مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثالث والأخير

الطاهر المعز
2021 / 5 / 5

مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا
الجزء الثالث والأخير
مكانة الهند في المخططات الإستراتيجية الأمريكية بآسيا
الطاهر المعز

الهند وكيل الإمبريالية الأمريكية ومتعاقد من الباطن بأفغانستان
لأفغانستان حُدُود مع الصين، لا يتجاوز طولها 76 كيلومترًا، ولها حدود مع إيران، يتجاوز طولها 935 كيلومترًا، ومع باكستان (2430 كلم) وحدود طويلة (حوالي 2100 كلم) مع دول آسيا الوُسطى بالإتحاد السوفييتي السابق: أوزباكستان وتركمانستان وطاجيكستان، وليس لها حدود مع الهند، لكن الولايات المتحدة التي تحتل أفغانستان تعمل على ترسيخ نفوذ الهند، كشكل من أشكال تحديد نفوذ الصّين، ضمن خطة أَشْمَلَ تتضمّن مُحاصرة الصّين...
عملت الولايات المتحدة على تعزيز الشراكة بين الهند وأفغانستان، منذ بداية الإحتلال الأمريكي، وصرّح أحد المُقرّبين من الرّئيس الأفغاني حامد قرضاي (ابن عَمّه)، سنة 2007 إن الهند أكبر شريك لأفغانستان في المنطقة، واعتبرتها وزارة الخارجية الأفغانية، سنة 2008، بعد تفجير سفارة الهند بأفغانستان، "دولة شقيقة"، ووقعت الحُكومتان، سنة 2011، "اتفاقية شراكة استراتيجية"، وأوردت وثائق وزارة خارجية الهند، سنة 2017: "إن الهند تبرعت بنحو ثلاثة مليارات دولارا لمساعدة أفغانستان، وأشرفت على بناء مدارس (يبدو أن العشرات منها مدارس خاصة) وتُشجع الطلاب على الدّراسة بالهند..."، ولكن مكانة الهند مُستَمَدّة من إرادة الإحتلال الأمريكي الذي يريد أن يجعل من الهند ورقة ضغط على باكستان وعلى الصين، وكان سلاح جيش الهند من صنع سوفييتي، ثم روسي، وأصبح مجمله أمريكيا، فمنذ شهر آذار/مارس سنة 2006، أعلنت وزارة الحرب الأمريكية، بمناسبة زيارة الرئيس جورج بوش الإبن للهند وباكستان، أن الهند حليف هام في محاربة الإرهاب، وأن جيشها تزوّد بطائرات قتالية أمريكية (أف 16 و أف 18) وبالتقنيات الحديثة في مجالات الرّصد والمراقبة، ووقّعت الحكومتان الأمريكية والهندية اتفاق للتعاون النّوَوِي...
في المجال الإقتصادي، بدأت شركات الهند، منذ أكثر من عشر سنوات، تستثمر في القطاعات التي أضَرّ بها الإحتلال وخَرّبها، مثل البنية التحتية والطرقات والنقل، وبحسب موقع وزارة خارجيتها، أنشأت الشركات الهندية مبنى جديدًا للحكومة وللبرلمان الأفغاني، تم تدشينه بنهاية سنة 2015، واستثمرت الهند، بين 2012 و 2017، حوالي 11 مليار دولارا، في مناجم الحديد، ومصنع للصلب، ومشاريع الطاقة، وإعادة بناء "سُدّ سَلْمى"، لتزويد محافظة "هرات" بمياه الرّي وبالطاقة، وكلما تعزز التعاون بين أمريكا والهند، زاد عدد الشركات وحجم السّلع الهندية في أفغانستان، لتبلغ قيمة استثمارات الشركات الهندية الخاصة نحو عشرة مليارات دولارا، بين 2012 و 2020، بدعم من الحكومة الهندية، بالتوازي مع استثمار الدولة الهندية في خط أنابيب نقل الغاز من آسيا الوسطى نحو الهند، فضلاً عن المدارس الخاصة التي تُشرف على تسييرها مؤسسات هندية، تُقدّم منحًا للطلبة الذين يواصلون دراساتهم الجامعية في الهند...
تَرْجَمَ وزير الخارجية الهندي، هذا الإهتمام وهذا التعاون، بقوله، خلال ندوة صحفية دولية، يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، "قررت الهند، منذ عقدَيْن (أي منذ احتلال أفغانستان) لعب دور في تنمية أفغانستان، على مدى بعيد... لدينا أربعمائة مشروع في كافة أقاليم أفغانستان، من أهمها سد شحتوت قريبا من العاصمة كابول و150 مشروع في القُرى والأرياف و 65 ألف منحة للطكلاب الأفغانيين لمتابعة دراساتهم بجامعات الهند، ونحن بحاجة للأمن والإستقرار للإستثمار في مشاريع تنموية..."، بحسب وكالة "أستوشيتد برس" - 24/11/2020.
تُعارض الصين وباكستان هذا "التّفويض" الأمريكي، وصرح وزير الخارجية الباكستاني في الثامن من آذار/مارس 2021 (بحسب وكالة أسوشيتد برس – 08/03/2021) "إن الهند لا يمكنها تقديم أية مساهمة لتحقيق السلام في أفغانستان، برعاية غربية"، فيما يُركّز الإعلام الأمريكي (والغربي) والهندي على دعم باكستان لحركة "طالبان"، التي رفضت التّفاوض مع حكومة أفغانستان، وأصرّت على التّفاوض مُباشرة مع وَلِي أمْر هذه الحكومة، ولذلك فإن الحكومة الأمريكية تحث الهند على تعزيز الإستثمار والتجارة مع أفغانستان، وإعادة الإعمار وتدريب قوى الأمن (الجيش والشرطة)، فيما تعزّز حضور المخابرات الهندية في أفغانستان، بحسب تقرير نشره موقع "فورين بوليسي" الأمريكي، بمناسبة زيارة وزير الخارجية الأمريكي للهند (تشرين الأول/اكتوبر 2017)، بهدف لترسيخ أقدامها في هذا البلد الذي يَصِل الصين بجمهوريات آسيا الوسطى وروسيا (للصين حدود أخرى، شمالاً مع روسيا)، وسبق أن أصْدَرت حركة "طالبان" بيانًا يُندّد بوقف وممارسات الهند، بدعم أمريكي.
بعد اختطاف واغتيال أحد مهندسي المشاريع الهندية بولاية "زابل"، جنوب أفغانستان (نيسان/ابريل 2006)، بدأ الحديث عن إرسال قُوّة عسكرية "لحماية العاملين الهنديين في أفغانستان" (حوالي خمسة آلاف، سنة 2019) ولحماية القنصليات الهندية المنتشرة في أرجاء أفغانستان، بالتوازي مع إعادة انتشار ستة آلاف جندي من قوات حلف شمال الأطلسي، في ولايات "ٌُنْدهار" و"هيلمند" و "أروزجان"...
يندرج الدّور الهندي في أفغانستان ضمن التقاء المصالح بين الولايات المتحدة والهند، واتفاقهما على معارضة نفوذ الصين المتزايد في آسيا، وخاصة في آسيا الوسطى والجنوبية، عبر مبادرة الحزام والطريق (أو طريق الحرير الجديدة)، لأن حكومات الولايات المتحدة تعتبر أن الصّين تُشكّل "تهديدًا استراتيجيا" للهيمنة الأمريكية على العالم، ووجدت ضالّتها في الهند "كحليف قوي وموثوق"، لتتعاقد معها على عرقلة تقدّم النّفوذ الصيني، فساعدت الهند على إقامة قاعدة عسكرية جوية في "طاجيكستان" المُجاورة لأفغانستان، وأعلن وزير خارجية أمريكا "ريكس تيلرسون"، خلال زيارته للهند، سنة 2017: "إن الهند هي الشريك الموثوق للولايات المتحدة، بفعل رؤيتنا المتطابقة وقيمنا المُشتَرَكة، لمواجهة الصين التي تنتهك القوانين الدّولية وتُهدد الإستقرار في العالم..." (رويترز 25 تشرين الأول/اكتوبر 2017)، والتقت مصالح الهند والإمبريالية الأمريكية، خصوصًا منذ بدْء تنفيذ مبادرة "الحزام والطّريق"، وتدشين مَعْبَر تجاري صيني في أراضي باكستان، وحُصُول شركات الصين على بعض العُقُود في أفغانستان، ما أدّى إلى تحذير تقرير صدر عن الكونغرس الأمريكي من "الآثار السلبية للتقارب بين الصين وباكستان، بشأن أفغانستان" قبل شن حملة ضد تلك الشركات بشُبهة "التجسّس والتعاون مع الحكومة الصينية"، منذ نهاية العام 2020 وبداية سنة 2021، ورَوّجت وسائل الإعلام المُوالِيَة أو المملوكة لشركات الصناعات الحربية الأمريكية "لمخاطر انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، الذي سوف يؤدّي إلى حدوث اضطرابات وفوضى وعدم استقرار المنطقة، وخاصة في كشمير الواقعة بين باكستان والهند وأفغانستان، ما قد يُعزز نفوذ الصين المتحالفة مع باكستان وإيران"، بحسب "بلومبرغ" (23 آذار/مارس 2021).
أكّد وزير الخارجية، وفقا لبيان صادر عن وزارة الخارجية الهندية، يوم 24 آذار/مارس 2021، خلال اجتماع مع نظيره الأفغاني، في العاصمة الهندية، نيودلهي: "إن وقف إطلاق النار الشامل والدائم أمر حاسم لنجاح عملية تحقيق السلام في أفغانستان، الذي ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة والعالم بأسره... للهند التزام طويل الأمد تجاه دولة أفغانستان الآمنة، وذات السيادة المستقرة والشاملة، الدّاعمة لحقوق الجميع في إطار دستوري ديمقراطي"، لكن بعيدًا عن هذه اللغة الدبلوماسية، كانت مواضيع "التعاون في مجالات السياسة والإقتصاد والتجارة والأمن، والتعليم والتّدريب والثقافة، وغيرها"، موضوع لقاءات ممثلي الحكومتَيْن، لمتابعة نتائج المحادثات والإتفاقيات بين رئيس وزراء الهند "نانيندرا مودي"، والرئيس الأفغاني "أشرف عبد الغَنِي"، يوم الثلاثاء التاسع من شباط/فبراير 2021، بحسب وكالة "خامة برس" الأفغانية.

أفغانستان، ورطة أمريكية تتلقفها الهند؟
في التاسع من أيلول/سبتمبر 2001، وقع اغتيال "أحمد شاه مسعود" (02 أيلول/سبتمبر 1953 – 09 أيلول/سبتمبر 2001)، صديق القوى الإمبريالية، شارك في محاربة الإحتلال السوفييتي (بدعوة من حكومة أفغانستان) بأسلحة أمريكية ودعم كبير من وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، والسعودية، وأسس ائتلافًا "إسلاميا" ضمّ الإرهابيين من كل حدب وصوب، كان الإعلام المُهَيْمِن يُسمّيهم "المُجاهدون"، وبعد سيطرة هذه المجموعات الإسلامية المتطرفة على الحكم، سنة 1991، أصبح "أحمد شاه مسعود" ووزيرًا للدفاع ثم نائب الرئيس برهان الدّين رَبّاني، وكان الجميع اعضاء وقادة في "الجمعية الإسلامية"، ويشتركون مع حركة "طالبان" في المسؤولية عن تخريب العاصمة "كابول"، وعن الحرب الأهلية...
بعد يَوْمَيْن، في ذكرى الإنقلاب الذي نظمته الإمبريالية الأمريكية (وشركاتها العابرة للقارات) ب"تشيلي"، يوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973، ضد الرئيس المنتَخَب "سلفادور أليندي"، حدثت تفجيرات في "نيويورك"، وفي مناطق أُخرى من الولايات المتحدة (يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001)، وبعد بضعة سُوَيْعات، حَمّلَ وزير الحرب الأمريكي (دونالد رامسفيلد) ورئيسه (جورج بوش الغبن) مسؤولية الإنفجارات لتنظيم "القاعدة" وزعيمه "أُسامة بن لادن"، الموجود بأفغانستان، والذي دعمته الولايات المتحدة والسعودية وباكستان، وغيرها، بالأسلحة وبالإعلام وبتجنيد المقاتلين، ثم انقلب عليه الجميع، لأن مُهمّته انتهت بانهيار الإتحاد السوفييتي، وفي مساء نفس يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001، أي بعد حوالي ثماني ساعات، أعلن رئيس الولايات المتحدة "الحرب الشاملة على الإرهاب"، وبعد أسبوع واحد، من التّهافت والتّحريض الإعلامي والكَذِب (اتهام نظام العراق بدعم "القاعدة")، صدر عن المجلس (الكونغرس) قانون تفويض الحكومة استخدام القُوّة العسكرية، وهو القانون الذي لا يزال ساري المفعول بعد عشرين سنة، وفي العشرين من أيلول/سبتمبر 2001، بدأ الكونغرس والإدارة (البيت الأبيض) حملة لتحضير الرّأي العام لقبول، بل لدَعْم الحرب التي بدأت في السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2001، بالقَصْف وإنزال المظلِّيِّين الأمريكيين والبريطانيين والأطلَسِيِّين في أفغانستان، لتبْدأ الحرب، واحتلال البلاد، بتفويض ذي أثر رجْعي من الأمم المتحدة، في آذار/مارس 2002، ولا يزال الإحتلال العسكري متواصلاً بعد عقْدَيْن من الزمن، وتحاول الولايات المتحدة تفويض الهند لإدارة شؤون البلاد المُدَمَّرَة والمُنْهارة، والتي وعدت الولايات المتحدة بإعادة إعمارها، منذ نيسان/ابريل 2002، قبل أن يمتد نطاق قانون "تفويض استخدام القوة العسكرية لمحاربة الإرهاب" إلى العراق، التي احتلتها القوات الأمريكية وحلفاؤها (من عرب وعجم) منذ آذار/مارس 2003، ولا يزال الإحتلال متواصلاً في أفغانستان، كما في العراق، وأدّى إلى قَتْل عشرات الآلاف من الضّحايا غير المُسَلّحين، وقُدِّرَ عدد القتلى الأفغانيين بحوالي خمسين ألف من المدنيين وسبعين ألف من عناصر الجيش والشرطة، وارتفع عدد الجنود الأمريكيين المتواجدين على أراضي أفغانستان، إلى ما لا يقل عن مائة ألف (بالإضافة إلى قوات الدول الأخرى الأعضاء في حلف شمال الأطلسي)، خلال الفترة الرئاسية الأولى للديمقراطي باراك أوباما (صاحب جائزة نوبل للسلام، وهو لا يستحِقُّها) ولئن تغيّر شَكْلُهُ بالتعاقد مع جُيُوش خاصة (مُرتزقة) ومع دول أخرى، مثل الهند (بالنسبة لأفغانستان)، ووعد بارك أوباما بخروج الجيش الأمريكي من أفغانستان، قبل نهاية سنة 2016، لكن لم ينْجِزْ وَعْدَهُ، وأصبحت الولايات المتحدة تُفاوض حركة "طالبان"، ووقّعت معها (الدّوْحَة - شباط/فبراير 2020) اتفاقية بشأن انسحاب القوات الأمريكية قبل نهاية النصف الأول من سنة 2021، ثم تأجّل الموعد إلى 11 أيلول/سبتمبر 2021، ذلك االتاريخ الرّمزي، ورفضت حركة "طالبان" أثناء المفاوضات في "قَطَر" (حيث القواعد الأمريكية الضخمة) تقديم تنازلات جوهرية للولايات المتحدة أو للحكومة المُنصَّبَة، خلال المفاوضات، بينما تبحث الولايات المتحدة عن وَكيل مَحَلِّي موثوق (مثل الهند) للقيام بالمهمات القَذِرَة، مع بقاء الجيش الأمريكي، قاعدتين عسكريتَيْن بأفغانستان، وعدد من القواعد العسكرية داخل الأراضي الأفغانية وخارجها، بحسب رئيس هيئة الأركان المشتركة، "مارك ميللي" (نيويورك تايمز – 15 نيسان/ابريل 2021)، وكذلك في القواعد العسكرية المنتشرة في آسيا الوُسْطى، غير بعيد عن أفغانستان، في أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، وغيرها...
تشير البيانات الرسمية الأمريكية إلى تواجد نحو 3500 جندي نظامي أمريكي، بالإضافة إلى حوالي عشرين ألف آخرين، بين مرتزقة الشركات الخاصة (الأمريكية) المتعاقدة مع وزارة الحرب الأمريكية، وعناصر من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى، بعضها غير مُنْتَمِية لحلف شمال الأطلسي، وعدد غير معروف من عناصر الإستخبارات والقوات الخاصة، لأنه من الضروري المحافظة على تواجد عسكري أميركي لمكافحة الإرهاب في المنطقة، بحسب موقع "نيويورك تايمز" (09 نيسان/ابريل 2021) وأسبوعية "يو أس نيوز آند وورلد ريبورت" (شباط/فبراير 2021)، وبحسب ما نَقَلَهُ موقع مؤسسة "معهد بروكينغز" عن الجنرال "لويد أوستن"، وزير الحرب الأمريكي في لقاء لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في 15 نيسان/إبريل 2021.
تورد بعض الدّراسات أرقامًا (حوالي تريليونَيْ دولار) عن الخسائر المالية الأمريكية المزعومة في أفغانستان، والواقع أن الشركات الأمريكية، وبالأخص شركات مُجَمّع الصّناعات العسكرية تستفيد من مثل هذه الحُرُوب العدوانية، من خلال تجربة وسائل الإتصال والتجسّس والأسلحة (الطائرات والصواريخ وسلاح البَحرية) في ميدان حرب حقيقية، لتُحَوِّر بعضها، بهدف تحسين الأداء، وتُوسّع دائرة السّوق المُحتَمَلة، وعلى سبيل المثل، لم تتمكّن شركة "داسُّو" من بيع طائرا "رافال"، طيلة ثلاثة عُقُود، رغم دعم الحكومات المتعاقبة، واستخدَمها الجيش الفرنسي لقصف وتدمير وتخريب ليبيا، واستغلت الشركة الخاصة "داسّو" والحكومة الفرنسية هذه "الميزات" التَّدْمِيرِيَّة لبيعها إلى الإمارات ومصر، والهند، وبنفس الطريقة، تمكنت الشركات الأمريكية من ترويج أسلحتها وتسويقها عبر العالم، لتتصدّر سوق مبيعات الأسلحة بفارق كبير جدّا عن اللاحقين.
استغلت الطبقة الرأسمالية الحاكمة، في أمريكا الشمالية، كما في أوروبا وغيرها، أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، لإقرار قوانين الطوارئ التي تُهدّد حرية الرأي والنّشر والحريات الفردية والجمْعِية، وشَرْعَنَة التّجسّس على المواطنين، وتعميم الرقابة، بذريعة مكافحة الإرهاب، ولا خلاف في ذلك بين مختلف الأحزاب المُتنافِسَة على السُّلْطة، ما يُمكّن الرأسمالية من تكثيف حجم ونوع الإستغلال والإضطهاد، في الدّاخل، وضدّ الشُّعُوب الواقعة تحت الهيمنة المُزْدَوَجَة (هيمنة الإمبريالية وهيمنة الطبقات المحلية التي تُمارس الإحتلال الدّاخلي)، في ظل تقزيم أو إلغاء الحقوق السياسية والنّقابية، وعَسْكَرَةِ الحياة اليَوْمِيّة، بعد عَسْكَرَة السياسة الخارجية والعلاقات بين الدّول...
بخصوص أفغانستان، قبل حوالي 45 سنة، صَمّمَ المهندسون السّوفييتيُّون، منتصف سبعينيات القرن العشرين، خرائط الثروات الكامنة في جبال وأراضي أفغانستان، والتي يتطلب استخراجها استثمارات كبيرة، وقدّروا قيمة الثّروات المعدنية بنحو تريليون دولارا، آنذاك، ودعمت دراسة أخرى أجرتها وزارة الطاقة الأميركية، سنة 2007، ووثيقة داخلية لوزارة الحرب الأمريكية (عن موقع "واشنطن بوست" - 13 نيسان/ابريل 2021)، ما كشفته خرائط المهندسين السوفييت، من احتواء باطن الأرض بأفغانستان على الذهب والنحاس والكوبالت والليثيوم، ما يزيد من أهمية أفغانستان بالنسبة للصّين، وللولايات المتحدة، وكذلك للهند، فالصراع على الموارد قائم، وكذلك على المواقع الإستراتيجية، لأن لأفغانستان حدود مع إيران ومع الصين ومع بلدان آسيا الوسطى (الجمهوريات السوفييتية السابقة)، وهي قريبة من روسيا، وقد تُشكّل ملتقى طرق لعبور أنابيب الغاز، والنفط، ومحطة هامة لمبادرة الصين "الحزام والطريق"، لتصبح أفغانستان حلقة هامة في سلسلة الإستفزازات والتّهديدات الأمريكية (مباشرة أو بالنيابة) ضد الصين وروسيا، مَعًا...

خاتمة:
تتبنّى حكومة الهند الحملة الدّعائية الأمريكية (و"الغربية") ضدّ الصين، بل وتدعمها، لكن الهند تطلب ثمنًا مُرتفعًا، مقابل "خدماتها"، فلا تكتفي بأن تكون قوة إقليمية، بل تريد أن تصبح قوة عالمية، تنافس الصين، بدعم أمريكي وأوروبي وأطلسي، كما تطلب دَعْم (أو غض الطّرف عن) سياساتها الدّاخلية المتّسمة بالعنف ضد النّساء والفُقراء والمُزارعين وبعض فئات المجتمع (كالمسلمين) في حين يتسابق صهاينة العرب لتقديم خدمات بالمجان للإمبريالية، وللكيان الصهيوني، ولتخريب البلدان العربية وتجويع الشعوب العربية، وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني والشعوب التي دُمِّرَتْ أوطانُها بأموال نفط العرب (سوريا والعراق وليبيا واليمن...)، وتنخرط في العِداء للصين وروسيا وفنزويلا وإيران، بل وتتحالف مع الكيان الصهيوني ضد إيران وضد الشعب الفلسطيني، لإرضاء الولايات المتحدة التي تُنافس نفطهم بالنفط الصّخري، وتبيعهم سلاحًا لن يُسْتَخْدَم لتحرير الأراضي العربية المحتلّة...
تمكنت الرأسمالية في أمريكا وأوروبا والدّول الإمبريالية من السيطرة على العقول، أو ما يُسمّى "الرأي العام السّائد"، وفي الولايات المتحدة (كما في معظم الدول الرأسمالية المتقدّمة) لا توجد مُعارضة مُنَظّمة وقوية، تطرح إعادة النّظر في المنظومة الرأسمالية، بل تطرح الأحزاب والمنظمات الأكثر "راديكالية" إصلاح الرأسمالية، والتّخفيف من مظاهر التّفاوت ت الطّبقي، عبر تعديل منظومة الضّرائب والتّأمين الإجتماعي، لتَجَنُّبِ ثورةٍ (على مدى متوسّط أو بعيد) تعصف بالنظام كَكُلّ...
كما تمكّنت الطبقة أو الفئات السائدة في الولايات المتحدة وفي أوروبا واليابان وأستراليا، وغيرها، من ترسيخ فكرة "إن الصين تمثل تهديدًا عسكريًّا للولايات المتحدة وللعالم"، بينما لا تبلغ الميزانية العسكرية للصين رُبُع أو خُمس الميزانية الحربية للولايات المتحدة، وهذا لا يعني أن الفئات الحاكمة في الصين مُسالِمة أو جديرة بالثّقة، بل يعني أن الولايات المتحدة تُمثِّلُ التهديد الأكبر لشعبها وللعالم، ولا تزال الصين في حالة دفاع على حُدُودها البحرية والبرية، ولا تزال غير قادرة على فَرْضِ هيمنتها على العالم، وتُطالب مع روسيا، بنصيبها، من خلال شعار "عالم متعدد الأقطاب"، بدل هيمنة القُطْب الأمريكي الواحد...
يُمكن توجيه ضَربات متتالية، على مدى عُقُود، عبر الهزيمة العسكرية، أو إفشال المُخَطّطات الأمريكية، في بلدان الأطراف (أفغانستان أو الصومال أو سوريا...)، أو فنزويلا، مع المُقاطعة للشركات وللبضائع الأمريكية والصهيونية، لكي تضعف الإمبريالية الأمريكية، في ظل احتداد التنافس مع الصين وروسيا وبعض القوى "النّامية"، وعدم التّعويل على الصّين أو روسيا لتحرير أوطاننا المُحتلّة، فهذه ليست مهمة أحد، غير من يُعاني من الإستعمار والإضطهاد والإستغلال، لأن أقصى ما يُمكن أن تقوم به هذه القوى هو الدّعم (المُؤقّت) بفعل تلاقي المصالح أو من أجل إضعاف عَدُوّ مُشترك...

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي