كينونة الحجر

سعود سالم
2021 / 5 / 8

مثل حجر ضائع يسقط في الفراغ اللانهائي، يظل يعوم بلا هدف في الفضاء الكوني، تفصلنه عن العالم مسافات خرافية. ويتيه في الطريق ثم يسقط كنيزك في بقعة ما على سطح البسيطة، ويجد نفسه وسط أكوام وجبال من الأشياء. أشياء من كل نوع ومن كل مادة ومن كل حجم ووزن ولون، أشياء تمتص وجوده، وتتركه في النهاية مجرد مخلوق رمادي اللون يمارس حرية التحرك في زنزانته ويدور حول نفسه ليل نهار دون أن يتوقف. وهمية تلك المسافات الأسطورية الفاصلة بيننا وبين الأشياء. وهمية تلك الأزمنة الفاصلة بين الموت والحياة. ولكن للإنسان قدرة غريبة على إحتضان الوهم وعشقه، وتقديم حياته قربانا له. يغرق في الأشياء، يتيه فيها ويغيب، حتى لا يعود يراها، وتختفي من تحت بصره تضيع، وتتبخر. فالأشياء تزاحمنا، وتصطدم بنا ولا تترك فراغا بيننا وبينها، تشوش علينا وجودنا وتلتصق بجلودنا. بعض الأشياء تختفي لحظات الصفاء وراء أشياء أخرى، آلاف المسطحات من الحديد والخشب والاسمنت والفولاذ والنحاس والصخب. لماذا هذا الكم الهائل من الأشياء التي تسرق حياتنا، تمتص رحيقها من عظامنا. لماذا تسرق حياتنا، تحرقها، وتحيلها عرقا كريها يبلل ملابسنا منذ شروق الشمس حتى مغيبها. والفعل كف أن يكون جوهر الإنسان ومنبع الارتواء، أصبح يفوح برائحة النتانة، رائحة البقايا، رائحة القسوة في أعماقنا، رائحة الرواسب الإنسانية، رائحة الأوراق المالية. وتصيرالأشياء وهما، نعبده، نحرق له البخور ونعيش من أجله، ونفتت حياتنا إلى ذرات صغيرة نذبحها كل يوم عندما يرن جرس المنبه قربانا له، نصدقه، نحبه، نموت من اجله، والوهم يكبر كما كل الأشياء، وحين تصير الأشياء وهما، تتبخر وتتلاشى من تحت بصرنا. ونفقد القدرة على تخيل الأشياء في ذاتها، فتزداد المسافة كبرا، تتمدد وتصير صحارى ثلجية قاحلة، ومغاور مليئة بالشوك والعطش وصرخات الغيلان الجائعة، يصير الواقع حلما وسرابا، وتصبح الأشياء في ذاتها وهما مستحيل التحقق

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول