درس (9) فهم هوية الحضور في باب العامود، لنتعلم الدرس في حي الشيخ جراح:

بلال عوض سلامة
2021 / 5 / 9

في وصفه لمفهوم "اللاحركات الاجتماعية" للمهمشين يقول آصف بيات (1)(ص. 53)" اللاحراكات الاجتماعية" تختلط بالممارسات اليومية، وتدرس أن انجاز مطالبها لا يكون من خلال مجموعة صغيرة،... وقوة اللاحركات الاجتماعية في وحدة الفاعلين، وقوتهم في العدد، وفي احتلال اماكن تتركز فيها القوة وتستكملها في مجتمع ينتج فيه المهمشون" يساعدنا ما سبق ذكره، في فهم سلوك الحضور اليومي والاصرار عليه في باب العامود، الذي اصبح متبلوراً أكثر من أي شكل من أشكال الحضور الأخرى، ففي حي الشيخ جراح ببعده الوطني فقط وبحضور محدود، ومختزل بالبعد الديني في ساحات المسجد الأقصى فقط، ورغم اهميته ولكنه غير مكتمل باعتقادي، خصوصاً أهمية الدمج البعد الديني بالوطني ليعكس المشهد الكلي كما هو الحدث الاجتماعي، وعليه يشكل الحضور في باب العامود "كمنوذج مثالي" بمفهوم "ماكس فيبر" لكل الأشكال السابقة من الاحتجاجات في بلورة هوية وخطاب وثقافة وشعارات المحتجين في حضورهم اليومي المقاوم، ليكون مرابط في لحظة، ومقاوم في آخرى، وجدع في لحظة، وفلسطيني في رابعة، وكجكارة كحضور يومي للمقدسي في مواجهة الاستعمار خامساً.
ورغم ادراكنا أن السياق الاستعماري يفرض نفسه بصورة أوسع وبشكل دراميتيكي، ولكنه بالمقابل يسرع من تبلور هوية جمعية للحضور ويصعدها، وبهذا نستطيع محايثة التوجه التحليل السابق فيما يخدم توجهنا بالضرورة، لمعاينة الإطار المرجعي للحضور في السياق الفلسطيني، حيث ندرك هشاشة وتصدع البنية الاجتماعية والوطنية في البلدة القديمة بشكل خاص، والسياق الفلسطيني على وجه العموم، مما فرض تحديات جمة على المقدسي، استطاع بثباته ان يشكل تحدي وكمثال للتصدي لممارسات الاستعمار الصهيوني.
حيث ان خروج الشباب لم يكن بالشكل المطلبي، كما بدى للبعض لحظيتها، وباصرارهم في استمرار وجودهم على درجات باب العامود، وتواجد المتحجين على درجاته في البدء، ولكن نتيجة لمعايشتهم الوضع وفهمهم كيفية عمل المؤسسة والأجهزة الاستعمارية في فرض الأمر الواقع، فاستطاعوا ان يروا ويدركوا ما لم نستطع ان نراه "كمتفرجين على الحدث" باعينهم في لحظتها، وبأن الانتهاكات والممارسات الاستعمارية وأن بدت هادئة وناعمة لكل ما هو معتاد عليه الفلسطيني، وخصوصاً في هذا المكان المهم والرمزي والحيوي والهوياتي، ستصبح فرضاً لأمر الواقع وسياسة ستجبر الفلسطينيين/المقدسيين لاحقاً الالتزام والانصياع له – او بالحد الأدني الاعتياد عليها كما هي صناديق الموت-الابراج العسكرية المسيدة على المدخل-.
وعليه شكل اصرارهم واستمرار حضورهم وتدفقهم في اعطاء المكان معنى أبعد ما يعكسه باب العامود كمكان للمارة او للعلاقات الاجتماعية وقضاء الوقت، واستطاعوا أن يفهموا أن سياسات الاستعمار ستؤول إلى اصطناع وتشييد باب العامود باعتباره "اللامكان" "ومكان للعبور" وانهم عبارة عن مستخدمون وعابرين فقط، -وهذا ما تم توضيحه سابقا-، فباب العامود شكل بالبداية لهم استملاك المكان بالشكل الشخصي/الجماعاتي للمكان لأهميته لهم، وجزء من الطقوس اليومية في الممارسات الشائعة في حياة الشبان المقدسيين، وإن كانوا مجموعات تفرقة، قد لا تربط بينهم رابطة اجتماعية سابقة، ولكن يعرفون بعضهم البعض، واصبحوا كجزء من هوية المكان وحدوده من مخيم شعفاط إلى العيساوية وجبل المكبر.
فسياسة الاستعمار كانت حاسمة بمنعهم من أجل فرض الواقع واللامعنى على المكان، مما استدعى استخدام مفرط في القوة والقمع للشبان وتحويل الحضور من جماعاتي/فردي إلى فلسطيني بجسد جمعي، وكلما زاد الافراط في القوة زاد تدفق الشبان من المحيط للحفاظ والدفاع عنه، وباعتقادي أنهم لم يقوموا باختيار المكان بقدر ما لاهمية المكان في اختيارهم، وأدركوا ان الحفاظ عليه يستدعي تدفق المزيد، فعملوا بكافة الطرق والوسائل دعوة واستقطاب العديد من المجموعات الشبابية وغيرها، حتى أضحى المكان مكتظ بالحضور المحتجين، -وليسوا العابرين أو السالكين-، استخدموا ووظفوا وسائل التيك توك والواتس والفيس والتواصل غير الرسمي في استقطاب عدد هائل، وظفت الصورة من الحدث بأبعادها ودلالاتها التي حملت معاني لم تتوقف عبر مكان لاحتساء القهوة كما يعتقد البعض، وأنما كمكان يشكل رئة الحياة والعلاقات الاجتماعية للقدس والبلدة العتيقة، وكلما أزداد القمع ازداد الاصرار على التأكيد على فلسطينية المكان، وتأطيره في الخطابات والشعارات التي اطبقت المعني الكلي في الساحات.
قاد قمع الجنود للشبان إلى مزيد من الاصرار على موقفهم، وساعد في استقطاب المزيد من الشبان وبخلفيات وتوجهات محتلفة "دينية ووطنية وايدلوجية وجندرية" ولأننا نعرف أن بناء الهويات لا يتم من خلال المنظومة السياسية/الحزبية فقط، فاستطاع الحضور من تطوير شبكة من صور التضامن وظفت بشكل جيد وبطرقهم الشعبية وغير الرسمية، وبالمعاني الجديدة التي تم اضفاؤها على الحدث أصبح السلوك والممارسات الاستعمارية على باب العامود باعتباره تهديد للكل الفلسطيني، وكعامل مشترك بين "الاجتماعي، والديني والوطني" وكتهديد مشترك سيكون عنصر اساسي في بلورة هوية وطنية من نوع خاص في المكان، وأخذ الدفاع الجماعاتي الصغير يأخذ شكلاً جمعيا ووطنياً ودينياً كبير.
إن إدارة المعركة/ الواقعة في استعادة مكان العامود فلسطينياً، وبشكل رمزي أخذ ابعاد احترافية في إدارة المعركة، واستنزاف كبير للمؤسسة الأمنية والعسكرية للاستعمار، أليست الصراع استنزافياً، تقول صحفية في وصف الأحداث على باب العامود، هي عبارة عن "كر وفر" بمعنى امتثال مؤقت في لحظة، ورفض والعودة إلى المكان في حالات أخرى، الاشتباك بالحجارة وبالايدي، واعتقالات ومطاردات اعيرة نارية غاز ومياه عادمة، ومن ثم هدوء فعودة مجدداً لاستملاك المكان في باب العامود، لقد استطاعوا تطوير تكنيك فن الحضور وحرب الأمكنة وفرض السيادة عليها بحنكة وروية وإصرار.
العنصر الأخر والمهم في توحيد حرب الأمكنة هي الهتافات الوطنية والدينية سابقة الذكر، كما الصلاة، كما التكبير، وصولا ًإلى اغاني للمقاومة وللأجهزة العسكرية لها، لعب دورا مهم في تأطير الحضور وتشيكله بالبعد الوطني والديني في تشكيل هويتهم وتأكيد لمعناه وأهمية وجودهم وحضورهم في المكان، وعملت على انصهار الذوات المختلفة وجودياً بمرجعياتهم المختلفة عن بعضهم البعض ولكنهم اصبحوا يتصرفون ويسلكون بصورة متشابه متشابهة وبحناجرة لخطابات معتددة وقد تكون متناقضة، ولكن الجامع بينها هوية فلسطينية وفي هذا السياق يوطر الخطاب الشعاراتي لمناضلة شبابية في حي الشبخ جراح تقول " حب الوطن سنة وفرض... والأقصى بنادي حبي الوطن عبادة "، لصبح البعد الوطني طقساً دينياً بامتياز، والديني يغلف الحدث بمعناه الوطنية باحتراف.
لعبت الشعارات كلاصق اجتماعي بالمفهوم "الدوركهايمي" لينصهر فيه الفلسطنيين كذات فلسطينية موحدة وجمعية، حضورها كان واضحاً ومتبلوراً في باب العامود الذي صهر جميع الاختلافات، ناهيكم عن أهمية رمزية وجود وحضور الأعلام الفلسطينية في مناسبات عدة، والذي فرض الحضور في الأمكنة حضورها وهويتها في أكثر من مشهد للتعبير عن استعادة باب العامود فلسطينياً بالمعنى المزي/ وبالمعنى المادي، وإن كان لحظياً على "جيب للجنود الاسرائيليين"، فالمقاومة هي استمرار الحضور والتأكيد على هوية الجموع الكفيل باستيعاب الجميع وبايجاد أدوار مناسبة لهم حسب الموقف والحدث، جميع ما سبق جعلت استمرار تدفق الحضور كفرصة سياسية استطاع الشبان في باب العامود استثمرت بالشكل الصحيح، وهي مرشحة لكي تنمو وتتبلور كحركة وطنية شاملة، تؤسس خابها الشامل والكامل، وقد تكون نواتها على أقل تقدير ونموذج لحرب الأمكنة التي اصبح الفلسطيني يخوضها على مساحة فلسطين التاريخية المحتلة.

كان لحضور المرابطون من فلسطينيي 48 وآخرين مقدسيون معناً آخر للحدث في باب العامود للصلاة، فأُضفي على المكان بعداً ومعناً اضافياً في المزج ما بين الوطني والديني في أهمية الحضور لاستعادة المكان، وعلى الرغم من عدم تأطيره واستثماره كما يجب لاسباب سأعود لمعالجتها لاحقاً، لكنه مهم وجوهري لتأطير الحضور بأشكال مختلف، كأن يتم الصلاة على باب العامود، والتراويح في حي الشيخ جراح، والمواجهة في باحات الأقصى، كما أن الحادثة يجب أن توقظ الفلسطيني من سباته الاستعماري، والعمل ضمن فلسطين التريخية، فشهدنا اليوم 8/5/2021 تدفق الفلسطينيون للاعتكاف في في المسجد الأقصى، كيف نصب الاستعمار حواجزه العسكرية لمنعهم على على الشارع رقم "1"، وعدم السماح لهم بالمرور والقيام بتنزيلهم على مفترض قرية أبو غوش، هذه الحادثة استثارت رابطة أخرى الفلسطيني غافل عنها، ولكن بدعوات المقدسيين للمنطقة عبر سياراتهم للمساعدة في نقلهم للأقصى أخذ بعداً وطنياً آخر، ويفترض أن يشكل وجسر مادي أساسي في اهمية تمتين العلاقات الفلسطينية الفلسطينية، وبنفس المعنى في دعوات المقدسيين لمن انقطتعت بهم الطرق -ليلة الأحداث والمواجهات في المسجد الأقصى- من الضفة الغربية والشمال الفلسطيني للمبيت في منازل المقدسيين، لقد تحول البيت المقدسي مكاناً جامعاً للكل الفلسطيني، فأنقلب السحر على الساحر مرة أخرى.
أن للحضور اهمية بمكان، كما هو الاشتباك في سياق آخر، ولكن من المهم أيضاً مراعاة وأخذ حالات الهلع والخوف للنساء والأطفال كما حدث في ساحات المسجد الأقصى، واختيار أدوات ووسائل حسب ما تستدعيه الحاجة والضرورة، على اعتبار أن المواجهة طويلة والمعركة وحسمها أيضاً لم تأتي بعد، وللأصوات التي خرجت متخوفة على مصالحها الاقتصادية في بداية الأحداث أو من ساحات المسجد الأقصى مبررة من جانب، ولكن، يجب ألا تتحول إلى تخوفات مثبطة لعزيمة الحضور، فيجب اسكات ثرثرة العقل تلك في خضم المواجهة، فالاشتباك والتضحية بمعنى "جزئي ومؤقت ضروري -بمكان- من أجل المحافظة الكلي والدائم" (37)(2)، وفي بعض الأحيان يكون لاستعراض القوة حاجة؛ اذا ما فرضت على الفلسطيني المواجهة فلا بد أن كون قادر على التعبير عن قوتنا ولو بشكلها المحدود في الاشتباك، ومن جانب آخر، مشاهدة ومعاينة الخوف من الاطفال والنساء مهم للتذكير على أن الاستعمار ووحشيته ما زالت حاضرة، فعلينا أن نفهم الصورة بإطارها الحالي والكلي، بان اختيار الادوات مهم وأيضا التعبئة من أجل استمرار تدفق الحضور إلى جميع الأمكنة هو الأهم، وما ستؤول إليه الاحداث في باب العامود سنجد ثمراته في حي الشيخ جراح، وما زلنا بحاجة لاستثمار الحضور لاحقاً فيما بعد رمضان، في الحضور في المسجد الأقصى وما يختبره من تقسيم زمكاني.


(1) بيات، أصف (2014). الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة. المركز القومي للترجمة
(2) تونغ، ماوتسي (د.ت). حرب العصابات: وقضياها الستراتيجية والتكتيكية. ترجمة فؤاد أيوب. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول