سفينة السيد نوح

سعود سالم
2021 / 5 / 8

أركيولوجيا العدم
٤١ - سفينة نوح

لقد احتاج الأمر إلى آلاف السنين من الحياة البدائية للإنسان، يهيم في السهول والوديان في قطعان صغيرة ومنفصلة قبل أن يتمكن من تكوين فكرة الفرد والذات وفصلها عن القطيع. الرحلة طويلة وشاقة وغير مضمونة النتائج، إنها مغامرة أولية تأصيلية لإكتشاف الذات والآخر و"الأنا" والـ "نحن"، وتعالي الجزء عن الكل، والفرد عن المجتمع، مع الإحتفاظ بـ "الآخر" كضرورة أنطولوجية لبقاء الفرد ووعيه بذاته. ذلك أن الذات الفردية هي الجزء الفعال في هذه المعادلة، فهي التي تفعل وتتفاعل وتؤثر وتتأثر، هي التي تفكر وتغني وتبكي وتقلق، ولكن دائما داخل الدائرة المغلقة أو المفتوحة للقطيع. وربما كانت هناك العشرات أو المئات من التجارب البشرية قبل حضارة ما بين النهرين والتي مكنت الإنسان من الوعي بذاته وبناء وتشييد الأساطير والملاحم وخوض معاركه الضارية مع الطبيعة، ولكننا لا نعرف البدايات الحقيقية أو الدقيقة للتاريخ البشري قبل بداية الكتابة فيما بين النهرين، رغم الجهود الكبيرة المبذولة في علوم الأركيولوجيا.
بلاد ما بين النهرين، ميسوبوتاميا باليونانية Μεσοποταμία وهي المنطقة التي أدت السهول الرسوبية واسعة النطاق فيها، إلى ظهور بعض الحضارات الأولى في العالم، بما في ذلك حضارات سومر، والعقاد، وبابل، وآشور، وأصبحت هذه المنطقة الغنية، تشكل جزءاً كبيراً من ما يسمى بالهلال الخصيب. ذكرت التوراة أن سفينة نوح رست في جبل ارارات Le mont Ararat في بلاد الأرمن وأن السيد نوح الذي تعتبره الديانات التوحيدية أبو البشر بعد أن غرق الجميع في الطوفان، وهذا مما يؤمن به اليهود والمسيحيون والمسلمون. رغم أن بعض علماء المسلمين يدعون أن سفينة نوح رست في "الكوفة" وهي قرب بابل. ومن هناك قام أول مجتمع بشري بعد الطوفان ثم انتشر البشر إلى باقي البلدان، وبهذا تكون بلاد الرافدين هي منشأ جميع السلالات البشرية الموجودة حاليًا على سطح الأرض في السرد والميثولوجيا الدينية اليهودية، والتي هي مصدر الديانات اللاحقة. ولكن الحضارات البشرية الأولى ظهرت في بلاد الرافدين وكانت بعد هذه الفترة بمدة ليست بالقصيرة وأنشأتها أقوام مهاجرة من بلاد مختلفة إلى وادي الرافدين وهذه الأقوام هي أولًا من السومريين وهم أقوام مهاجرين من مناطق جبلية يفصلها عن وادي الرافدين البحر كما ورد في الألواح الطينية - ما نقله السومريون عن أنهم تركوا موطنا في ارض جبلية يمكن الوصول إليها بحرًا، وقد اختلف المؤرخون في تحديد الموطن الأصلي لهم وإن كانت النظرية الأكثر قبولا ورواجا ترجعهم إلى أواسط أو جنوب آسيا. ثم أعقبهم الآراميون والعموريون وهم قبائل سامية بدوية هاجرت من الجزيرة العربية بسبب التصحر إلى بلاد وادي الرافدين الغنية بالمياه والأراضي الصالحة للزراعة وليؤسسوا الحضارات الأكدية والبابلية والكلدانية والآشورية، وكانت نهاية السومريين على يد العيلاميين القادمين من إيران والعموريين المهاجرين من الجزيرة العربية.
في حوالي الألف السادسة قبل الميلاد، ساهمت المجتمعات التي تعيش في هذه المنطقة النهرية ذات الخصوبة النادرة في بناء حضارة إجتماعية زراعية زاهرة، وساهمت في إنشاء ثقافة جديدة، دينية وفنية وفكرية، تعتبر من أهم الأسس التي ساهمت في تطور البشرية إلى ما هي عليها الآن. شكلت المجتمعات السومرية في هذه الحقبة البعيدة، وحدات إجتماعية وإقتصادية وسياسية صغيرة ومتناثرة، دون أن تتجه في البداية إلى فكرة التوحيد فيما بينها. النظام السياسي والإجتماعي كان على ما يبدو بسيطا وعقليا، أي نوع من التشاركيات القروية المستقلة وذات الإدارة الذاتية بدون مركزية أو سلطات إدارية عليا. وكانت تمارس نوع من التبادل "التجاري" البدائي فيما بينها، مع غياب وسائل التبادل الإقتصادي اللاحقة كالنقود مثلا، والتي ازدهرت فيما بجد. أما الملكية، فلا شك أنها كانت حيازة جماعية للأرض والمياه وللمنتجات الطبيعية كالأسماك وحيوانات الصيد والخشب والمعادن المتوفرة في هذه المنطقة. الملكية أو الحيازة الخاصة للفرد لا يمكن أن يكون لها معنى في هذا الوقت خارج الملكية الجماعية والمشتركة للموارد الطبيعية كالأرض والأنهار والعيون والغابات أو الحيوانات المستعملة في النقل وفي الزراعة إلخ.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار