الماركسية كعلم 6

طلال الربيعي
2021 / 5 / 9

ذكرت في الحلقة السابقة انه لو عالجنا موضوعة العلم في النظرية الماركسية وفي التحليل النفسي, فانه يمكنننا القول أن النظريتين تعملان, عموما, بنفس الطريقة والقواعد المنهجية. السؤال إذن هو: هل الماركسية والتحليل النفسي، إما على حدة أو مجتمعتان، ذات صلة بمصلحة تحررية عملية للبشرية. فقد جادل العديد ان الإجابة كانت بالنفي, وذلك لأسباب منها أيديولوجية تتلبس لباس العلم او فلسفته كما لدى فيلسوف العلم كارل بوبر المستمدة من أيديولوجية نيوليبرالية-.

الحلقة هذه تسعى الى شرح الأيديولوجية النيوليبرالية لفلسفة العلم لدى بوبر, وتفند أيضا زعمها بالعلمية!

اعتبر بوبر الماركسية والتحليل النفسي (الفرويدوي) كعلميين زائفين لكون فرضياتهما, بعرفه, غير قابلة للتكذيب not falsifiable. ولكن بوبر, ضمن امور اخرى, أساء فهم طبيعة التحليل النفسي, كما انه لم يعلق على تحليل نفسي آخر غير فرويدوي, مثل التحليل النفسي اللاكاني, الذي سعى فيه المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان الى احالة التحليل النفسي الى علم رياضيات توخيا للدقة ولتجنب سوء الفهم الذي قد تخلقه الكلمات.
Psychoanalysis and science: the equation of the subjects
https://www.scielo.br/scielo.php?--script--=sci_arttext&pid=S0103-65642017000300414&lng=pt&nrm=iso&tlng=en

وكما ذكرت في مكان سابق ايضا, ان بعض علماء النفس والتحليل النفسي سعوا الى جعل علم النفس محاكيا لعلم الفيزياء, وهو اتجاه يسمى عادة الفيزياوية, physicalism.
-الماركسية كعلم 3-
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=713339
وذلك لاسباب منها ان الفيزياء تعتبر ملكة العلوم الطبيعية, ومحاكاة علم النفس لعلم الفيزياء تكسبه مصداقية علمية واحتراما في الاوساط الاكاديمية, مما يسهل حصول اقسام علم النفس والفروع ذات الصلة على مِنحْ ومخصصات مالية من قبل الحكومات والقطاع الخاص. الا ان المسألة لا تعود فقط الى ما يسمىه البعض حسد الفيزياء "Physics envy",
Physics Envy: Get Over It
https://issues.org/physics-envy-get-over-it/
وإنما لاعتبارات تتعلق ايضا بتطور العلم وتشظيه. فرائد التحليل النفسي فرويد بنى نظرياته على غرار فسيولوجية هلمهولتز او مدرسته school of Helmholtz او الحركة البايو-فيزياوية biophysics movement كما يسميها البعض.
Freud’s Earliest Theories and the School of Helmholtz

https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/21674086.1944.11925576

وكان هلمهولتز طبيبا وعالم فيزياء. والفسيولوجيا, علم وظائف الاعضاء, لم تكن علما مستقلا وقتها, بل كانت جزءا من علم الفيزياء. ولذلك ان منهجية فرويد البحثية مشابهة الى حد كبير, باعتقاد غليمور, لمنهجية نيوتن!
Glymour, C. (1974). Freud, Kepler and the Clinical evidence. In: R. Wollheim (Ed.), Sigmund Freud. New York: Anchor
https://www.amazon.com/Sigmund-Freud-Richard-Wollheim/dp/052128385X

وقد يكون حسد الفيزياء نوعا من تجلي ما يسميه فرويد حسد القضيب,
The Significance of Penis Envy in Women
https://www.taylorfrancis.com/chapters/edit/10.4324/9780429474668-6/significance-penis-envy-women-maria-torok
اي, بعرف فرويد, حسد المرأة للرجل لامتلاكه القضيب, حيث تمثل العلوم الناعمة او الرخوة soft sciences, علم النفس وعلم الاقتصاد وعموم العلوم الإنسانية, القضيب الرخو, غير المنتصب, بينما تمثل العلوم الصلدة hard sciences, مثل علم الفيزياء القضيب الصلب- المنتصب. والقضيب غير المنتصب سيكون قضيبا عاطلا disabled.

والستالينيون الذين يزعمون ان الماركسية علم طبيعي لا يعبرون سوى عن حسدهم للقضيب (المنتصب)! ولذا لا غرابة ان البعض من بدو منطقتنا الذين يبجلّون ويعبدون القضيب ومعادله السلطوى الفاليس phallus, الملك او السلطان, هم من اعتي الستالينيين واشدهم تححرا. وتحجر عقولهم هو دلالة بالغة التعبير عن حسدهم للقضيب المنتصب او الى سعيهم ان يكونوا هم القضيب. انهم يعوضون نفسيا عن رخاوة قضيبهم بتحجر عقولهم وبعبادتهم للقضيب, ستالين او الملك (الهاشمي او غير الهاشمي). انهم مخصيون ويعانون من عقدة اوديب. وخطابهم, حسب لاكان, هو خطاب الهستيريا, حيث إن الهستيري لا يملك جوابا لسؤاله "هل أنا رجل ام امرأة؟".

وهذا التوصيف, الخطاب الاوديبي-هستيري-ذكوري, ينطبق بنفس القدر على أحزاب سلطوية متكلسة, تتحكم بها ملازمة ستوكهولم, مثل ما يسمى -الحزب الشيوعي العراقي- الذي عمه سام حل محل ستالين. والاخصاء هو الاخصاء, والهستيريا هي الهستيريا! وما يسمى Physiognomy (علم الفراسة) قد لا يكون علما كاذبا بعرف بوبر او غيره في نهاية المطاف! وشعار هؤلاء -الشيوعية اقوى من الموت- تميت المزيد من الشيوعيين بحجة اعلاء شأن الشيوعية! وهم, شاؤوا ام ابوا, لا يعلون سوى من شأن اعداء الشيوعية. إنها شيوعية المخصيين وحسّاد القضيب! والشواهد الامبريقية التي نستطيع استدعائها للتدليل على ذلك لا تعد ولا تحصى.

واعتقد ان هذا الشعار هو كلمات مؤسس الحزب فهد التي نطق بها أثناء اعتلاءه المشنقة. وفهد كان من عائلة مسيحية. وشيوعيته, تأويليا او هرمانطيقا, كانت صنوا للمسيحية او مقاربة لها. ما الغرابة في هذا وزعيمه الاممي ستالين درس اللاهوت واراد ان يصبح قسا؟ وفهد, ككل او اغلب الشيوعيين في وقته, كان ستالينيا. والمسيح لا يموت, بل ينهض من موته ويبعث من جديد. من يموت هو المسيح-الانسان. أما المسيح-الأله فلا يموت. وزعيم الشيوعية في العراق وقتها, فهد, كان هو مسيح العراق. والمسيح بُعث من جديد بشخص القائد مقتدى الصدر, ومن قبله صدام: كاسترو العراق. والله حر ويستطيع, اذا شاء, ان يظهر في شخص اي من عباده الصالحين او (الطالحين). ومقولة فهد وكهنويتيه تذكرني بما قاله ستاليني معاصر (معاصر!؟) ان بابا الفاتيكان الحالي هو الشيوعي الحقيقي. وهو بذلك يثبت مسيحية شعار
-الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من اعواد المشانق-. والمشانق, بالطبع, اقل إيلاما ورعبا (هيتشكوكية) من صلب المسيح! وهذا الحزب, حر حرية الله رغم عبودية الاحتلال او بالأحرى بسببها. لذا يزعم ان مقتداه كان سيحقق شعار الحزب في -وطن سعيد!-! ونحن لا نملك الا ان نقول -آمين يل رب العالمين-, ونسأل بنفس الوقت: ما الذي منعه او يمنعه إذن؟ ومع اني, كقاعدة, لا أحبذ استخدام كلمة -المجانين- حتى لو كانت لصالحهم! الا اني أستثني نفسي هذه المرة, وأتمنى ان تكون آخر مرة, وأقول -خذوا الحكمة من أفواه المجانين-!

والستالينيون الذين يزعمون ان الماركسية علم طبيعي لم يقرؤا ماركس. والا لعلموا انه قال:
-التاريخ لا يفعل شيئًا، "لا يمتلك ثروة هائلة"، "لا يخوض أي معارك". إن الإنسان ، الحقيقي ، الإنسان الحي هو الذي يفعل كل ذلك، ويمتلك ويحارب؛ "التاريخ" ليس منفصلا عن الانسان ، (و) يستخدم الإنسان كوسيلة لتحقيق أهدافه الخاصة؛ التاريخ ليس سوى نشاط الإنسان في السعي وراء أهدافه ...-
The Holy Family Chapter VI
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/holy-family/ch06_2.htm#:~:text=History%20does%20nothing%2C%20it%20%E2%80%9Cpossesses,of%20man%20pursuing%20his%20aims.

وهؤلاء بقبرون الماركسية ويحيلون الانسان الى حيوان!
ان المنطق الصوري لمن يساوي الماركسية بالعلم الطبيعي هو كالتالي:
الحيوان والجماد تنطبق عليه قوانين الطبيعة!
الانسان تنطبق عليه قوانين الطبيعة!
اذن ان الانسان والحيوان والجماد سيان.
ومادية ماركس الحية تحال الى مادية فويرباخ الجامدة!

وحسد الفيزياء, في حالة بوبر, يتجلى بشكل مختلف في الشكل وليس في الجوهر. فقد يكون من الحقائق المذهلة أن معظم المعجبين ببوبر جاءوا من العلوم البيولوجية والحقلية: جون إكليس، عالم الفسيولوجيا العصبية الأسترالي الحائز على جائزة نوبل في الطب؛ كلارنس بالمر، عالم الأرصاد الجوية النيوزيلندي؛ جيفري ليبر، عالم التربة الأسترالي, وحتى ايضا هيرمان بوندي، عالم الفيزياء النمساوي البريطاني، الذي عمل في علم الكونيات التخميني. بعبارة أخرى، كان هؤلاء العلماء, الذين لم يكن من السهل اختبار اعمالهم في محاولة معملية او مختبربة للتكذيب - طريقة بوبر - هم الذين لجأوا إلى بوبر. هذا امر غريب, ويُعتقد أنهم كانوا يأملون في الحصول على بعض الثقل المعرفي لاعمالهم. لإلقاء نظرة أوسع على اللغز، قد نلاحظ "الحسد الفيزيائي" المنسوب أحيانًا إلى علماء الحقل field scientists في القرن العشرين: الافتقار النسبي للاحترام الذي عانوه في كل من الدوائر العلمية والعامة. بدا أن بوبر يقدم الخلاص لهذا المرض المعين.

واني اشرت من قبل ايضا الى تمييز دلثي بين العلوم الطبيعية, من جهة, والعلوم الإنسانية والاجتماعية, من جهة اخرى. وهذا شيء لا يستطيع " حسد الفيزياء" التقاطه لأن الطبيعة الاجتماعية للبشر تجعل أي قوانين للسلوك مؤقتة وسياقية. في الواقع، من المحتمل أن يُنظر إلى مصطلح "العلوم الانسانية " على أنه تناقض لفظي.

في السنوات الأولى من إحياء الكلاسيكية الجديدة، في سبعينيات القرن الماضي، حذر الحائز على جائزة نوبل واسيلي ليونتيف من الانجراف الذي بدأ في الاقتصاد نحو ما أطلق عليه لاحقًا, كما نوهت به اعلاه, "حسد الفيزياء". في إشارة إلى أن البيانات البشرية تختلف عن تلك الموجودة في العلوم الطبيعية بسبب طبيعتها دائمة التغيير.
Do economists suffer from physics envy?
-هل يعاني الاقتصاديون من حسد الفيزياء؟-
http://www.taloustieteellinenyhdistys.fi/images/stories/fep/f1992_1f.pdf
يؤكد ليونتيف إن الاقتصاديين سينجزون أعمالهم بشكل أفضل اذا قضوا وقتا اقل في إتقان الرياضيات، والمزيد من الوقت في (توسيخ أياديهم) في الحصول على المعطيات الميدانية.
(الاقتصاد الكلاسيكي الجديد هو نظرية واسعة تركز على العرض والطلب كقوى دافعة وراء إنتاج وتسعير واستهلاك السلع والخدمات. ظهرت في حوالي عام 1900 لتنافس النظريات السابقة للاقتصاد الكلاسيكية. تشكل مدرسة كامبردج ولوزان للاقتصاد أساس الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. الاقتصاد الكلاسيكي أو الاقتصاد السياسي الكلاسيكي هو مدرسة فكرية في الاقتصاد ازدهرت، بشكل أساسي في بريطانيا، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. مفكروها الرئيسيون هم آدم سميث، جان بابتيست ساي، ديفيد ريكاردو، توماس روبرت مالتوس، وجون ستيوارت ميل. أنتج هؤلاء الاقتصاديون نظرية عن اقتصاديات السوق باعتبارها أنظمة ذاتية التنظيم إلى حد كبير، تحكمها القوانين الطبيعية للإنتاج والتبادل (اشتهرت باستعارة آدم سميث عن اليد الخفية لتنظيم السوق).

وتقسيم العلوم وتشظيها الى علوم طببيعية وعلوم انسانية يذكرنا بالعلم الزائف المسمى -علم الاقتصاد العصبي-,
-الماركسية و-علم الاقتصاد العصبي!- 1
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=668331
الذي يجسد بجلاء التفتت الفكري الحالي, كما يتمثل في الانفصام بين العلوم, والتي يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتجنب الاباحية العلمية Scientific Promiscuity, مما يدلل على عقلية اخلاقية طهرانية-فيكتوريانية في العلم غير مستنبطة من اية حقائق امبريقية. وتجنب الاباحية العلمية كأخلاقية تستدعي حقيقة ان رائد علم الاقتصاد آدم سميث كان عالم اخلاق. ويمكن يكل سهولة إبدال كلمة -السوق- بكلمة -الله- في استعارته عن -اليد الخفية- لتنظيم السوق. لذا هل نلوم الفيلسوف الماركسي فالتر بنيامن عندما اعتبر الرأسمالية دينا؟
-الرأسمالية كدين: العراق كمثال!-
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=673285
(لم ير احد يد الله او يد السوق-ميتافيزيقية في اعلى مراحلها!)

وصفات الانسان الفاضل, كما يقترح آدم سميث في نظريته المسماة -المشاعر الاخلاقية, هي -الحصافة والعدالة والإحسان والسيطرة على الذات-!
Virtues. Smith ends The Theory Of Moral Sentiments by defining the character of a truly virtuous person. Such a person, he suggests, would embody the qualities of prudence, justice, beneficence and self-command
The Theory of Moral Sentiments
https://www.adamsmith.org/the-theory-of-moral-sentiments#:~:text=Virtues.,%2C%20beneficence%20and%20self%2Dcommand.&text=Beneficence%20improves%20social%20life%20by,promote%20the%20happiness%20of%20others.
ونحن نقول انه blablabla, وقد يترجم البعض ذلك بكلمة -هراء-!

كان C. P. Snow روائيًا إنجليزيًا وكيميائيًا فيزيائيًا وخدم أيضًا في عدة مناصب مهمة في الخدمة المدنية البريطانية لفترة وجيزة. يمكن اعتبار علم الاقتصاد العصبي تلبية فجة او مبتذلة لدعوة Snow الى ضرورة ردم الفجوة بين العلوم الطبيعية والإنسانيات, وكما تمثل ذلك في صياغته لمصطلح "ثقافتانا"
Our Two Cultures
https://www.nytimes.com/2009/03/22/books/review/Dizikes-t.html

فكما عبَّر رائد علم السيبرنتيك او علم التسيير الذاتي Norbert Wiener فإن العالِم scientist "سيملأ علمه بمصطلحات حقله, وسيعرف كل ما كتب فيه. لكن في أكثر الأحيان, سوف يعتبر الموضوع او العلم الآخر امرا يخص زميله ثلاثة أبواب أسفل الممر, وسوف يعتبر تدخله في مجال اختصاص الآخر من جانبه خرق لا مبرر له للخصوصية ". ويرجع هذا الانفصام الى ايام الفيلسوف ليبنتز حيث كان هذا الفيلسوف الوحيد الذي كان ملما بكل معارف عصره, على حد تعبير Wiener.
Communication in the Animal and the Machine
https://books.google.at/books/about/Cybernetics_Or_Control_and_Communication.html?id=NnM-uISyywAC&re---dir---_esc=y Cybernetics:´-or-Control and

أحد تجلي تشظي العلوم هو الفصل بين النظرية والعمل. لقد تجاوز ماركس في كتابه "رأس المال" اطروحته ال XI حول فويرباخ في ان الفلاسفة سعوا الى (تفسير!) العالم والمهم تغييره.
XI
The philosophers have only interpreted the world, in various ways- the point, however,
is to change it
واني افضل ترجمة الكلمة interpret الى "تأويل" وليس الى "تفسير". فالأولى تعامل النص كمادة حية دائما وخاضعة للتأويل من خلال تفاعل القارئ مع النص (وهو تفاعل يذكرنا بعالم فيزياء الكم النمساوي الحائز على جائزة نوبل, ايرفين شرودنجر, وتجربتة العقلية المسماة -قطة شرودنجر السوداء-), وعلى عكس الثانية التي تحيل النص الى مادة تنسجم مع مادية فويرباخ الجامدة. وأعداء التأويل وأنصار التفسير من اتباع الماركسية المبتذلة, مثل ستالين, هم الذين احالوا (فكر) لينين الى أيقونة, مادة جامدة وهامدة, عندما قاموا بتحنيط جثته. وهؤلاء هم نقيض الماركسية واللينينية بدلالة ما قاله لينين , انسجاما مع ماركس رأس المال: "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"! انهم قد استسلموا للرأسمالية, باعلانهم موتها, ورفعوا اياديهم الى اعلى وكأنهم بحاحة الى اعلان رسمي عن اخصائهم. وشعارهم هو: يا مخصيي وهستيريي العالم اتحدوا!

"لكن هل حقًا أن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم؟ يجيب سلافوي جيجيك بـ"لا" كبيرة، ويرى أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ تغيير، أو محاولة تغيير العالم، ويرى أن هيغل وحده اختار أن يكون متأملًا فقط،"
-تفسير العالم وتغييره ما بعد ماركس-
https://www.ultrasawt.com/%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%D9%87-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3/%D8%AE%D8%B6%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%BA%D8%A7/%D9%82%D9%88%D9%84

وكما نعلم, فأن ماركس كتب اطروحاته الاحدى عشر لأن فوبرباخ كان أحد الهيغليين الشباب, ولكن هذا لا يعني ان هيغل كان كشخص متأملا فقط؟ فهو لم يكن خادم الملكية البروسية المطلقة المطيع, بل انه دعى دوما الى ملكية دستورية واجراء اقتراعات عامة. وقد عرضته مواقفه هذه لغضب الملك وحاشيته.
FAQ - Hegel and politics
https://hegel.net/en/faq.htm#wasnt-hegel-a-lackey-of-the-prussian-monarchy

بالرغم من ان ان الاطروحة الحادية عشر قد خطت على قبر ماركس,
https://www.google.com/search?sa=X&rlz=1CAPKUQ_enAT906&sxsrf=ALeKk03qCs7aI8ZyTUTbq3UJ4DB5b5pPcg:1620243767616&source=univ&tbm=isch&q=Tomb+of+Karl+Marx&ved=2ahUKEwiekN-xprPwAhUHxoUKHQ4CDXcQ7Al6BAgEEAQ&biw=1117&bih=533#imgrc=7AumsbIKxAo9uM&imgdii=oRDydF8Mo56u9M
الا انه ينبغي وضعها في سياقها الصحيح وعدم تحميلها ما فوق طاقتها من اجل تجنب فتشية العمل وتقديسه على حساب النظرية-نحن نعلم ان ماركس ترك النشاط السياسي المباشر عندما تفرغ لكتابة رأس المال. وفتشية العمل تتجلى بشكل واضح في احزاب المنطقة الشيوعية التي تغرق نفسها بالروتين اليومي وكأي جهاز بيروقراطي عتيد, ولكنها تعاني من فقر نظري مدقع. وهذا يعني ان هذه الاحزاب هي النقيض الفكري لماركس رأس المال و للينين في آن واحد. ولذلك ان تسمية نفسها كاحزاب شيوعية ينبغي اخضاعه لمنطق العلم التأويلي للتعرف على خطابها المناقض للشيوعية. وهي مهمة العلم التأويلي فقط ولا يساعدنا العلم الطبيعي في انجازها قيد شعرة. ففتشية العمل, وليس انتاجيته هي موروث شعبي, في العراق مثلا. والقاص العراقي الراحل غائب طعمة فيرمان عبر عن هذا الموروث في روايته, التي حولت الى مسرحية -النخلة والجيران-. فاحد ابطالها جسد فتشية العمل بترديده المثل العراقي السائر "في الحركة بركة"! و المثل لأسباب قد تكون مفهومة يستثني الدماغ من الحركة: فالدماغ لا يمكن رؤيته ولا يمتلك عضلا تحركه. ونحن نعلم ايضا من علماء الجنس الذائعي الشهرة ماسترز وجونسون
About Masters & Johnson
https://kinseyinstitute.org/collections/archival/masters-and-johnson.php
ان اعمال الفكر اثناء الفعل الجنسي يرخي القضيب ويمنع الانتصاب. وقضيب لا ينتصب هو قضيب عاطل. والرجل بقضيب عاطل هو انسان عاطل او حتى ليس بانسان! والقضيب, وليس الدماغ, هو السيد والقائد (دام طله وحفظه الله). اذن ان الداعشيين ليسوا هم فقط عبدة القضيب (لذا يصونوه عندما يفجرون انفسهم كي يواصلوا نشاطهم القضيبي مع حوريات الجنة بارادتهن او بالضد منها!؟). فعَبدةْ القضيب انواع واشكال, والبعض منهم بتلبس لباس السيتالينية. و"الحديدية" التي يصفون بها اتباع ستالين شخصه تصلح ايضا كتوصيف لأفضل انواع انتصاب القضيب. وأحد انواع علاج ضعف الانتصاب هو وضع معدن كالحديد في داخل القضيب ليكون جاهزا للعمل ليل نهار. الا يزعم الستالينيون ان ستالين عمل ايضا ليل نهار؟

لقد كانت مجموعة من علماء الأحياء هي التي أعطت بوبر الفرصة الاولى للاستماع الى محاضراته . التقى بوبر بنادي علم الأحياء النظري في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، في جامعة أكسفورد، في حفلات منزلية في سيري، وأخيراً في لندن أيضًا. قام بوبر بزيارة النادي قبل الحرب وبعدها، حيث ناقش بالضد من نظرية التطور وإقامة روابط بين التخصصات البيولوجية المختلفة. خلال فترة ما قبل الحرب على وجه الخصوص، كانت البيولوجيا التطورية - اعتمادًا على وجهة نظر المرء - إما معقدة بشكل مثير أو فضفافة بشكل مربك. تنافست النظريات الأنيقة للتطور المندلي ( نسبة الى الراهب النمساوي جريجور مندل ونظريته في الوراثة وقوانينه الثلاثة, حيث يعتبر مندل رائد علم الوراثة والجينات)، حيث تورث الخصائص المنفصلة بشكل عشؤائي وتشرح التطور بأوصاف إحصائية غامضة للصفات الجينية، متدرجة باستمرار عبر المجموعات السكانية. في غضون ذلك، كان جوزيف هنري وودجر ، قائد الفريق البيولوجي، يأمل بواسطة طريقة فلسفية محكمة بتوضيح المفهوم البيولوجي غير المستقر لما يسمى "العضوية". ربما يمكن أن تساعد صرامة بوبر في توضيح الأمر برمته.

(العضوية فكرة قديمة في الفلسفة تعود الى افلاطون وقد تجسدت لاحقا في فلسفات وحقول معرفية مخنلفة. حول العضوية في القرن 21 يمكن مراجعة
Embracing complexity: Organicism for the 21st century
https://anatomypubs.onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1002/1097-0177(2000)9999:9999%3C::AID-)DVDY1036%3E3.0.C) (O-2-A
الا ان فرويد رفض إعطاء اي دور للفيزياوية او العضوىة في علم التحليل النفسي رغم ان بعص اعماله قد تدعم العكس!
Language and the Origins of Psychoanalysis
Pp. 214-15
https://link.springer.com/content/pdf/bbm%3A978-1-349-04445-0%2F1.pdf

كان من بين العلماء الفلسفيين المتحمسين لنادي علم الأحياء النظري شاب اسمه بيتر مدور. بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية، تم تجنيد مدور في مختبر لأبحاث زراعة الأنسجة، حيث بدأ حياته المهنية التي توجها بالحصول على حائزة على جائزة نوبل في العلوم البيولوجية. في العديد من كتبه للجمهور الشعبي، وفي محاضراته في بي بي سي ريث عام 1959، كان ينسب الفضل لبوبر في نجاح العلم، ليصبح أبرز اتباع بوبر على الإطلاق. (بدوره ، أشاد ريتشارد دوكينز إلى مدور بأنه "المتحدث الرئيسي باسم" The Scientist "في العالم الحديث"، وتحدث بشكل إيجابي عن قابلية التكذيب.) أوضح مدور بوضوح كبير كيف يمكن اختبار حتى الفرضيات حول المستقبل الجيني للبشرية تجريبيًا على ضوء قلسفة بوبر. في عام 1976، ضمن مدور حصول بوبر على زمالة نادرة بين غير العلماء في الجمعية الملكية العلمية بلندن.

بينما كان كل هذا يحدث، كان ثلاثة فلاسفة يسحبون البساط تحت أقدام بوبر. لقد جادلوا بأنه عندما تفشل التجربة في إثبات فرضية ما، يمكن إلقاء اللوم على أي عنصر في التكوين المادي أو النظري. ولا يمكن لأي اعتراض منفرد أن يحسب على الإطلاق ضد نظرية، حيث يمكننا دائمًا وضع فرضية مساعدة بحسن نية لحمايتها: ربما لم تكن فئران المختبر قد تزاوجت بشكل كافٍ لإنتاج الاتساق الجيني؛ ربما يحدث التفاعل الكيميائي فقط في وجود محفز معين. علاوة على ذلك، علينا حماية بعض النظريات من أجل المضي قدمًا على الإطلاق. بشكل عام، لا نستنتج أننا قد دحضنا قوانين الفيزياء الراسخة - بدلاً من ذلك، نقول أن تجربتنا كانت خاطئة. ومع ذلك, لم يأبه البوبريون بهذا النقد. ما الذي رأوه في بوبر ؟

جادل المؤرخ نيل كالفير في عام 2013 أن أعضاء الجمعية الملكية لم يتأثروا بقواعد بوبر المعرفية للبحث أكثر من تأثرهم بأناقته الفلسفية. خلال الستينيات، أصيبوا بالصدمة بسبب الجدل حول "الثقافتين-كما اشير اليه اعلاه" الذي جعلهم فنيين متقدمين مقارنة بالصناع المحترمين ذوي الثقافة العالية. كانت الفلسفة سلاحًا ثقافيًا جيدًا للرد، لأنها أظهرت تقاربًا مع الفنون. على وجه الخصوص، كان سرد بوبر لما حدث قبل التكذيب في البحث دفاعًا جيدًا عن الصفات "الثقافية" للعلم. ووصف هذه المرحلة بأنها "تخمين"، فعل من أعمال التخيل. قام مدور وآخرون بدور كبير في اشاعة هذا الإبداع العلمي (!) من أجل الحفاظ على الشهرة الثقافية في مجالهم. لم يكن بوبر الذي صوروه هو بوبر التكذيب على الإطلاق، بل كان بوبرا آخرا من وحي خيالهم.

على الرغم من أهمية النقاش بين الثقافتين للمشاركين، إلا أنه كان بمثابة عاصفة مؤسساتية في فنجان. خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، عندما كان كتاب بوبر -منطق البحث- Logik der Forschung متاحًا باللغة الإنجليزية، كانت الغيوم تتجمع مما هدد باغراق ما هو أكثر من الأواني الخزفية للجمعية الملكية. في ذهن الجمهور، أصبح العالِم Scientist شخصية خطيرة، البعبع المسؤول عن القنبلة الذرية. ستانلي كوبريك -دكتور سترينجلوف- (1964)،
Almost Everything in “Dr. Strangelove” Was True
https://www.newyorker.com/news/news-desk/almost-everything-in-dr-strangelove-was-true
الذي مثله بطريقة مشوشة لا تُنسى بيتر سيلرز. جسد سترينجلوف النقيض الكامل للمثل العليا للبوبريين، وهو نازي عمل في المركز العصبي الصناعي العسكري لـ "العالم الحر". على هذا النحو، فقد عكس القصص الواقعية لمجرمي الحرب النازيين الذين استوردتهم عملية -مشبك الورق- Operation Paperclip إلى الولايات المتحدة للمساعدة في جهود الحرب الباردة - وهو مشروع تم اكتشافه في وقت مبكر من عام 1951 من قبل صحيفة بوسطن غلوب. على ضوء هذه الخلفية، كان التواضع المعرفي لعلم بوبر جذابًا بالفعل. لقد نبذ العلماء الحقيقيون، في النمط البوبري, كل السياسة. لم يحاولوا معرفة الذرة، ناهيك عن كسب الحروب. لقد حاولوا فقط تكذيب الأشياء. كما قال مدور في "أمل التقدم" (1972):

لا يجب أن يؤخذ العالم الشرير على محمل الجد ... ومع ذلك ، هناك الكثير من الفلاسفة الأشرار والكهنة الأشرار والسياسيين الأشرار.
كان التكذيب وصفة لإعلان التواضع الشخصي أيضًا. في مقابلة في عام 2017 لمشروع التاريخ الشفوي للعلوم البريطانية Oral History of British Science project،
https://sounds.bl.uk/Oral-history/Science/021M-C1379X0122XX-0013V0

رفض عالم البلورات جون هيليويل، بشيء من الإحراج، الفكرة القائلة بأنه ربما كان مسؤولاً عن أي ``نقلة نوعية ثورية في العلم (بتعبير توماس كون المعاصر لبوبر)، عندما ابتكر طريقة جديدة لتصوير البروتينات والفيروسات، وفضل بدلاً من ذلك الاشارة الى فكرة التكذيب المتواضعة لوصف عمله.-
The hope of progress
ttps://bmcbiol.biomedcentral.com/articles/10.1186/1741-7007-8-39
لقد كان ولا يزال قصر نظر فكري ان يفصل العلم عن الأخلاق بهذه الطريقة.

ومع ذلك، يمكن أن يكون تواضع شخص ما هو إنكار شخص آخر للمسؤولية. تتمثل الطريقة الأكثر قتامة في تقديم موضوعة Popper vs Strangelove, حيث يمثل الأول الشر والثاني الخير, لتعني إن التكذيب يوفر عدم مساءلة أخلاقية لأتباعه. لا يمكن اتهام أي عالم بتأييد سبب خاطئ إذا كان عمله لا يتعلق بالاثبات confirmation. أعلن بوبر نفسه أن العلم هو بالأساس عمل نظري-فتشية النظرية كوجه عملة الآخر للعمل!
https://aeon.co/videos/a-doctrine-against-doctrinaires-the-enduring-radical-modesty-of-karl-popper

ومع ذلك ، فانه من السذاجة تصور عالمًا, يعمل خلال الحرب الباردة, لم يكن يدرك أهمية مصدر تمويله والآثار المترتبة على أبحاثه. مدور، على سبيل المثال، كان يعلم جيدًا أن مجاله الخاص في علم المناعة نشأ مباشرة من محاولات ترقيع الجلد وزرعه للجرحى من ضحايا الحرب العالمية الثانية. علاوة على ذلك، كان هو مدركًا تمامًا للعدد الكبير من الجثث المتضمنة في تجاربه (بما في ذلك استخدام جثث المجرمين في فرنسا) - ليس بأي حال من الأحوال أمر غير أخلاقي في جميع الحالات، ولكنه بالتأكيد بعيد كل البعد عن النظرية.
THE BIRTH OF TRANSPLANTATION IMMUNOLOGY: THE BILLINGHAM–MEDAWAR EXPERIMENTS AT
BIRMINGHAM UNIVERSITY AND UNIVERSITY COLLEGE LONDON
https://cob.silverchair-cdn.com/cob/content_public/journal/jeb/207/23/10.1242_jeb.01293/3/4013.pdf?Expires=1623275873&Signature=SmUTSsCluopUKIf9W87S8e2Q0HzX-UHQM5HL38XIquqoM7m1~GXdSwFKgbrEps67QZeB57Kqou7aLjsG2QE9wF5uorkyXWrQ2ABrtcQk-Qtu9ze9BEYxbqO1hPbVQeJtng4H3SWPDgsJDdMyhqkXQovRVa3rirUqUtzp8ZIwtUozRHr2SnaEzbbr0gsh2W2KZ5fxlgK1GSoo~gAvoAsFIKigFeiMOe6bTKUbYrUAcpLRIEqq3rgV3ZF48JOHY4hx3nAdtXbccLzSUcHvUIZ88r6eC52UE~GqVBSatG1cm8fCOeAY1b6TgnsFLNdCUPvzPCj-4aevHkvVrAPxCuD1RA__&Key-Pair-Id=APKAIE5G5CRDK6RD3PGA

استخدم العلماء البوبريون موضوعة تهربهم من المسؤولية الاخلاقية في تلك العلوم الأكثر إثارة للجدل في القرن العشرين، علتحسين النسل. لم يتردد مدور في استخدام عدم المساءلة الأخلاقية للعلم في الدفاع عن تحسين النسل، وهو الموضوع الذي كان محور محاضراته في البي بي سي وما تلاها. كانت حجته دقيقة، حيث فصل علم تحسين النسل إلى نوعين. علم تحسين النسل "الإيجابي" - خلق عرق مثالي - وصفه بأنه سيء لأنه (أ) نازي ، و (ب) هدفه علمي غير قابل للتكذيب - غير بوبري من ناحيتين. ترك هذا المجال واضحًا لمدور لتقديم دعمه لعلم تحسين النسل "السلبي"، وهو المنع المتعمد للحمل من قبل حاملي حالات وراثية معينة. هذا، كما زعم مدور ، كان سؤالًا علميًا بحتًا (أي بوبري) ، ولم يتطرق إلى مسائل الأخلاق. لقد كان نوعًا من الحجة الشائنة.

مع نفاد صبر البوبريين بشأن ما يسمى مجرد دلالات، فتخلص مدور من المخاوف من أن كلمة تحسين النسل تعني "لياقة" وتتضمن حكمًا على من هو "لائق" أو لا يكون جزءًا من المجتمع. وبدلاً من ذلك، ادعى مدور ، أنها كانت مجرد توصيف ملائم لفكرة كانت واضحة تمامًا بين علماء الأحياء التطورية. يجب ألا يقلق الأشخاص العاديون أنفسهم بشأن تداعياتها؛ الشيء المهم هو أن العلماء كانوا يضعون ذلك في أذهانهم. لقد قدم العلم الحقائق فقط. كان على الوالدين المحتملين أن يقرروا. من ناحية، يبدو هذا امرا غير ضار - ولم يكن مدور شخصًا سيئًا بأي حال من الأحوال. ولكن كان، ولا يزال، قصير النظر فكريا لفصله العلم والأخلاق بهذه الطريقة. إن افتراض موقف يمارس فيه أحد الوالدين المحتملين خيارًا ليبراليًا مثاليًا يضفي نزاهة غير مبررة على الحقائق العلمية. في الواقع ، قد يجبر الاقتصاد أو السياسة على ذلك الوالدين. هناك مثال أكثر تطرفاً يوضح القضية: إذا شرح أحد علماء التكنولوجيا النووية لطاغية ينوي شن الحرب، لكنه ترك الخيار الأخلاقي لاستخدامها إلى الطاغية، فلن نقول إن العالِم تصرف بمسؤولية.

أثناء إعداد محاضراته حول "مستقبل الإنسان"، توقع مدور أن "اللياقة" البيولوجية يمكن فهمها في الواقع على أنها ظاهرة اقتصادية: هو،في الواقع، نظام تسعير هبات الكائنات بعملة النسل: أي من حيث صافي الأداء الإنجابي. كان إجراء مثل هذا الارتباط - بين اليد الخفية للطبيعة وقرارات السوق المحايدة على ما يبدو - طريقة ساخنة لقراءة بوبر. كان أعظم معجبيه خارج المجتمع العلمي، في الواقع، اقتصاديين. في مدرسة لندن للاقتصاد، كان بوبر مقربًا من المنظر النيوليبرالي فريدريك هايك. كما قام بتدريس الشخص الذي سيصبح قريبًا الملياردير جورج سوروس, والذي أطلق على مؤسسته اسم -مؤسسة المجتمع المفتوح- (المعروفة سابقًا باسم معهد المجتمع المفتوح) على اسم كتاب بوبر الأكثر شهرة. جنبا إلى جنب مع هايك والعديد من الآخرين، أسس بوبر جمعية مونت بيليرين للترويج للتسويق والخصخصة في جميع أنحاء العالم.

كان تعيين بوبر كزميل في الجمعية الملكية بمثابة علامة على زوال سلسلة قوية من القيادات الاشتراكية في العلوم البريطانية التي بدأت في الثلاثينيات من القرن الماضي مع كادر من الباحثين الموهوبين الذين يواجهون الجمهور (JD Bernal و JBS Haldane وآخرون). أطلق المؤرخ جاري ويرسكي في عام 1978 علىهم اسم "الكلية المرئية". التقى بوبر بالعديد منهم خلال زياراته قبل الحرب إلى نادي علم الأحياء النظري. بينما كانوا يشحذون علمهم المعقد ضد حافة فلسفة بوبر. بوبر ربما كان قد شحذ ميوله المعادية للماركسية ضد رؤيتهم الاشتراكية للعلم - حتى، ربما، ضد شخصياتهم. ما فعله بوبر في The Open Society هو أخذ تسييس علماء الأحياء للعلم وربطه بمناهضة الفاشية. كان العلم والسياسة مرتبطين، ولكن ليس بالطريقة التي يدعيها الاشتراكيون. بدلاً من ذلك، كان العلم مثالاً خاصًا للفضائل الليبرالية العامة التي لا يمكن صقلها إلا في غياب الاستبداد.

بعد الحرب، أدى التزام علماء الكلية المرئية ببناء الأمة إلى مشاركتهم في العديد من مجالات الحياة الحكومية والتعليمية والعامة. كان البوبريون يكرهونهم. في كتابه "الطريق إلى العبودية" (1944)، حذر هايك من أنهم "شموليون في وسطنا"، يخططون لإنشاء نظام ماركسي. وجادل بأنه يجب عليهم أن يغادروا، وأن يقبلوا أن عملهم في المختبر لا علاقة له بالأسئلة الاجتماعية. لم يكن اقتحام هايك لمجال لحكم أكثر معقولية في العلم مما كان عليه في الاقتصاد. إن أعظم أسطورة للنيوليبرالية هي أنها تمثل منظورًا سياسيًا محايدًا - التزامًا بعدم التدخل - بينما في الواقع انها يجب أن تستمر من خلال الدعاية العدوانية المؤيدة للأعمال التجارية وقمع العمل المنظم. لذلك، في حين أن نشاط سوروس الاجتماعي قد حقق الكثير من الخير في العالم، فقد تم تمويله من خلال النشاط الاقتصادي الذي يعتمد على القمع المنهجي للنقاش وللإنسان من أجل نجاحه. إن امتلاك قصة غلاف فلسفية لهذا النوع من النيوليبرالية، والتي تشبهها بالعلم البوبري (Popperian) لا يضر على الإطلاق.

في التفكير والكتابة عن بوبر، يصبح المرء مدركًا تمامًا لمعاداة السامية. فر بوبر من الكراهية النازية في النمسا في ثلاثينيات القرن الماضي. اليوم، سوروس ضحية افتراءات معادية للسامية كانت ستكون سخيفة لولا التاريخ والتهديد الحقيقي لاستمرار العنف الذي ترسخت فيه جذورها. يحسن بنا أن نتذكر أسباب السيرة الذاتية التي كان لدى بوبر للنهوض بمجتمع مفتوح، ولمحاولته استرداد العلم من الخطايا التي ارتكبها الباحثون النازيون. يعتبر الخلط الخبيث للعلم الفاشستي والاشتراكية كمعارض للـبوبرية Popperianism - أحيانًا متعمدًا ، وأحيانًا غير واعي - امر من الصعب التعاطف معه.

يتم تغيير العلم بشكل عميق عند اعتباره مشابهًا للسوق المفتوحة. تتجاهل الفكرة القائلة بأن النظريات العلمية تتنافس مع بعضها البعض في منافسة مفتوحة حقيقة أن طموحات البحث وخيارات التمويل تتشكل من خلال السياسات التي تتحكم في الشركات وخارجها. هناك سبب وراء إحراز المزيد من التقدم العلمي في العقاقير المستخدمة في علاج أمراض الغنى أكثر من امراض الفقر. علاوة على ذلك، فإن النجاح الوظيفي في العلوم - الذي يشكل أجندات البحث المستقبلية عندما يصبح الشخص قائدًا في مجاله - هو أمر يتأثر بعمق بالجنس والعرق والطبقة الاجتماعية والعجز / القدرة.

حتى أن بعض الباحثين عديمي الضمير استخدموا إطار بوبيري ليصبحوا، على وجه التحديد، "العلماء الأشرار" الذين أنكر مدور وجودهم. كما وصف المؤرخان نعومي أوريسكس وإريك كونواي في كتاب Merchants of Doubt (2010)
How a Handful of Scientists Obscured the Truth on Issues from Tobacco Smoke to Global Warming
https://www.bloomsbury.com/uk/merchants-of-doubt-9781596916104/

تم اختيار العلماء في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ليكونوا جماعات ضغط لشركات التبغ خلال أواخر القرن العشرين للتشكيك في الأبحاث التي كشفت عن وجود صلة بين التدخين والسرطان. لا يمكن إثبات مثل هذا الارتباط من منظور بوببيري: ليس كل المدخنين يصابون بسرطان الرئة وهالك حالات من سرطان الرئة بدون تدخين. اذن العلاقة بين التدخين والسرطان رغم انها مثبتة علميا الا انه يمكن تكذيبها بوبريا؛ وهذا المجال للشك تم استغلاله بلا رحمة من قبل دافعي رواتب العلماء. ذهب العديد من نفس العلماء للعمل مع جماعات الضغط الخاصة بالوقود الأحفوري، مما يلقي بظلال من الشك على دور الانسان في تغير المناخ. في مقطع فيديو على YouTube من عام 2019، اشار تحالف Clear Energy Alliance (الذي تدرجه مدونة DeSmog على أنه مُموَل من قبل الشركات النفطية) إلى "الفيلسوف العلمي الأسطوري كارل بوبر". الادعاء المركزي للتحالف هو: "من أجل معرفة ما إذا كانت النظرية يمكن أن تكون صحيحة، يجب أن تكون هناك طريقة لإثبات أنها خاطئة. لسوء الحظ، يتجاهل العديد من علماء تغير المناخ ووسائل الإعلام والنشطاء حجر الزاوية هذا العلم. وفي الوقت نفسه، يكتب الأكاديميون في جامعات معترف بها أوراقًا علمية لمعهد كاتو الليبرالي- النيوليبرالي يجادلون فيها بأن "نظرية المعرفة التطورية لبوبر تلتقط ... جوهر العلم، ولكن سلوك علم المناخ اليوم بعيد كل البعد عنها . ينحدر هؤلاء الكتاب عادةً من مجالات الاقتصاد والسياسة بدلاً من العلوم؛ غير منزعجين بنقد العلماء، فإن تفسير بوبر المتنازع عليه والقديم للعلم يناسبهم تمامًا.

كانت هناك أسباب حسنة النية للالتزام بنموذج بسيط من العلم المتشكك-التكذيب. ليس أقلها أنها تتوافق مع سردية الجدارةل علوم ما بعد الحرب: الفكرة القائلة بأن العلم، أكثر من أي تخصص آخر، يناسب الطبقة العاملة والطبقات الوسطى
ويتطلب الأمر نوعًا معينًا من التعليم والتنشئة لمعرفة جماليات الكمال، أو فهم رياضيات الإثبات. لكن أي طفل ذكي يمكنه إحداث ثغرات في شيء ما. إذا كان هذا هو العلم، فهو مفتوح للجميع، بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية. كان هذا هو حلم الجدارة للتربويين في الخمسينيات من القرن الماضي: ستكون بريطانيا، في سياق داعم متبادل، حديثة ثقافيًا و علمية فكريا.

جاء هذا الحلم بنتائج عكسية. إن الفكرة القائلة بأن جوهر العلم هو التكذيب قد ألحقت أضرارًا لا حصر لها ليس فقط بالعلم ولكن برفاهية الإنسان. لقد قام بتطبيع عدم الثقة كشرط افتراضي لصنع المعرفة، مع وضع معيار غير واقعي وغير قابل للوصول اليه من قبل المؤسسة العلمية. يطالب المتشككون في المناخ بتنبؤات دقيقة من نوع مستحيل، لكنهم ينتهزون قطعة واحدة شاذة من البيانات لادعاء دحض الصرح الكامل للبحث المشترك؛ يستغل معارضو التطعيم استحالة وجود أي دليل نهائي على السلامة لتغذية نشاطهم المدمر-مثال واحد سيكون كافيا للطعن في كفاءة وفعالية لقاح مثل لقاح الكورونا او اي لقاح آخر وهكذا التكذيب البوبري سيعني حرمان بلايين الناس من اللقاح او اللقاحات والتسبب في موت او اضرار صحية لما لا يحصى من البشر. بهذا المعنى فإن البوبرية لديها الكثير للإجابة عنه.

واتباع المجتمع المفتوح لا يعلمون ولا يريدون ان يعلموا ان مجلة الرأسمالية العالمية نفسها Economist في تأبينها لبوبر اعلنت عَلَى الْمَلَإِ ان بوبر كان على خطأ
"عندما توفي بوبر بعد ذلك بعامين، أشادت به مجلة الإيكونوميست باعتباره "أشهر الفلاسفة الأحياء وأكثرهم قراءة." لكن النعي أشار إلى أن معالجة بوبر للاستقراء، وهو أساس مبدء التكذيب، قد رفضها الفلاسفة اللاحقون. وأشارت الإيكونوميست إلى أنه "وفقًا لنظرياته الخاصة، كان على بوبر أن يرحب بهذه الحقيقة، لكنه لم يستطع إقناع نفسه بذلك. المفارقة هي أنه، هنا ، لم يستطع بوبر الاعتراف بأنه كان مخطئًا".
The End of Science
https://books.google.at/books?id=81U4DgAAQBAJ&pg=PT67&lpg=PT67&dq=Economist+%E2%80%9Cbut+he+could+not+bring+himself+to+do+so.+The+irony+is+that,+here,+Popper+could+not+admit+he+was+wron&source=bl&ots=uxU-nIuPHE&sig=ACfU3U2HrtLMBHbGlmunkeibbvPlOB9DzA&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiK1eH2or7tAhVxMOwKHT1gCZ4Q6AEwAHoECAEQAg#v=onepage&q=Economist%20%E2%80%9Cbut%20he%20could%20not%20bring%20himself%20to%20do%20so.%20The%20irony%20is%20that%2C%20here%2C%20Popper%20could%20not%20admit%20he%20was%20wron&f=fals

وعن كتاب بوبر -المجتمع المفتوح- يقول John Horgan مؤلف كتاب
Mind-Body Problems: Science, Subjectivity & Who We Really Are
-قال الجميع إن خصم العقائد كان تقريبا عقائديًا بشكل مرضي pathological.
كان هناك نكتة قديمة عن بوبر: المجتمع المفتوح و اعداؤه كان ينبغي أن يكون بعنوان المجتمع المفتوح لأحد أعدائه-
https://www.amazon.com/Mind-Body-Problems-Science-Subjectivity-Really-ebook/dp/B07H4NZCSW

يتبع

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول