في أثر المدن المنسية على طريق البخور (الحلقة الاولى)

كاظم فنجان الحمامي
2021 / 5 / 9

مما لا خلاف عليه ان طريق البخور سبق طريق الحرير بقرون، وكان هو الطريق الأقدم للقوافل بين الشرق والغرب. ويبدأ من سواحل اليمن على بحر العرب إلي شمال البحر المتوسط، مرورا باليمن وجنوب الجزيرة العربية وينقسم إلي طريقين أحدها يتجه إلي نجد ثم العراق وبلاد فارس، والاخر يتجه الي شمال الجزيرة العربية ثم مدينة البتراء في الأردن، ومن بعدها الي فلسطين على البحر المتوسط. ثم يأتي إلي البتراء طريق آخر من سيناء في مصر ليلتقي مع الطريق القادم من شمال الجزيرة العربية. وكانت القوافل المارة بطريق البخور محملة بالبخور، واللبان والتوابل، ومنتجات الشرق إلى دول اوروبا. . .
وكانت مدينة الفاو الأثرية عاصمة مملكة كندة الأولى وملتقي القوافل، وكانت تعد من أشهر المدن العربية القديمة في نجد، ومن أهم المواقع الأثرية في شبه الجزيرة العربية، وتقع الى الجنوب الغربي من العاصمة الرياض بمسافة 700 كم، وتحديدا جنوب غرب محافظة السليل بحوالي 100 كم، وجنوب محافظة وادي الدواسر بنفس المسافة تقريبا. وعلى وجه التحديد في المنطقة التي يتقاطع فيها وادي الدواسر مع جبال طويق عند فوهة مجرى قناة تسمى ((الفاو)) والتي استمدت المدينة اسمها الحديث منها تعريفاً وتمييزا لها عن باقي القرى المجاورة لها، وتشرف مدينة الفاو على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي، وتبعد قرابة 300 كم شمال نجران، وكانت تعرف في العصور الغابرة باسم “ذات كهل” نسبة للتمثال السبئي الشهير كهل. .
اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم منذ القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن الرابع للميلاد قبل أن يغادروها ويتخذوا من شمال الجزيرة العربية مركزا لحكمهم. .
أصبحت هذه المدينة المنسية مركزًا دينيًا وسياسيًا وثقافيًا في شبه الجزيرة العربية وعاصمة مملكة كندة. واشتهرت بأسماء عديدة عبر العصور منها “المدينة الحمراء” و “مدينة الحدائق”. وهي واحدة من 13 مدينة قبل الإسلام تم اكتشافها مؤخرًا في المملكة العربية السعودية. ويعود الاهتمام بها كموقع أثري إلى أربعينيات القرن الماضي عندما قدم بعض عمال أرامكو تقارير عنها، ثم بدأت الحفريات الجادة في عام 1972.
تم العثور على العديد من المكتشفات في الموقع، بما في ذلك الكتان وصوف الأغنام والعملات الفضية والأساور المصنوعة من المعدن والزجاج والعاج والخواتم الفضية والنحاسية والخرز والزجاجات الصغيرة للعطور ومستحضرات التجميل.
وأظهرت التنقيبات التي بدأت في الموقع قبل أكثر من أربعين عامًا، أن النسيج العمراني المكتشف في موقع «الفاو» يتشكل من المنطقة السكنية والتي تشمل منازل وساحات وطرقات بأنواع متعددة، ومنطقة السوق الرئيسي التي تضم المرافق والخدمات وأهمها الآبار والقنوات وخان القوافل، وتعتبر المنطقة السكنية من أهم معالم «الفاو»، حيث تقدم نسيجًا عمرانيًا متكاملاً، وتعطي تصورًا لمدينة عربية قبل الإسلام، كما أن المنازل في المنطقة السكنية مبنية على طراز معماري غاية في الجودة، واهتم سكان الفاو بزخرفة جدران المنازل. وتضم المكتشفات والموارد الأثرية في الموقع، السوق الذي يقع شمال المنطقة السكنية، وهو عبارة عن سوق ضخم مكون من ثلاثة طوابق وتحيط به الأسوار العالية والأبراج من جهاته الأربع، وهو بمثابة خان للقوافل التجارية التي كانت تنزل في «الفاو». .
وتمتاز هذه المدينة بوجود كم وافر من الآثار والتحف والأبراج والميادين والأسواق التجارية، وعرف أهلها الزراعة حيث عثر فيها على عدد كبير من آبار المياه، وتم إحصاء (17) بئراً ضخماً، كما أنها تقع على وادي يفيض بين مدة وأخرى، وحفروا الآبار الواسعة وشقوا القنوات وزرعوا النخيل والكروم وبعض أنواع اللبان والحبوب، كما استعملوا جذوع الأشجار والنخيل في تسقيف منازلهم، والأخشاب المحلية والمستوردة لأبوابهم ونوافذهم، واهتموا بالثروة الحيوانية ومنها الجمال والأبقار والماعز والضأن والغزلان والوعول. . .
وللحديث بقية. . .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي