تأملات مصرية.. في قضايا مصيرية .(( جزء 1 من 3 ))

محمد حسين يونس
2021 / 5 / 7

مقدمة
نستطيع بقليل من الخيال تقسيم ما حدث (و يحدث ) لبلدة كانت تسمي ( كميت ) ثم أصبحت (مصر) ..من بداية سكناها بواسطة أقوام بدائية مهاجرة من الجنوب و الشرق .. حتي كسوف شمسها و إضمحلالها .. لثلاث مراحل تاريخية أساسية تستغرق كل مرحلة منها ما يقرب من خمسة الاف سنة تزيد أو تنقص ..تفصلها فترتين إنتقاليتين كل منهما ألف و خمسمائة سنة .
أى أن تواجدها كمستقر بشرى .. منذ أن تم إستوطانها .. حتي تحولت لجزء من الصحراء الإفريقية الكبرى ..لن يصل بها .. لسنة ثمانية الاف ميلادى ..إلا بصعوبة .. بعدها ستكون نسيا منسيا .. و يختفي ذكرها ..وتنقرض من الوجود .. أول دولة موحدة أو أمة متجانسة في التاريخ .
1 - المرحلة الأولي .. ( التكوين ) ..بدأت من سنة 10.000 ق.م حتي 4500 ق.م
كان هذا المكان المعروف بوادى النيل بركا ومستنقعات خطرة تعيش فيها بجوار نباتات الأدغال وحوش الماء و الحشرات تفني بعضها بعضا .. ولا تستطيع الثدييات العليا ومنها البشر ولوجها بدون خسائر مؤكدة
الكائنات ( الثديية ) ذات المرتبة العليا.. تلك ..عاشت في هذه الفترة بالغابات المطيرة المحيطة بوادى النيل شرقا و غربا .. بسبب توفر الطعام و الماء ..والمأوى .مكونة النواة الأولي لسكان الوادى .
(كميتيو ) ذلك الزمن الذين سكنوا الغابات الشجرية المطيرة ..كانوا أقواما لا إسم لهم و لا كينونه .. قطعان بشرية ..بدائية متصارعة ..غير متجانسة .. قادمة من بين جماعات أخرى أفريقية أو أسيوية.. جاءت بحثا عن الماء والعشب وحيوانات الصيد.
إستمر هذا حتي سنة 8000 .. ثمانية الاف قبل الميلاد .. تعلم خلالها هؤلاء الأقوام الأقرب في سلم التطور للملكة الحيوانية ..منهم للقياسات الإنسانية ..كيف يتبادلون الأحاديث ..ويتكتلون ليصطادوا ..أو يقاوموا الأعداء.. و كيف يصنعون أدوات حجرية خشنة و يعيشون علي هذا الحال لالفي سنة ..فيما نسمية (انثروبوليجيا ) بالعصر الحجرى القديم ..أو المتوسط .
عندما تغير المناخ و قل المطر و بدأت الغابات في الإختفاء و هجرتها الحيوانات .. التي نزحت تدريجيا في إتجاة .. مصادر المياة ..تبعها الإنسان .. ليعيش علي حدود الوادى الخطر ..خائفا من الحشرات و الضوارى .. مكونا ببطء الشعب الكيميتي ألاكثر تجانسا .
حوالي 7000 ق.م كانوا قد إستقروا في جماعات متباعدة (نوم ) و تعلموا تدجين الحيوانات المستوردة من أسيا وزراعة الحبوب في شرق الصحراء الكبرى .. أما في نابتا بلايا ( بالنوبة ) فقد تم صناعة منازل و حفر آبار مياه عميقة ، وإقامة مستوطنات كبيرة نسبيا منظمة .
حوالي 6000 ق.م: صنعوا من سيقان الأشجار و النباتات ..سفن بدائية (بمجداف وشراع) مصورة على الفن الحجري المصري..و إستطاعوا التجول بها عبر النهر للحرب و التجارة و تبادل المنفعة بين (النوم )المتناثرة
حوالي 5500 ق.م: صنعوا غرف تحت الأرض ذات سقف حجري ومجمعات أخرى للعبادة و أداء طقوس الدين في نبتا بلايا.
حوالي 4500 ق.م.. زوادت المستوطنات البدائية علي حافة الوادى ..و نتعرف من بقاياها علي حضارة البدارى و كيف صنعت و إستخدمت .. الأثاث، بالإضافة إلي نماذج من بيوت مستطيلة، وأوعية، وأطباق، وكؤوس، وطاسات، ومزهريات، وأمشاط وتماثيل.. لتنتهي مرحلة التكوين التي إستغرقت حوالي 5500 سنة و تبدأ بعدها الفترة الإنتقالية الأولي .

2 - الفترة الإنتقالية الأولي .. دامت لألف و ثلاثمائة سنة .. من 4500 ق.م إلي 3150 ق.م .. عبر فيها الكيميتيون من أساليب الحياة في الغابات.. لنمط الإستقرار حول نهر النيل .
إستطاعت فيها القطعان البشرية النازحة ..تعلم صيد السمك و البستنة و تدجين الحيوانات .. و ترويض النهر و السهل الخطر.. و العيش في مجتمعات صغيرة متعاونة متكاتفة في بعض الأحوال ..و في نفس الوقت متصارعة و متضاربة .. وجدت أثارها في البدارى و المعادى .و الفيوم و مرمدة بني سلامة و دير ناسا و نقادة و جزرة ... مصنوعات حجرية مهذبة .. و أواني فخارية .. و مدافن للأفراد .
4400 ق.م: وجدت خيوط كتان منسوجة بشكل جيد ..
4000 ق.م:مستحضرات تجميل .. استئناس حيوانات الإستخدام في الحقول ( الحمار ) ..و المصنوعات الحديدية (النيزكية ) الملاط (المونة) لبناء الأكواخ .
3500 ق.م: إستخدام اللازورد القادم من الشرق ..السينيت، أقدم لعبة ألواح في العالم .. والفاينس، أقدم خرز مطلي بالسيراميك
3300 ق.م: آلات موسيقية وسمسمية من القصب المزودج .
3150 أول دولة موحدة في تاريخ البشرية
تنتهي المرحلة الإنتقالية الأولي بتعلم الكتابة و التدوين ..و إمتلاك عقائد.. طوطمية ..و شامانية .. مع تاليه الأسلاف و عبادتهم ..و بتكوين مجتمعات متصارعة متحاربة.. و بناء مدافن حجرية .. وقرى.. في الصعيد و الدلتا ..ثم يتم ضم القطرين معا بواسطة الملك مينا .. أو حور عحا .. في أول دولة موحدة لها أساليب إدارة و قوانين ..في التاريخ .. ليطل عصر جديد علي كيميت و الكيمتيين .

3 - المرحلة الثانية .. الحياة في ظل ( الطغيان الشرقي ) ..بدأت من 3150 ق.م مع تكوين الدولة الموحدة ..و إستمرت بعدها لخمسة الاف سنة أخرى.. كان فيها سكان الوادى يعيشون حول النيل بعد ترويض الدغل و النهر ..
يحكمهم نظام .. لم تتغيرأساسياته طول الفترة .. يتكون من طبقتين أحدهما مرفهه مكونه من (العسكر و الكهان) يراسها ملك من نسل الألهه ويسوس العبيد و الأقنان بواسطة أدواته من إداريين و جباة .. و الأخرى أغلبية مستغلة مستعبدة ..في حالة سخرة مستمرة..تنتج ما يستولي علية الحكام .. و تبني ما يأمرون به من صروح و مدن و قصور .
هذه المرحلة إنتهت يوم 23 مارس 2015 ..مع توقيع الرئيس السيسي علي إعلان المباديء حول مشروع سد النهضة الإثيوبي ..و ما تلاها من أحداث و إجراءات أدت إلي الشح المائي و مع سوء التصرف فيما تبقي .. إلي تصحر الوادى .. لتبدأ المرحلة الإنتقالية الثانية .

4 - نحن نعيش الأن في المرحلة الإنتقالية الثانية حيث تتغير قيم و سلوك و أساليب حياة المصريين بعد نضوب ماء النيل و تصحر البلاد .
هذه الفترة قد تمتد في نزاع و أخد ورد و تضليل ..إلي الف و خمسمائة سنه أخرى حتي سنة ( 3500 م ) يظل فيها العسكر و الكهان يحكمون و يسيطرون و يستمرون في إستغلال الشعب الخائف المرتبك المشوش .. حتي يجيبوا ضلفها .و تتصحر البلاد .
خلال هذه الفترة تضعف الإمكانيات تدريجيا بإنخفاض ورود المياة في النيل .. فيهجر السكان أرضهم .. في إتجاة السودان و الحبشة جنوبا .. أو أسيا شرقا .. أو أوروبا شمالا ... هجرات كثيفة .. يستحيل وقفها .. تستغرق مئات السنين .. بحيث عندما يحتفل العالم يوم 31 ديسمبر 2999 ..ببداية الألفية الرابعة ..و يأتي ذكر مصر .. سيقولون أنها بلد صحراوى مهجور..منذ زمن طويل ..لا يزيد عدد سكانها عن إثنين أو ثلاثة مليون يصعب حصرهم لانهم يعيشون في كنتوتات قزمية متباعدة .. علي سواحل البحرين الأبيض و المتوسط .. و حول مصادر ماء في واحات مبعثرة في الصحراء الكبرى ... أو في خدمة شركات بنوك الديانة التي إستولت علي حق إستغلال المكانة السياحية للأهرامات والإنتفاع بقناة السويس .

5 - المرحلة الثالثة ( التصحر و الفناء ) التي قد تدوم من سنة 3500 حتي سنة 8000 ميلادى .. بدون غابات مطيرة أو نهر .أو شعب
و علينا تخيل ماذا يمكن أن يحدث فيها .. لمصر الصحراوية.. قليلة الإمكانيات .. والتي تم نهبها علي مدى الف سنة بواسطة رجال الدين والحكام من الضباط ..وكسرتها مؤمرات دول الجوار ..إسرائيل و بدو شبه الجزيرة العربية وذلها أصحاب الديون .. فقضوا فيها علي أى خطر مختمل قادم من جهتها أو أمل في ثورة تغيير للخروج من دايلمة أسرهم .
التحول من مرحلة لاخرى .. يتم بصعوبة شديدة و معاناة بشرية .. نعاصرها اليوم و نحن نرى ثروتنا ينهبها الحكام و دول الإستعمار الغقتصادى .. و يوجهونها إما تجاة بنوك الديانة أو إلي بناء مباني لا قيمة لها .. و وسائل إتصال ستتوقف بسبب سوء الإدارة و الصيانة .
.و ما يبذله الشعب من جهد فائق نبذلة للنجاة .. و كم الضحايا الذين لم يعوا .. أن إسلوب حياة أمس .. قد إنتهي ... يوم سماح الرئيس للأحباش ببناء سدودهم و حجز النيل .
كلمة أخيرة في المقدمة
سينسي الأحفاد ما فعله محمد علي .. و يتذكرون له هزيمة نفارين .. و ما قام به أحفادة من نقلة حضارية و يتذكرون لهم ما جلبوه من إستعمار بريطاني .. و للإنجليز كل الإصلاحات الإدارية و يتذكرون محاكمات دنشواى . . وينسون للوفد كل مواقفة الوطنية و يتذكرون 4 فبراير 1942 .. و لعبد الناصر كل محاولاته الإصلاحية و يتذكرون هزيمة 67 .. و لانور السادات سياساته الإنفتاحية و يتذكرون ذهابة للقدس حاملا كفنة ..و لمبارك كل ما قام به خلال 30 سنة و يتذكرون محاولة توريث العرش لإبنه .. و للسيسي كل طرقة و كبارية و قصورة و حدائقة ..و أطول و أعلي و أوسع وأكبر منشئات ..و يتذكرون أنه قد وقع علي وثيقة في الخرطوم .. تنهي وجود مصر كدولة زراعية ..و تحولها إلي جزء من الصحراء الكبرى .

1 – المرحلة الأولي ..من (( 10000 ق.م - 4500 ق.م ))
كتب سليم حسن في الجزء الاول من موسوعتة عن مصر (( العصر الحجرى الحديث )):
((في افريقيا الشمالية أخذ الجو يصير أكثر جفافا و أشد حرارة من العصر السابق .. و الواقع أن قلة الامطار وشدة التبخر تسببا في نقص محسوس لنظام المياة فانقلبت الغابات اليانعة الي أرض عشبية لا يستطيع الانسان أو الحيوان البقاء فيها وفي خلال هذة الفترة اخذ وادى النيل يكون ببطء شكلة الحالي ))
في كتاب " ناشيونال جيوغرافيك" فصل ارض الفراعنة جاء ما ترجمتة :
((وهكذا عكف النهر علي ترسيب طين غني بالمعادن بعد كل فيضان مقتطعا من ( الارض الحمراء ) اى الصحراء واديا سمي (كميت ) اى ( الارض السوداء ) عاش علية حول اعوام 13000الي 10000 ق.م فلاحون ورعاة و صيادى سمك دلت اثارهم الحجرية عليهم فلقد وجدت في اماكن متفرقة سكاكين ورؤوس اسهم وقصابات بالاضافة الي مناجل واحجار رحا قد تكون لحصد وطحن الحبوب البرية)) .
مع سنة 5000 ق.م حدث تطور درامي للحضارة المصرية (( بعد أن بدأ الفلاحون في زراعة الحبوب واستئناس الماشية والماعز والخنازير التي قد تكون قد جلبت اصولها من جنوب غرب اسيا ولكن تطورها ونموها كان صناعة مصرية خالصة )).
وبدات هجرة سكان المناطق المتصحرة للوادى قادمين من الجنوب (الاسود) والشرق والغرب (الابيض) ..

2 – المرحلة الإنتقالية الأولي ( 4500 ق.م إلي 3150 ق.م )
كتب برستيد في موسوعتة عن تاريخ العالم
((كان القطر المصرى من مبدأ مدنيتة منقسما الي عدة امارات صغيرة مستقلة أخذت تلتئم تدريجيا حتي تكونت منها مملكتان عظيمتان احداهما بالوجة القبلي والاخرى البحرى وامتازت الاخيرة بسرعة تقدمها ..عندما وحدت المملكتين سميت (كميت) بارض القظرين عام3150 ق .م تحت سيطزة الملك مينا)).
د. جمال حمدان في ( شخصبة مصر)
انسان العصر الحجرى الحديث ((جاء من جماعتين احدهما من طوال الرؤوس في الصعيد اما في الدلتا فقدكانت جماعات أخرى من جنس البحر المتوسط الا انها أعرض رأسا و الانف أضيق نسبيا )).
(( اى الجنس الاورافريقي الذى يعد الجد الاعلي لجنس البحر المتوسط.. ورغم أن هؤلاء لم يخلوا من تاثيرات زنجية ما تسربت اليهم من اختلاطهم بالاجداد القدماء للبوشمان .. الا أن العناصر التي وصلت مصر خلت من تلك المؤثرات فظلت خالصة كعنصر اورافريقي نقي)).
وهكذا خلص جمال حمدان الي أن
(( المصريين قبل عصر الاسرات كانوا الغالبية العظمي وقاعدة الاساس تتكون من عناصر اصليه من افريقيا البيضاء والبحر المتوسط اضيفت اليهم عناصر ثانوية من افرقيا السوداء متزنجة واحيانا زنجية ثم عناصر من عالم البحر المتوسط كالسوريين والكنعانيين وحتي البلقانية و اليونانية )).
هذة الخلطة التي تكون منها سكان الوادى ظل ما نتج عنها من ملامح مستمر كما ذكر (( برودريك)) ..
((من الواضح طوال الستة الاف سنة الاخيرة أو يزيد أنة لم يحدث تغيير ملحوظ في مظهر جمهرة المصريين .. فالبداريون( حجرى قديم ) و أهل النقادتين ( حجرى حديث ) و مصريو الاسرات والفلاحون الذين نراهم يعملون في الحقول اليوم كلهم من نفس النمط القاعدى المتوسط )).
والان بعد اكتشاف اللغة المصرية ومعرفة مفردات الحضارة الفرعونية ..وبعد التوصل لحل شفرة القوانين الجينية وتطبيقها علي الاف الجثث المحنطة أصبح من المؤكد دوام اتصال الصفات المصرية عبر الاجيال المتتالية بحيث تكون لديهم ملامح سائدة.
المصرى توارث أسلوب حياتة ومفاهيمة الدينية وثقافتة بنفس القدر الذى توارث بة ملامحة وصفاتة الجسدية ..( الجسم النحبف المعروق ذو الحوض الضيق والايدى والاقدام الصغيرة نوعا مع الرأس والوجة الانسيابي الكنتور )..
و هكذا ظل سكان وادى "كميت "متجانسون من حيث النوع تميزهم سمات خاصة أهلتهم لبناء حضارة في زمن الدولة القديمة لا زالت اثارها باقية حتي اليوم اهرامات شامخة تتحدى الزمن
3 - المرحلة الثانية من ((3150ق.م إلي 2015 ))
3 – 1 (الجزء الأول) .. الصعود..و الإستفادة من السلطة المركزية .. ( 3150 ق.م -525 ق.م))
كيميت ( مصر ) أقدم الدول (بمعني ملك و وزير وحكومة مركزية و أمراء مسئولين عن 20 نوم (محافظة ) في الدلتا و 22 بالصعيد و نظام ضرائب عادل .. و قانون نافذ .. و حقوق إنسان )
وهي أيضا كانت متواجدة مع بداية التاريخ المكتوب سنة 4341 ق.م .. لقد وحد النهر و التجارة و تبادل المنافع أهلها و أكسبهم لغة مشتركة جعلت من جماعات متنافرة متصارعة أمة واحدة .
النهر يتحرك من الجنوب للشمال .. و في نفس الوقت تهب الرياح من الشمال للجنوب فسهل هذا حركة البشر و البضائع و الأفكار ذهابا مع التيار و عودة بفرد شراع المركب و تسليمة للرياح
جماعات الكيمتيون المتفرقة تعارفوا و إختلطوا بسبب سهولة الحركة فوق سطح النهر ( علي الرغم من وجود حيوانات خطرة تسبح بجوارهم مثل التمساح .. و سيد قشطة ).. و في مواجهة فيضان النهر و تدميره للقرى و النجوع تماسكوا ..و زاد من أواصر وحدتهم.. تكوينهم لمجتمعات زراعية مستقرة علمتهم كيف يتكاتفون في أمام الخطر
ملوك كيميت .. القدماء ..كان بإستطاعتهم السيطرة علي الإقليم .. من الشلالات إلي البحر الأخضر الكبير بدون شرطة أو جيش أو مخابرات .. وفي نفس الوقت تسيير الحملات العسكرية إذا إستلزم الأمر لردع الأعداء علي الحدود ..
وفيها كان هناك نظام تحصيل ضرائب بإنتظام .. وكان بإمكان الوزير حشد الناس لترويض النهر و الدغل .. و تمهيد الطرق و بناء المعابر و الجسور و المساكن .. و المعابد و القصور كما لو كانوا يعيشون في زمن السيسي اليوم .. بيننا
في كميت قام نظام الحكم علي أربعة دعائم .. الأولي (ماعت ) نتريت العدالة و الإستقامة .. و الثانية (تحوت ) نيتر الحكمة و الثبات و الإنتظام و مبدع اللغة و مراقب الميزان .. و الثالثة (أوزيريس ) نيتر الخصب و التجدد ..و الأمل .. و الرابعة (أمحتوب ) نيتر الطب و الهندسة و العلم و الفن. و بقي هذا معهم حتي نهاية الصعود .
لفهم هذا قد يفيد أن نقرأ ما كتبة ديورانت المجلد الأول صفحة 91
((و كان الملك و أعيان الأقاليم يستعينون بالكتبة للمحافظةعلي النظام و سلطان القانون في الدولة .. و تصور بعض اللوحات القديمة الكتبه و هم يقومون بعملية الإحصاء و يحسبون ما دخل الخزانة من ضريبة الدخل .. و يستعينون بالمقاييس النيلية التي تسجل إرتفاع ماء النهر لمعرفة ما سيكون علية موسم الحصاد فيقدرون منه إيراد الحكومة في العام التالي و يخصصون لكل مصلحة من المصالح ما سيكون لها من نصيب في هذا الإيراد))
بمعني خطة و موازنة مبنية علي تقديرات عادلة .. من 5000 سنة
((و كان عليهم فوق ذلك أن يشرفوا علي شئون الصناعة و التجارة و لقد أفلحوا من بداية التاريخ تقريبا في وضع نظام إقتصادى تشرف الدولة علية))
. ((و كانت القوانين المدنية و الجنائية غاية في الرقي كما كانت قوانين الملكية و الميراث في ايام الأسرة الخامسة قوانين مفصلة بدقة و كان الناس جميعا متساوين مساواة تامة امام القانون )).
((لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاما و كانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ و كان الوزير علي رأس الإدارة كلها يشغل منصب رئيس الوزراء و قاضي القضاة و رئيس بيت المال و كان الملجأ الأخير للمتقاضيين لا يعلو علية في هذا إلا الملك نفسة .. وترى الوزير في نقش علي قبر يخرج من بيته في الصباح الباكر ليستمع إلي مظالم الفقراء و يصغي إلي ما يقوله الناس لا يميز فيها بين الحقير و العظيم))
فلنختم هذه الإقتباسات بجزء من خطاب الملك لوزير معين حديثا
((إجعل عينيك علي مكتب الوزير و راقب كل ما يحدث فيه و إعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد ، ليست الوزارة حلوة بل هي مرة و إعلم أنها ليست إظهار الإحترام الشخصي للأمراء و المستشارين و ليست وسيلة لإتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا أنظر إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلي فإحرص علي أن يجرى القانون مجراه في كل شيء و أن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده ..و أن يعطي حقة , إعلم أن المحاباة بغيضة إلي الإله فأنظر لمن تعرفه نظرتك لمن لا تعرفه و إلي المقربين من الملك نظرتك إلي البعيدين عن بيته .. أنظر إن الامير الذى يفعل هذا سيبقي في هذا المكان و ليكن ما يخافة الناس من الأمير أنه يعدل في حكمة)).
في كيميت كان هناك حاكم محلي لكل إقليم .. و نظام ضرائبي ..وقانون و محاكمات عادلة و تقاليد ترفع من شأن المرأة .. و تحض علي أن يحترم الصغير الكبير .. ورغم إحتفاط كل جماعة بمنظومتها الدينية إلا أن (كائناتهم المقدسة) كانت تعيش متجاورة في تسامح و تفهم مما أكسب الكيمتيون مرونة إستيعاب الأخر و قبوله و دمجه في منظومة قيم متحضرة
أنصح بقراءة كتاب (فجر الضمير ) لهنرى بريستد أو كتاب (تاريخ مصر من أقدم العصور) .أو الجزء الثاني الباب الثامن من موسوعة (قصة الحضارة ) ول ديورانت .. و هي كتب لا نتداولها في المدارس أو الجامعات أو الأكاديميات العسكرية
الدولة الموحدة و نظام تحصيل ضرائب عادل .. و حسن إستخدام و توظيف الثروة .. بالإضافة إلي علوم الكهنة المتفرغين للتدريب و الإرشاد و التعليم .. و حماس الأمراء و الجنود و قدرتهم علي تحقيق الأمن علي الحدود .. ساعد علي إستقرار البلد و نمو الحرف و الفنون و حول كيميت إلي أول دولة في المنطقة منضبطة.. متحضرة.. يتمتع أهلها بالأمان و العدالة ..و الرفاهية .. و نفاذ القانون .
لقد كان الطغيان الشرقي في هذا الزمن .. موقفا تقدميا ساعد في بناء دولة .. قوية موحدة فقبل نشوء الدول .. كان البشر يعيشون في قطعان منفصلة متناحرة علي هيئة قبائل أو عائلات أو تجمعات قروية مهددة .. معظم الوقت بواسطة أعداء معروفين أو غير منظورين.. الموت و المرض و الجوع و الخوف ..الجهل و الحشرات و الزواحف .. و الحيوانات .. كلها كانت تمثل بيئة عدوانية .. تقصف عمر البشر .. و تجعلهم يعيشون يرتابون في كل حدث أو حديث
القطيع البشرى سواء كان أموى ( يلتف حول أم ) أو ابوى (يخضع لسلطة زعيم ) دام تجوله علي ظهر الأرض لفترات طويلة .. ثم تميز إلي قسمين أحدهما ظل علي بداوته يجول في الصحارى و الجبال و الغابات .. و الأخر إستقر حول مجارى الأنهار مكونا مجتمعات زراعية.منها كيميت.
نكمل في الجزء التالي مرحلة الإنكسار و إستبداد العسكر و الكهنة (( 525 ق.م حتي 2015 )) .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول