العمال الاشتراكي القومي) المُكون من 21شخصاً في مدينة ميونيخ،حيث كانوا يعتبرون كل ما يقوله هي الحكمة والحقيقة الكبرى،ولإجل تصديق نفسه،عليه أن يبحث عن آخرين لهم شخصية تصديقه، ولو لم يكن الامر كذلك،لاُعتبر نوع من الجنون.
ولم تكن رغباته مستندة على منطق عقلي،بل على العاطفية وقاعدتها السلطوية،لهذا كانت أحاسيسهُ الخاطئة تجد من يصدقها من الملايين الملتفة حوله التي تقابله بالتصفيق.
فلم تكن تهمهُ الحقيقة،بل الديماغوجيةالمرتبطة بالهتاف له،وهذا ما جعل الكذب حقيقة.
وكان يدعي أنه يريد الافضل لألمانيا،بمعرفته لافضل الوسائل لذلك،فلم يتحدث في البداية عن تهديم دولٍ،بل أن الاجراءات هي ذات طابع دفاعي،الهدف منها هو إزدهارألمانيا،وأذا قُبلَ بهذا المنطق،إن كان صحيحاً أم لا،كما هو الحال في حسابات المنطق الاقتصادي في الربح والخسارة.
وإذا ظهرأن هذا ليس منطقياً،فالنتيجة هي أنها،حب مشاهدة التمتع بالاموات،التهديم،والسادية والمازاخوسية السرية.
ويمكن القول أن هتلر جعل ذلك، كدين ألوهية الامة الجشعة،السيادية،التسليم،عدم المساواة،الكُره، كدين عظيم للسلطة والتهديم،والدين السليط ضد المسيحية،اليهودية والاديان الاخرى.
وعن أمكانية المقاومة ضد هتلر،والتي كتبت من قبلي(أي فروم)وبعض زملائي عام 1931، لم تنشرحينذاك،فقد كان السؤال،ماهي أمكانيات المقاومة ضد هتلر،حين يفوز ويستلم السلطة ؟
ماهي المقاومة الممكنة من أكثرية الشعب وبالذات من السياسيين،الذين وقفوا ضد هتلر،أي العمال والمستخدمين،فقد حاولنا البحث عن الشخصية التسلطية، أي الشخصية اللينة المفكرة بالسلطة في هكذا حالات،على العكس من القوى الديمقراطية والثورية،المحتجين ضد التسلط أو التحكم بهم،والذين يرون في المساواة والحرية ضرورة عميقة من أجل كرامة الانسان .
التعريف الماركسي يقول،أن السياسة أنعكاس للاقتصاد والمصالح الطبقية،فالمصالح الاقتصادية والمصالح السيكولوجية والدينية تكمن فيها الثغرات.
في أستفتاء جرى لمجموعة من العمال والمستخدمين حول ظاهرة التسلط في تربية الاطفال،أجاب 10% فيها، نحو الشخصية التسلطية ،ومثل هؤلاء تحمسوا للنازية الهتلرية.
15%لم يكونوا ذو نزعة تسلطية،ولم يكونوا أبداً متحمسين للنازية رافضين لها.
أما البقية وهي 75% فكانت تتسمُ شخصياً بخليط،قسم منهم ذوي سمات الطبقة الوسطى،الذين ليسوا مع التسلط ولا ضده،أي تجمعهم الصفتان سوية،فلم يكونوا متحمسين لهتلر ولامقاومين ضده،كون شخصياتهم غير واضحة المعالم،وقد يكون القليل أو الكثير منهم نشطاء،لكنهم كانوا ضد ممارسة العنف،وهذا ما لوحظ على الطبقة العاملة،حيث كان قسم منها مع النازية،كان عامل نجاح لهتلر،وهو ما ينطبق على دول أخرى بالسؤال،عما يشعربه الناس،بدلاً من عما يفكرون به،وهذا هو الاختلاف بين الفهم وبين القناعة والرأي،وكم هو تجريبي(هذا الاستفتاء لم يُعلن عنه سابقاً من المعهد الذي عمل فيه إيريش فروم).
خصوصية السؤال،هو كيفية منع الديمقراطية من خلال الديماغوجية،الناس أنفسهم عليهم الحكم على الديمقراطية،وكيف يجري الحُكم على ذلك،عندما يؤمنون بما يقوله المرشح أو السياسي،فهناك من ينظر الى صدقية واخلاص وآداب ونظافة المرشح،فالديمقراطية تعمل مع عدة شروط،ومنها عندما يتعلم الناس بالرؤية، وعن الاهداف المُعلنة الحقيقية،الباعثة على ذلك،وعن المعاناة التي يتحدث بها،فلسفته أو شخصيته وتعاليمه عن آراءه السياسية،ليس المهم مايقوله أو مايفكر به،بل نظرته الى الانسان بشكل كامل كأنسان،ومايدعو للعجب،أننا نقوم بذلك في حياتنا العملية بأحسن مايمكن،عندما تجري أتفاقية بين شخص وآخرأو تشغيل أحدٍ ما،فلا يكفي سماع الكلام فقط،بل الانطباع عن أنسانية الشخص ومصالحه،لكن عندما نأتي الى المصالح السياسية، الاجتماعية فلا نعطي أنفسنا هذه الهمة،وهنا نكون مُقادين في حالة راحةٍ،عند حديثه وكأنه ينثر الهداياه علينا،لكن علينا أن نتعلم ذلك وكأننا في مختبريومي،عند الطفولة،الشبيبة والنضوج كخبرة الحياة اليومية.
ومع الاسف ورغم نجاحات علم النفس وبالاخص علم النفس الاكاديمي،هناك ما يمكن قراءته،ورغم أهمية العلم المركزية،للسياسة،للزواج،للصداقة،للتربية،فأن هذا العلم يلعب دوراً صغيراً، رغم أنها مهمة جداً للحياة وبحق، لدوره النظري الكبير.
من السهل أن نقول،أن هذا السياسي أو القائد،أو هذه الفكرة جميلة وجيدةوشافية،ولكن عندما نقول،أن هذا السياسي مُخادع أو أنه يتجه الى الدمار ولديه أهدافاً أخرى،وحين نُثبت أن هناك شيئاً سلبياً يعبرعنه،كمن يرى أحدهم صورةً، تبدو جميلة أو سيئة من الناحية الجمالية،أي أثبات الحقائق قبل كل شئ.
عندما تبدأ المقاومة بعد الانتصار على النازية الهتلرية، ستكون هنا الخسارة،بدلاً من البدء قبل ذلك، فكان على المقاومة أن تبدأ منذ زمن طويل،والمقاومة تعني الاتجاه الواثق بقناعاته،بأن يكون فاعلاً لايُقاد كالخروف،بل كأنسان يفكر ويستطيع ذلك ليُفعل تصوراته ويصنعها بنوعية رائعة،التي تُميز الانسان عن الحيوان،وبمساعدة التعقل عندما لاينفصل عن المشاعر القلبية،لكن السلبية نفسها،الناتجة من تركيبة المجتمع،التي يكون فيها الانسان عبارة عن رقم أو عجلة، لايستطيع فيها تملك القرار ولاتحمل المسؤولية،يعمل كالألة أو الماكنة البيروقراطية، تُملي عليه، والمتميز بالتفكيروالاحساس القليل،يحس أويفكربنفسه بشكل مؤقت بنزعة أنانية،في كيفية الحصول على المال،خطوات الحياة القادمة متجهاً نحو الاثم،دون التفكير بما هو جيد كأنسان.
وهذا ماكان عند اليونانيين في تقاليدهم الكلاسيكية،في المهمة الاساسية للتفكير،كأداة للسيطرة على كوارث الطبيعة،والتحديات أمام ما هو أفضل للعيش،ماهو الجيد للانسان.
السلبيات العامة،النقص للمساهمة الفعالة في الحياة الاجتماعية،تكون الارض الطبيعية للسلبية السياسية،وهي التي تناسب الفاشية أو الحركات المشابهة لها.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول