خدعوكم فقالوا إنها ثورة ! (2/2)

محمد بن زكري
2021 / 5 / 8

* رسكلة النظام نيوليبراليّاً

لأن شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " ، كان مجرد تعبير انفعالي شعبوي ، لا رصيد له في واقع البنية الاجتماعية الاقتصادية المتخلفة السائدة ، فإن حسابات البيدر لم تطابق حسابات الحقل ، في صيرورة انتفاضة 17 فبراير ، فكانت محصلة (الثورة) و دم الشهداء (اللي مايمشيش هباء) ، هي الاقتصار على الإطاحة برأس النظام ، بدعم من حكومات دول حلف الناتو ، مع الإبقاء على النظام كما هو ؛ ذلك أن القذافي كان قد استنفذ دوره (المتواطئ) ، في أخذ النظام بوصفة صندوق النقد و البنك الدوليين (دونما حاجة إليها !) ، و إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني الليبي رأسماليا ، وربطه ربط تبعية تامة بالراسمال الاحتكاري العولمي (حتى إنه كان يسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية !) ، و قد أصبح وجوده - الذي يستحضر كاليجولا - على رأس النظام عبئا لابد من إزاحته . ففي بيان ثلاثي مشترك (أبريل 2011) ، أعلن باراك أوباما و نيكولا ساركوزي و ديفد كاميرون ، أنه بالرغم من أن " قرارات مجلس الأمن ، لا تقصي القذافي بالقوة " ، فإنه قد صار " من المستحيل تخيل مستقبل لليبيا مع وجود القذافي في السلطة " ، و رأوا أن " تأمين انتقال سياسي للسلطة ، يستوجب أن يرحل القذافي ، و يرحل إلى الأبد " . (أنظر الرابط)
http://ewanlibya.ly/news/news.aspx?id=6836
و قد وجد زعماء الغرب - قادة النظام الراسمالي العالمي - في انتفاضة 17 فبراير الشعبوية (المسلحة) فرصتهم التاريخية المنتظَرة ، التي لم يفوتوها ، للتخلص من (الطاغية) ، و إعادة تدوير النظام القائم ؛ بكل بنيته الاقتصادية الكومبرادورية ، و كل منظومته القيمية الثقافية و الاجتماعية ، و خصوصا بكل توجهاته النيوليبرالية ؛ التي كان قد رسخها ، في التشريع كما في الممارسة ، خلال العشرية الأخيرة من حكم القذافي .
و من ثَم ، كان واقع المآل الكارثيّ الذي آلت إليه الانتفاضة ، على أيدي القوى الرجعية - اليمينية - المحافظة ، التي تربت في أحضان النظام ، فكان يسيرا عليها أن تمسك بزمام المبادرة ، و تدفع بعناصرها إلى مواقع اتخاذ القرار في السلطة التنفيذية و وظائف الإدارة العليا ؛ تكاتفا مع ظروف التخلف الاجتماعي ، التي غلّبت - في العملية الانتخابية - تأثير عوامل التأسلم و القبلية و عقدة حرف (د) التكنوقراطية ، دفعاً بالأدعياء من حاملي الجنسيات الأجنبية ، و منعدمي الكفاءة و محدودي الإمكانات ، و الأميين سياسيا ، إلى كراسي السلطة التشريعية . فكانت النتيجة هي ما عاشه الشعب الليبي (وقود الانتفاضة) من صنوف المعاناة المريرة ، بشهادة العالم ؛ جراء فُحش ممارسات الفساد المالي و الإداري ، و الاستئثار بالسلطة اغتصابا و فرضا للأمر الواقع ، و الاستبداد الأحادي بالرأي و القرار في القضايا العامة للدولة و في مصير الوطن ، و انتهاج سياسات الإفقار و التجويع ، (مما عرضنا له في مقالات سابقة) ؛ ليس فقط لأن النظام في الواقع باق لم يتغير ، سواء بمنهجه الكومبرادوري أم بمحتواه الأيديولوجي النيوليبرالي (المستورد) . بل أيضا - و خصوصا - لأن نظام فبراير ، هو في جوهره إعادة تدوير لأسوأ ما في نظام سبتمبر . و الفرق الوحيد بين وجهيْ النظام ، هو أن حكام ليبيا الجدد (الفبرائريين) ، قد أوغلوا في ارتكاب سياسات إفقار الشعب و تجويعه ، و إهدار كرامته الإنسانية ، بقدر ما أوغلوا في ممارسة الفساد و الاستبداد بالسلطة . عمدا مع سبق الإصرار و الترصد .
و إذا أخذنا مجلس النواب ، نموذجا للاستئثار بالسلطة في نظام (أو بالأحرى فوضى) 17 فبراير ؛ فإن أعضاء برلمان طبرق ، منعدم الوجود دستوريا ، ظلوا متمسكين بالبقاء في السلطة - المغتصَبة - لمدة 7 سبع سنوات متصلة (و متواصلة) ، رغم انتهاء ولاية مجلسهم اعتبارا من تاريخ 20 أكتوبر 2015 ، بالمخالفة للإعلان الدستوري المنشئ له (التعديل الدستوري السابع ، بتضمين مقررات لجنة فبراير) ، بصرف النظر عن حكم المحكمة الدستورية العليا القاضي بحله . (أنظر الروابط)
رابط التعديل الدستوري السابع : https://security-legislation.ly/ar/node/31981
رابط مقررات لجنة فبراير : https://issuu.com/sawyelsawy2/docs/_
رابط حكم المحكمة العليا القاضي بحل مجلس النواب : http://aladel.gov.ly/home/wp-content/uploads/2014/12/110pdf.pdf
و قس على ذلك مجلس الدولة ( المؤتمر الوطني العام سابقا) و المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني . و المفارقة المغرقة في اللامعقول ، أنهم يتحدثون - بأوجه صفيقة - عن دولة المؤسسات و القانون ! .
هذا من حيث الاستئثار الاستبدادي بالسلطة . أما من حيث الاستئثار الاستبدادي بالمكاسب المادية ؛ فإن الراتب الشهري لعضو برلمان طبرق الفاسد الفاشل ، يعادل 36 ضعفا من قيمة المعاش التقاعدي لأكبر موظف حكومي (وكيل وزارة) خدم الدولة الليبية لمدة لا تقل عن 35 عاما ، براتب القانون 15 سيء السمعة ، قبل (ثورة) فبراير .
و باحتساب الامتيازات - الفاحشة - التي قررها برلمان طبرق لأعضائه ، فإن ما يحصل عليه العضو شهريا ، يتجاوز على أقل تقدير 50 ضعفا بالنسبة لقيمة الحد الأدنى للأجور كما لقيمة المعاش التقاعدي لشاغل أعلى درجة وظيفية (وكيل وزارة) ، قبل (ثورة) فبراير !
و ليس سرا أن حكام ليبيا الجدد ، قد نهبوا - سطواً على المال العام - خلال 5 سنوات من سلطة اتفاق الصخيرات التحاصصية (2016 – 2020) ، في أكبر و أشرس عملية (افتراس) للمال منذ الاستقلال ، بما لم يجرؤ حكام النظام السابق ، على نهبه ، خلال 40 عاما من حكم القذافي ؛ بشهادة تقارير ديوان المحاسبة .


* لم تكن ثورة

منذ اشتعال شرارتها الأولى ، في تطور سريع و مباغت ، من تظاهرة احتجاجية إسلاموية ، إلى حركة تمرد جماعي مسلح ، و خاصة بعد خطاب 22 فبراير 2011 " زنقة زنقة دار دار " ؛ لم يكن الحراك الفبرائري أصلا ثورة ، بل مجرد انتفاضة شعبوية عشوائية ، غير منضبطة ، بلا فكر ، و بلا برنامج ، و بلا أهداف محددة ، و بلا قيادة . و قد خلت كليّا من أي مشروع للتغيير الثوري ، نفيا لنفي لاإنسانية شروط حياة الغالبية الشعبية الكادحة مغبونة الحقوق . و لم تفرز أي برنامج لإعادة البناء ، اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا ، بوعي التناقض الصراعي غير القابل للحل ، إلا بفعل تحول نوعي ، يغير جذريا شكل و مضمون النظام الاجتماعي المستهدف بالثورة الشعبية .
وفي التقييم الموضوعي ، بمفاهيم علوم الاجتماع و السياسة ، لم يتوفر لانتفاضة فبراير أي شرط من شروط اعتبارها ثورة أو إمكانية ارتقائها إلى مستوى ثورة ، ذلك أنّ الثورة هي - في أبسط تعريف - حركة تغيير جذري للواقع ، في هيكله الاجتماعي العام ، بكل بناه و علاقاته الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية ، لصالح الأغلبية الكادحة المقهورة و المفقرَة من الشعب . و هو ما لم يحدث مطلقا خلال العشرية السوداء الفائتة (2011 - 2021) ، من انتفاضة فبراير الشعبوية ، و لن يحدث في المستقبل المنظور ، نظرا لانتفاء شروطه الذاتية و الموضوعية ، في الواقع الليبي الذي تسيطر عليه قوى اليمين ، بطبيعة بنيتها الاجتماعية ، المناهضة للتغيير الثوري .
و لقد أسفرت منذ بدايتها عن ثورة مضادة . فظهر بوضوح أن نظام القذافي الجماهيري ، رغم ما لنا عليه من مآخذ و انتقادات ، كان من حيث طروحاته الفكرية الرئيسة ، في الجانبين السياسي و الاقتصادي من رؤية سلطة الشعب (بصرف النظر عن قصور التطبيق و تشوهاته) ، أكثر تقدمية و إنسانية ، بما لا يمكن مقارنته مع الطروحات التقليدية الدوغمائية لنظام فبراير و منطلقاته الفكرية الماضوية المتخلفة ، سواء في جانبها الاقتصادي من الراسمالية الطفيلية (الكومبرادورية) التابعة ، أم في جانبها الكهنوتي التضليلي ، الذي يستخدم الدين لمصلحة السلطة و راس المال ، و يوظف الله في خدمة الحاكم المستبد و الوكيل التجاري المستغِل . و من ذلك على سبيل المثال :
1 : الفتوى رقم (18) لدار الإفتاء الليبية ، الصادرة بإمضاء المفتي الشيخ الصادق الغرياني ، بتحريم غرامة التأخير في سداد أقساط الضمان الاجتماعي ؛ الأمر الذي افقد صندوق الضمان الاجتماعي مئات ملايين الدينارات سنويا ، و ذلك شرعنةً لجريمة التهرب الضريبي ، لفائدة الراسماليين من الوكلاء التجاريين (الكومبرادور) و الشركات الأجنبية و شركات النفط ! .
و هي الفتوى الدينية ، التي صدر بها القانون رقم (16) لسنة 2013 ، بتعديل القانون رقم (13) لسنة 1980 ، بشأن الضمان الاجتماعي ، حيث نص التعديل في مادته رقم (2) على أنه : " لا يجوز تقاضي غرامات التأخير المقررة بالمادة (46) الملغاة بموجب هذا القانون والتي لم يتم أداؤها بعد ولو كان قد صدر بها حكم قضائي نهائي " ! (أنظر الرابط)
HTTPS://SECURITY-LEGISLATION.LY/AR/NODE/31645
2 : بيان الهيئة العامة للأوقاف و الشؤون الإسلامية ، التابعة للحكومة الموازية في البيضاء (حكومة عبد الله الثني) ، باعتبار رئيس برلمان طبرق (عقيلة صالح) وليا لأمر المسلمين في ليبيا ! (أنظر الرابط)
HTTPS://WWW.AIFTA.NET/ARCHIVES/988

و رغم الجذور الاجتماعية العميقة ، التي فجرت الغضب الشعبي في انتفاضة 17 فبراير ، و خصوصا في صفوف الشباب المعطلين عن العمل من أبناء الفقراء ، جراء استبداد و فساد النظام السابق ، و بلوغ سياسات الإفقار التجويع و الإقصاء و القمع أقصى مدياتها ، مع الاستنسابية التي بلغت درجة التوريث و تأسيس سلالة حاكمة ؛ فهي في الحقيقة قد حملت منذ بداياتها سمات و عناصر الثورة المضادة ، في بنيتها الأيديولوجية و الاجتماعية ، و لم تتحول فجأة إلى ثورة مضادة ؛ ذلك أن الثورة ، كفاعلية تاريخية ، هي حركة تغيير جذري للبنى الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية ، بكل مفاهيمها و ظواهرها و أنساقها و أشكال وجودها التي تجاوزها الزمن ، و صارت عائقا لتقدم حركة التاريخ .
و الثورة الحقيقية ، هي فعل واعٍ منظم ، ينطلق من وعي ثوري بالأساس المادي للتخلف و الظلم الاجتماعي و التمايز الطبقي ؛ ذلك هو وعي التناقض بين المتسلط و المقهور ، على أنه تناقض مطلق غير قابل لأي تركيب ، مما يرتب على قوى الثورة الشعبية الاجتماعية الواعية لوجودها الطبقي وظروفها في ظل العلاقات الاجتماعية الظالمة ، أن تقطعَ نهائياً ، كل الأواصر التي تربطها بالطبقة البرجوازية الكومبرادورية المهيمنة ، و إطاحتها عندما تنضج الظروف الموضوعية الكفيلة بنجاح حركة التغيير الثوري .
و من حيث المبدأ ، لا ثورة دون تنظيم ثوري منضبط ، يقود حركتها ، في ارتباط عضوي بالقوى الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير الثوري ، و لا ثورة دون فكر ثوري يصوغ أهدافها ، و يرسم برنامجها ، و ينظم قواها ، و يؤصل نظريا لمسارها ، و يرتاد أمامها الطريق . و لا ثورة دون مناضلين ثوريين متزودين بمعرفة جدلية علمية لحركة الواقع ، كأداة لتغييره .
و برؤية علمية ، تستوعب حركية الواقع ، بتناقضاته الطبقية الحادة ، فإنه لا إمكانية لإنجاز ثورة شعبية حقيقية ، إلا إذا كانت ثورة اجتماعية المحتوى و الأهداف ، بأفق التحول نحو الاشتراكية ، فالمضمون الاجتماعي هو وحده الذي يحدد ما إذا كانت ثورة أم أي شيء آخر غير الثورة ، و ليس من أي حركة تغيير تستحق أن توصف بأنها ثورة ، ما لم تكن العدالة الاقتصادية الاجتماعية هي أولويتها المطلقة . و ما أقصده بالعدالة الاجتماعية ، هو إعادة توزيع ثروة المجتمع ، لصالح الغالبية الكادحة من أبنائه ، مع الإشباع المتزايد لحاجاتهم المادية و المعنوية . و غبي هو أو ثرثار مدلس من يقول بأن الطبقة الراسمالية الطفيلية (الكومبرادورية) ، يمكن أن تقبل بالعدل الاجتماعي ، عندما تكون في السلطة .
و هذا كله لم يكن واردا على الإطلاق عندما انطلقت انتفاضة فبراير الشعبوية العشوائية (العفوية) ، التي لم يكن لها أي إطار تنظيمي ، و لم يكن لجماهيرها الغاضبة و غير المتجانسة أية فكرة عما ستنتهي إليه ، ذلك أنها أصلا لم تكن محكومة بأي فكر أو تنظيم أو برنامج أو أهداف مرسومة مسبقا ، أي أنها لم تكن بالأصل ثورة ، حتى بالمفهوم التقليدي الليبرالي .
و لأنها لم تكن ثورة ، فقد سهل على قوى الثورة المضادة أن تركب موجتها ، و أن توجهها إلى ما تطورت و صارت إليه ، حيث ركبتها - كما سلفت الإشارة - قوى اليمين الديني و الليبرالي و فلول اليسار الانتهازي من شرائح البرجوازية الدنيا - بما فيها عناصر اللجان الثورجية و باعة الهتاف و الولاء - التي أفرزها النظام السابق و خصها بالرعاية ، فكان من الطبيعي أن يقع الانتكاس بالانتفاضة إلى إعادة إنتاج نسخة فبرائرية كومبرادورية ، لا تقل ضراوة راسمالية عن النسخة الأصلية لـ (مشروع ليبيا الغد) النيوليبرالي ، بل تتجاوزها إمعانا في سياسات الإفقار و التجويع ، كما هو واقع فعلا ، من السياسات الاقتصادية و المالية و النقدية ، لنظام دكتاتورية تحالف الراسمالية الطفيلية ، في دولة الكومبرادور و الصيرفة الإسلامية ، فضلا عن الفساد ، الذي هو قانون الوجود ، للطبقة الجديدة من البرجوازية الطفيلية المهيمنة ؛ ما يجعل من المحصلة النهائية لانتفاضة فبراير الشعبوية ، انعطافة حالكة السواد في مسار التاريخ الليبي الحديث .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول