عتاب على شيوعيي السودان

مصطفى مجدي الجمال
2021 / 5 / 9

يلاحظ من يتابعني أنني مشغول لأذنيّ بمسألة السد الإثيوبي.. وبقدر ما كانت لي ملاحظات جوهرية على سلوك الإدارة المصرية في الأزمة.. بقدر ما صدمت كثيرا في اللامبالاة السودانية، بل وحتى الانحياز صراحة وعمليا لإثيوبيا.. والميل العام إلى حل الأزمة ثنائيًا مع إثيوبيا رغم أن هذا من باب الخيال الوردي.. خاصة من جانب ما تسمى القوى المدنية التي تسيطر عليها مخاوف عودة الجيش إلى الانقلابات..

قلت لنفسي اليوم لأبحث عن موقف الحزب الشيوعي السوداني من الأزمة.. فهو من أعرق الأحزاب هناك وأكثرها وعيًا وثورية.. فصدمت صدمة مروعة.. فكل صفحات الحزب تهتم بكل ما تتخيله من قضايا سياسية وحركية ونظرية.. أما مسألة السد فيتم تناولها بشكل نادر وعلى استحياء.. وبعد ساعات من البحث والتدقيق، وجدت أن هذا الحزب منشغل بالكلية في مسألة الديمقراطية الليبرالية والحفاظ على الثورة بينما لهب الحرب أوشك أن يمسك بتلابيب الجميع.. بل إنه لا مانع لديهم من إثارة مسألة حلايب وشلاتين في وقت يرونه مناسبًا للضغط حيث تحتاج مصر إلى التعاون مع السودان.. ويتوجسون من التدريبات العسكرية المشتركة مع مصر لأنها تقوي نفوذ الجناح العسكري في مجلس السيادة الانتقالي..
ولعل الأسوأ أن يجد المرء ترديدًا لكثير من الحجج الإثيوبية مثل أن عبد الناصر قد بنى السد العالي دون اكتراث بدول حوض النيل.. وأن السد مشروع كهربائي محض.. الخ هذه الترهات التي لا تدرك الخطر الوبيل الذي يهدد وجود الأمة السودانية كلها.. والتي لا تدرك دور القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية والشوفينية الأمهرية في التخطيط والتنفيذ لهذا المشروع، بل وتغض الطرف نسبيًا عن احتلال الأراضي السودانية نفسها..
انظر إلى هذه الفقرة المطولة السيئة على موقع الحزب منذ شهرين:
(( لقد أكتمل بناء نحو ثلثي السد في الخمس سنوات الماضية، ولا تملك مصر فعل أي شيء تجاه السد ووقف بناءه عدا اتخاذ اجراء عسكري، الأمر الذي سيكون خطيراً على منطقة القرن الأفريقي وربما مجمل القارة.
وهذا هو السبب الذي يجعل من الدبلوماسية والحوار والتعاون السبل الوحيدة الكفيلة بحل هذا الإشكال المعقد.
لكن حينما يتعلق الأمر بقضايا القومية والأمن القومي والقوة النسبية وأهمية الدول فإن ذلك قد يعكر صفو "المياه" والعلاقات))
ترى هل تنجح الدبلوماسية كما يتصورون في إيجاد حلول بينما إجراءات فرض الأمر الواقع الكفيلة بزرع "قنبلة مائية" على بعد كيلومترات من سد الروصيرص.. وما الذي يمنع الأمهرة من تمزيق أي ورقة اتفاق براجماتي بعد التمكن من الملء والإملاء.. وهل سيكون للثورة السودانية نفسها مستقبل حينئذ؟ بل هل ستظل الأمة السودانية موحدة وذات سيادة بعد امتلاك إثيوبيا لصنبور المياه؟
انظر إلى الحل الذي يقدمه الحزب:
((في النهاية فإنه يمكن تجنب حدوث أول حرب في العالم على المياه في حوض نهر النيل ، إذا ضغطت شعوب البلدان الثلاثة على حكوماتها لحل المشاكل العالقة بالطرق السلمية وطالبت بالمزيد من الجهد من اجل التوصل لاتفاق الحكوامت الثلاث بما يراعي مصالح الشعوب ويضمن تقدمها ورفاهيتها.
ان الحرب في اثيوبيا سيكون لها الأثر علي السودان، وتجربته الديمقراطية الهشة أصلا بسبب سيطرة اللجنة الأمنية، وعلي شرق السودان المتوتر اصلا، بسبب الفتن القبلية، وتدهور الأوضاع الأمنية، و الانتشار الواسع لعصابات النهب المسلح والاتجار بالبشر والتهريب.
كل ذلك يتطلب أوسع حراك جماهيري شعبي ورسمي من أجل وقف الحرب والحل السلمي الديمقراطي للمشكلة، بتسوية النزاع عن طريق التفاوض، وفقاً لما جاء في ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية ومواثيق بعض المنظمات الإقليمية الأخرى))
صفوة القول: منذ متى يتسم شيوعيون بهذه الرومانسية والاستسلام لأمر واقع يفرضه عدو متعصب تحركه إسرائيل وأمريكا بهذا الوضوح والإجرام؟ وهل يتخيلون أن هناك عونًا سيأتي في هذا الشأن من جانب "الشعوب" الإثيوبية، أم أنها ستتخدر بحلم التنمية وبيع المياه وبناء الإمبراطورية العظمى في شرق أفريقيا؟
في النهاية هل تختلف هذه الأفكار عن سياسات البشيرتجاه إثيوبيا والسد.
أنتظر من الرفاق أداءً أفضل..

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول