التحرك السياسي للمملكة العربية السعودية في هذه المرحلة إلى أين؟ وقائع واحتمالات

حسن خليل غريب
2021 / 5 / 8

بعد البدء بجولات التفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني في فيينا، حصل حدثان مهمان هما: التحرك السياسي للمملكة العربية السعودية لعقد جلسات تفاوض مع الجانب الإيراني في العراق. وتحرك اخر تجاه سورية. وهذا ما لفت الأنظار إليهما، وتكاثرت التأويلات حول مدى تأثيراتها وتداعياتها على الحلول التي يتم طبخها للمنطقة بشكل عام، وللوطن العربي بشكل خاص. وكل تحليل سياسي حولها يتناسب مع أغراض المحللين السياسيين، وراح البعض يبني عليها آمالاً واحتمالات. وفي هذا السبب ما يدفعنا للقيام بقراءتنا لها.

أولاً: المفاوضات الدولية حول الاتفاق، أسباب ووقائع واحتمالات:
1-في الوقائع:
لقد تمَّ توقيع الاتفاق النووي الإيراني في العام 2015، في ظروف دولية وإقليمية مختلفة عن الظروف المحيطة بها الآن. ومن أهم تلك الظروف هي:
- لزَّمت إدارة أوباما العراق للنظام الإيراني في العام 2011، لسد الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي.
- لم يكن النظام الإيراني، حينذاك، قد كشف عن مشروعه الخطير بالاستيلاء على الوطن العربي، تحت ستار مبدأ (تصدير الثورة)، والذي يحمل مخاطر تهديد أمن جيرانه بشكل مباشر. فكان تلزيمه العراق فرصته الثمينة.
- كانت الإدارة الأميركية، في تنفيذ مشروع ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد على أسس طائفية، بحاجة لمشاركة النظام الإيراني للمساهمة في تقسيم المنطقة لسماته الطائفية. ولذلك لم تمانع من تلزيم العراق له، لأن المشروع، الذي يجب أن يسهم فيه النظام الإيراني، إذا نجح، سوف يضع قرار إعادة ترتيب خرائط المنطقة حسب مكاييل المصالح الأميركية ومعاييرها. والإدارة الأميركية كانت واثقة من أن إيران أو غيرها لن يكون لها دور في وضع الخرائط الجديدة. بل كانت الاستعانة بالدور الأيراني لا تتعدى استخدامه كأداة بيد الأميركي واضع المشروع، وهو قادر على استعادته بعد نجاح مشروع التفتيت الطائفي. ولأن أميركا دفعت الدم والمال من أجل احتلال العراق، واستغلال ثرواته وموقعه الاستراتيجي لصالح تأسيس (القرن الأميركي الجديد)، فهي لن تضعه لقمة سائغة بيد نظام ولاية الفقيه الإيراني.
ولكن، وبعد تجربة سنوات في تنفيذ مشروع التفتيت، حصل متغيران رئيسان هما : بوادر فشل تنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الجديد" من جهة، وتعري وانفضاح نوايا النظام الإيراني بتنفيذ الاهداف الحقيقية التي تكمن وراء مشروعه في تصدير الثورة من جهة أخرى وهي الهيمنة والسيطرة على الموارد . هذان المتغيران فرضا على الإدارة الأميركية أن تعيد النظر باستراتيجيتها السابقة. ووضعت استراتيجية أخرى، ومن أهم خطوطها استعادة صداقاتها مع بعض الدول العربية ومنها دول الخليج العربي، التي كادت أن تخسرها في عهد الرئيس أوباما، بالعمل على تقليم أظافر النظام الإيراني .
نتيجة التغيير في الاستراتيجة الأميركية بعد ظهور بوادر فشل مشروع "الشرق ألوسط الجديد"، بدأت التناقضات بين الطرفين الحليفين، أميركا ونظام الولي الفقيه في إيران، تميل إلى الحدة ولو ظاهريا.
ولذلك أصبح من الضروري أن تأخذ الاستراتيجية الأميركية الجديدة للتنفيذ، وبلغت أعلى مستوياتها حدة في مواقف الرئيس دونالد ترامب، قبل وصوله إلى كرسي البيت الأبيض، وطوال فترة بقائه فيه. وكانت مظاهر الصراع واضحة في إعلان الرئيس ترامب إلغاء الاتفاق من جانب واحد على طريق إعادة تجميله بإضافة بندين إلى طاولة المفاوضات حوله، وهما: منع النظام الإيراني من تصنيع الصواريخ طويلة المدى، والامتناع عن تهديد أمن جيرانه. وفي الأول ما يلبي حاجة العدو الصهيوني بالأمن العسكري، وفي الثاني ما يلبي حاجة دول الخليج العربي بالمحافظة على (أمن النفط).

2- في الاحتمالات:
وإن كان من قبيل التكرار تجدر الإشارة إلى أن مبدأ (مصلحة أميركا أولاً) ملزم للإدارات الأميركية، جمهورية أكانت أم ديموقراطية. وخلافاً لكل المراهنات التي لم تكن تدرك حقيقة ذلك المبدأ، أو تهتم به، فقد نُصبت طاولات المفاوضات في فيينا في شهر أيار من العام 2021، وحضرتها الدول الكبرى وممثل عن النظام الإيراني. ولكن لم يحضره الطرف الأميركي، ولا ممثل لدول الخليج العربي لأسباب سنقوم بتفصيلها لاحقاَ في هذا المقال.
إن الإدارة الأميركية حاضرة بقوة عبر شروطها الموضوعة على طاولة المفاوضات:
-(أمن الكيان الصهيوني)
-و(أمن تدفق النفط) بما يستتبعه من إجراءات مشددة في الحؤول دون مبدأ (تصدير الثورة) الإيراني إلى دول الجوار العربي. على أن لا يمس ذلك طبيعة النظام الطائفي في الداخل الإيراني، لأنه يبقى حاجة استراتيجة استعمارية – صهيونية لاختراق وحدة المجتمع العربي، وتفتيتها في اللحظات المناسبة مستقبلاً.
-إستعادة احتلال العراق من الوكيل الإيراني
وإذا عدنا إلى تشخيص مواقف الدول الكبرى، غير أميركا، من تلك الشروط، لن نجد بينها اختلافاً كبيراً في الاتجاهات، أكثر من اهتماماتها بطريقة توزيع حصص الكعكة العربية ومقاديرها. فهي كلها مجمعة على أن لا تكون إيران، ولا غيرها من دول الإقليم، تمتلك أسباب دخولها نادي الدول الكبرى، بل تبقى أوراق قوة يلعب فيها كل لاعب دولي حسب طريقته ومصالحه.
وبناء على هذه الخطوط الكبرى، نحسب أن الدور الإيراني ونتائج مكتسباته من المفاوضات لن تكون فوق هذا السقف أبداً.

ثانياً: دخول اقطار الخليج العربي كطرف في المفاوضات:
وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ماثلة في شروطها الثلاثة التي حددها المقال في المقطع (أولاً). وإذا كان العدو الصهيوني حاضراً على طاولة المفاوضات، من خلال منظومة الدول الكبرى، الغربية والشرقية. فتبقى مهمتنا، في هذا المقال، هو إلقاء الضوء على موضوع مشاركة دول الخليج العربي على تلك الطاولة. ولأن الطرف العربي الخليجي ممثَّل بالتحرك الرسمي للمملكة العربية السعودية، سنحلل أبعاد التحرك الراهن في كل من بغداد ودمشق.
لقد تُرجم التحرك السعودي على أرض الواقع، عبر مظهرين:
- الأول المفاوضات المباشرة بين المملكة ونظام ولاية الفقيه الايراني في العراق.
-والثاني فتح صفحة جديدة مع النظام السوري بقيام مسؤول المخابرات السعودية بزيارة إلى دمشق.
ولأنه لم يخرج أي توضيح حتى الآن عن نتائج المفاوضات، فسوف نلجأ إلى الاستنتاجات والتوقعات استناداً إلى المعطيات الأولية بين الطرفين.
-تحديد عوامل التلاقي والافتراق في مواقف المملكة ونظام ولاية الفقيه الايراني:
لم يصدر أي موقف خليجي يفيد أنه يستنكر الدخول الإيراني إلى العراق تحت خيمة الاحتلال الأميركي ، ولكن بعد أن كشف النظام الإيراني عن نواياه الخطيرة، بالاستئثار بثروات العراق الهائلة لتمويل مشروعه الغيبي من جهة، والإعلان عن أطماعه بالاستيلاء على الوطن العربي من خلال مبدأ ما يسمى بـ(تصدير الثورة) من جهة أخرى. بدأت المخاوف تساور دول الخليج العربي.
وبتلك المخاوف ادركت اقطار الخليج العربي أن في المشروع الإيراني بدايات صراع وجود وليس صراع حدود معها. ولهذه الأسباب وضعت المملكة نفسها في مواجهة الصديق الأميركي الاستراتيجي في عهد الرئيس أوباما.
ولأن المملكة حصلت من إدارة الرئيس ترامب على ما يشبه الوعود الجدية بحماية أمنها من مخاطر المشروع الإيراني، فقد عقدت هدنة مع إدارته على أساس اختبار نواياه في تنفيذ وعود الإدارة الأميركية عبر استراتيجيتها الجديدة. وقد أثبتت المواقف والأحداث ما يدل، كما تحسب، على أن إدارة الرئيس بايدن، بدأت في إدارة الأزمة من حيث انتهت إدارة الرئيس ترامب.
وهنا لا يسعنا إلاَّ أن نضع التحرك السعودي تجاه النظام الإيراني في محادثاتهما في بغداد في هذه الدائرة بالذات. وكذلك حركتها المفاجئة تجاه النظام السوري.
-النتائج المحتملة من عقد المفاوضات:
استناداً إلى تحديد نقاط التلاقي والتناقض بين النظامين يتيح لنا أن نتوقع نتائج في حدها الأدنى أنها ستتوافق مع المصلحة الخليجية عامة والسعودية خاصة. وتتناقض في حدها الأدنى مع ما حققه النظام الإيراني من مكاسب، طوال مرحلة استيلائه على العراق.
ولكن أشد ما نخشى منه، هو أن ينزلق الطرف السعودي إلى تسويات مع النظام الإيراني تأكل الكثير من جرف مصلحة شعبنا في العراق وحريته واستقلاله، خاصة إذا كانت التسويات تستند إلى تقسيم العراق إلى حصص طائفية، يتم فيها تقسيم البلاد.
إن وقوع الطرف السعودي في وهم حفرة الحصول على حصتها الطائفية في العراق كضمان لأمنها، تصبح وكأنها تبعد التأثير الإيراني مرحلياً لتؤسس لمرحلة قادمة تكون فيها قد أجلت علاج المرض الآن ليعود أكثر حدة، وأكثر آلاماً في مراحل لاحقة، لأنها لن تستطيع مجاراة الخدع الإيرانية في الالتفاف على المشاكل وتجييرها لمصلحة نظامه الطائفي.

ثالثاً: هل يصب التحرك السياسي للملكة العربية السعودية في مسار تعريب القضايا العربية؟
يجدر بنا التأكيد على أن إعادة تعريب القضايا العربية الساخنة هو مسألة مبدئية مطلوبة من النظام العربي الرسمي، على الرغم من كل محدداته وعيوبه. وأهمية هذا المبدأ تبرز من ملء الفراغ الذي تركه هذا الغياب طوال سنوات كثيرة ملأت قوى الخارج هذا الغياب وراحت تستغله لمصالحها وتوزيع ثروات الوطن العربي فيما بينها، وعلى حساب الأكثرية الساحقة من الجماهير الشعبية التي لم تجن طوال تلك السنوات سوى الجوع والألم والموت والتهجير والذل والهوان....
قد يقف البعض ضد هذا المبدأ معللاً رفضه بأن الأنظمة العربية الرسمية أنزلت بشعوبها شتى صنوف القهر الاجتماعي والقمع الأمني، ويخلصون إلى أن الحل لن يأتي على أيديها.
مع قناعتنا بمحددات واقع تلك الأنظمة ، لكننا نعتبر أن البديل السليم لن يكون بتلزيم قضايانا للخارج الاجنبي لأنه لن يكون حريصاً على وضع حلول سليمة للأوضاع الشديدة الشذود. ولهذا، وعلى قاعدة المبدئية والواقعية علينا الأخذ بعين الاعتبار قاعدة المفاضلة بين المرحلي والاستراتيجي.
إن الارتهان إلى الخارج هو الأكثر سوءاً، لأنه يرهن القرار الوطني والقومي السيادي للقوى الخارجية التي أقل ما يقال فيها أنها خيانة وطنية وقومية من دون شك، يتساوى بارتكابها الأفراد والجماعات والأنظمة على حد سواء. ولهذا يُقال أيضاً: (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها)، وكأن الاستقواء بالأجنبي هو بمثابة من يرتكب الخطيئة لحماية نفسه عن سابق إصرار وتصميم. وهذا مرفوض بشتى المقاييس والمكاييل والمبادئ والشرائع.
لقاء قناعتنا بهذه المقدمات نعتبر التحرك السعودي، أو حركة أي نظام رسمي عربي آخر، تجاه هذه العاصمة العربية أو تلك، تصب في هذا الاتجاه. ولكن على أن تكون مقيَّدة بمبادئ العمل على استعادة القرار السيادي العربي، كما كان يحصل في أواخر الخمسينيات وطوال الستينيات من القرن العشرين. وأما أهمية هذه الواقعية، التي لا تنفصل عن المبادئ القومية النظرية، فتنطلق مما يلي:
- في التدخل الخارجي يصبح رأس الأمة العربية موضوعاً تحت المقصلة ومهدداً بالقطع، وقد أكدت كل وقائع المرحلة القريبة السابقة ذلك. وإن الانطلاق من مسلمة يرددها البعض: (علينا أن نقوم بتجميل رأس الأنظمة قبل إعطائها الثقة بأن تشارك بالحلول)، لا يسعنا سوى الرد: (وما هو النفع الذي يجنيه العرب من تجميل رأس مقطوع أو مهدد بالقطع)؟
- وأما الرؤية الواقعية والسليمة هو أن تمنع قطع رأس الأمة العربية، القطع الذي هو مؤكد من خلال الاستسلام للخارج. ولذلك نعتبر التحرك السعودي أو غيره هو العمل على استعادة القرار العربي بالتنسيق بين الأنظمة الرسمية خاصة في هذه المرحلة. ولكن يجب أن ينطلق التحرك في الوقت نفسه من إرادة شعبية عربية كما هو حاصل في (ثورات الشباب العربي)، ليس بمساعدة أجنبية مشبوهة ، لا بل أيضاً، رفض لأية مساعدة خارجية بأكثر من أنها يجب أن تتسم بمبادئ إنسانية غير ملوَّثة بجراثيم وأغراض المصالح وأوبئتها.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية