م 4 / ف 10 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 832

أحمد صبحى منصور
2021 / 5 / 5

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 832
شهر شعبان المكرم، أوله الخميس:
( في يوم الجمعة ثانيه: نزل من مماليك السلطان سكان الطباق بالقلعة جماعة إلى بيت الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ، ونهبوه لتأخر لحمهم المرتب لهم كل يوم. ). هذا النهب جاء تنفيذا لتوجيهات ( السيد الرئيس ) أقصد السلطان برسباى . ولكن المهم إن هذا معروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( وفيه توجه نائب الشام ومن معه إلى دمشق على حالهم، بعد ما ألزم النائب بحمل خمسين ألف دينار، حمل منها خمسة وعشرين، ووعد أن يرسل من دمشق خمسة وعشرين . ). دفع نصف الرشوة والتزم بدفع النصف الباقى ، ورجع لمنصبه عازما على أن يسلب من الناس أضعاف ما دفع وما سيدفع . هذا معروف ومألوف، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!
2 ـ ( وفي ثالثه: خلع على نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح واستقر في قضاء الحنابلة بدمشق. وكان قد قدم القاهرة، وعمل بالجامع الأزهر عدة مواعيد، دلت على حفظه وتفننه . ).
تعليق
1 ـ هذا الفقيه ابن مفلح جاء للقاهرة من دمشق ، وعقد ندوات أظهر فيها مقدرته على الحفظ فكان هذا مؤهلا له ـ بالإضافة الى دفع المال المقرر ـ لكى يعود الى دمشق قاضيا للحنبلية
2 ـ في موسوعة التصوف المملوكى جزء عن أثر التصوف العلمى والتعليمى ، شرحنا فيه إتّساع الحركة التعليمية ونضوب الحركة العلمية بتحريم الاجتهاد ، إذ تحول الفقهاء الأوائل في العصر العباسى الى آلهة في العصر المملوكى ، واصبحت مناقشة أحاديثهم كفرا . وشهد العصر المملوكى إعادة نسخ التراث العباسى بعد تدمير بغداد ومكتبتها . وكانت فرصة للبناء على المنتج الثقافي العباسى ونقده والبناء فوقه ، ولكن سيطر التصوف السُّنّى على العصر المملوكى ، وفرض تقديس الأولياء والخرافات فعكف ( تلاميذ ) العصر المملوكى على التراث العباسى حفظا وتقديسا ، ودارت الحركة ( العلمية ) على شرح ما سبق وتلخيص الشرح وتحويله الى متون ، واصبح معيار النبوغ في مقدار ما يحفظه الفقيه من أحاديث البخارى ، وكانت تجرى مسابقات في الحفظ ، وترتّب على تسيّد التصوف الايمان بخرافات الكرامات والعلم اللدنى واحتقار ( العلم الظاهر )، فكان الجهلة من شيوخ التصوف يفخرون على الفقهاء بعلمهم اللدنى وكراماتهم المزعومة، ومن المُضحكات المُبكيات أن شيوخ التصوف كانوا يهددون من يُنكر عليهم من الفقهاء ب ( سلب ) أي جعلهم ينسون ما يحفظون من العلم ، وكان الفقهاء مرعوبين من هذا لأن كل ما لديهم هو ما يحفظون في الذاكرة ، فاذا ضاع أو بتعبيرهم ( طاح ) علمهم ضاعوا و ( طاحوا ) معه .
فساد المماليك الجُلبان وصراع أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي سادسه: ثارت فتنة بين طائفة من مماليك السلطان الجلب وبين طائفة من مماليك الأمير الكبير شارقطلوا، فباتوا على تخوف وأصبح الجلب تحت القلعة في جمع كبير، وقد امتنع الأمير الكبير منهم بداره- وهي تجاه باب السلسلة- فماج الناس، وخشوا من النهب، فكانت حركة مزعجة بالقاهرة، من تكالب الناس على شراء الخبز والدقيق، وانتشار أهل الفساد في الشوارع للنهب، ثم سكن الحال، وأقام الجلب يومهم لا يقدرون على الأمير الكبير، لعجزهم وقلة دريتهم بالحرب، وعدم السلاح، فطلب السلطان ثلاثة من مماليك الأمير الكبير وضربهم وسجنهم من أجل أنهم أصل هذه الفتنة، فخمد الشر، ولله الحمد . )
تعليق
تخصّص المماليك الجلبان لم يكونوا محاربين ممتازين ، بل كانوا عصابات متخصصة في الاعتداء على المُسالمين المستضعفين ، إذ أن برسباى تعجّل واستقدم شبابا ورجالا كبارا من عصابات في بلادها ، وكانت العادة أن يؤتى بالمماليك صغارا ثم يتم تعليمهم الدين الأرضى والثقافة العامة مع المهارة الحربية والمهارة في التآمر والمكائد ، وبعد مدة يعتقه سيده الأمير المملوكى ويكون تابعا له ثم يشق طريقه ـ بعد التحرر من الانتماء لسيده ، ويترقى الى أن يصل الى السلطنة أو كبار المراتب ، أو يُقتل أو يُسجن أو يُحال على المعاش ويكون ( بطّالا ) . تعجل برسباى واستورد رجالا جلبهم بسرعة فالتصق بهم لقب ( الجلب ) و ( الجلبان ). شعر الجلبان بقوتهم فتحرّشوا بمماليك الأمير الكبير ( شارقطلوا )، وخاف ( شارقطلوا ) منهم فاختبأ في داره ، لأنه أحسّ أن السلطان أعطاهم ضوءا أخضر ، وشعر سُكّان القاهرة بفتنة قادمة فاسرعوا بتخزين حاجاتهم الضرورية ، وتشجّع قطاع الطرق على العمل جهارا ، وخاف الجُلبان من مواجهة حربية مع مماليك ( شارقطلوا ) المُدرّبين ، فلم تحدث مواجهة. وخاب سعى السلطان فانتقم بالضرب من ثلاثة من أكابر مماليك ( شارقطلوا ) بزعم أنهم اصل الفتنة . والمقريزى يُصدّق هذا فيقول : ( فطلب السلطان ثلاثة من مماليك الأمير الكبير وضربهم وسجنهم من أجل أنهم أصل هذه الفتنة، فخمد الشر، ولله الحمد . ). لم يفهم المقريزى إن السلطان برسباى هو ( اصل الفتنة ) ، وهو الذى ( جلب هذه العصابات ) حرسا خاصا له يستطيل بهم على الناس والأمراء المماليك أيضا .
2 ـ ( وفي ثاني عشره: أنفق السلطان في ثلاثمائة وتسعين من المماليك، كل واحد خمسين ديناراً، وفي أربعة من أمراء الألوف- وهم أركماس الدوادار، وقرقماس حاحب الحجاب، وتغري بردي، ويشبك المشد- كل واحد ألفي دينار، وأنفق في عدة من أمراء الطبلخاناه والعشرات، فبلغت النفقة نحو الثلاثين ألف ديناراً، ورسم بسفرهم إلى الشام، فتوجهوا في سادس عشرينه . ). صراع مملوكى مع بعض الممالك المتاخمة للدولة المملوكية في الشرق داخل معسكر أو ( دار السلام ) المواجه لدار الحرب ، ترتب عليه تخريب المماليك لمدينة الرها وذبح أهلها . ويأتي الخبر التالى عن ( الصراع مع دار الحرب ) :
الصراع المملوكى الصليبى
( وفي خامسه: ورد إلى ميناء الإسكندرية خمسة أغربة للفرنج، وباتوا وقد استعد لهم المسلمون ثم واقعوهم من الغد، وقد أدركهم الأمير زين الدين ابن أبي الفرج أستادار في سابعه. وكان بتروجة ومعه جمع كبير من العرب، فلما اشتد الأمر على الفرنج، انهزموا وردوا من حيث أتوا، في يوم الأحد حادي عشره، ولم يقتل سوى فارس واحد من جماعة ابن أبي الفرج . ). بعض الأعراب ( وهم قوة عسكرية ) كان يعمل في خدمة المماليك ، وبعضهم كان متمردا يهاجم القرى والفلاحين الغلابة الذين كانوا يُعانون من مجرمى المماليك ومجرمى الأعراب .
وباء وكوارث
1 ـ ( وفيه سقط موضع مبني على كتاب أطفال، فمات منهم اثني عشر طفلاً، وأصيب تسعة يُخاف عليهم . ). المؤرخون ــ في تركيزهم على أكابر المجرمين ــ لا يذكرون الغلابة إلا عند الكوارث ، ويذكرونهم على العموم بلا أسماء .
2 ـ ( وفي هذا الشهر: كثر الوباء بغزة والرملة، من أرض فلسطين )
المؤرخون ــ في تركيزهم على أكابر المجرمين ــ لا يذكرون المستضعفين إلا عند الكوارث ، ويذكرونهم على العموم بلا أسماء .
شهر رمضان، أوله الجمعة :
هدم وبناء في الأوقاف
( فيه ابتدئ بهدم حوانيت الصيارف، وسوق الكتب، وحوانيت النقليين والأمشاطيين، فيما بين الصاغة والمدرسة الصالحية، وهي جارية في وقف المارستان المنصوري، لتجدد عمارتها. )
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي رابع عشره: خلع على الصاحب تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم، وأعيد نظر الديوان المفرد، وكان شاغراً . )
2 ـ ( وفي حادي عشرينه: استعفي ابن الهيصم من نظر الديوان المفرد، فأعفي، ولزم على عادته . ). استقال بعد أسبوع .!. ابن الهيصم كان قبطيا فأسلم وتولى مناصب ، وترك ذرية تولت مناصب فيما بعد ُ.
فساد المماليك الجُلبان وصراع أكابر المجرمين
1 ـ التجهيز لحملة عسكرية في الشرق: ( وفيه حملت نفقة المماليك السلطانية إلى القلعة لتنفق فيهم على العادة، فامتنعوا من قبضها، وطلبوا زيادة ستمائة درهم لكل واحد . ).هذا في الحملة المملوكية التي دمرت مدينة الرها فيما بعدُ .
2 ـ ( وفيه زيد في جوامك عدة من شرار المماليك، فسكن شرهم، وأخذوا جميعاً النفقة. ). كان ضمن الحملة المُرسلة الى الشرق كثير من المماليك الجُلبان ، وهم أساس ذبح وسلب وإغتصاب أهل الرها ، كما سيأتى فيما بعدُ .
3 ـ ( وفي هذه الأيام: اشتد فساد المماليك الجلب، وكثر عيثهم وعبثهم بالناس، وأخذهم ما قدروا عليه من مال وحريم، فتجمع السودان وقاتلوهم، فقتل بينهم عدة، وصاروا جمعين، لكل جمع عصبة.). المماليك الجلبان يسلبون الأموال ويختطفون النساء ، واصبح هذا عادة لا تستوجب انكارا لأنها من المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة . اضطّر الميسورون الى الاستقواء بعبيدهم للحماية ، وجرت معارك بين الجلبان والعبيد، وأصبحا (معسكرين ) في داخل ( معسكر السلام ).!! يا سلام .!!
النيل
( وفي يوم الاثنين ثامن عشره- الموافق لسادس عشرين بؤونة-: أخذ قاع النيل وكان خمسة عشر ذراعاً وسبعة أصابع، ونودي عليه من الغد بزيادة خمسة أصابع. )
شهر شوال، أوله الأحد:
ارتفاع الأسعار
( أهل والأسعار قد ارتفعت، فالقمح من مائتين وخمسين درهماً الأردب إلى ما دونها والشعير من مائة وثلاثين إلى ما دونها ، وسببه هيف الزرع في كثير من النواحي عند توالي رياح حارة ، فقلّ وقوع الغلة عند الدراس . ) ( هيف الزرع ) تعبير مصري ، يعنى خيبة الزرع وتفاهته .
تطرف الجلبان في العصيان
( وفي هذه الأيام: اشتد بلاء من الممالك، وعظم الضرر بهم، حتى أن السلطان منع الناس من عمل الأعراس والولائم، وتهدد من عمل ذلك، خوفاً من المماليك أن تهجم على النساء وهن مجتمعات، وتبين قصور اليد عن ردعهم، ولا قوة إلا بالله. ). السلطان برسباى أطلق وحشا وعجز عن السيطرة عليه . اصبح مماليكه الجُلبان يهجمون على البيوت وفى الأفراح ومناسبات الختان لخطف النسوان . السلطان ــ في عجزه عن ردعهم والسيطرة عليهم ـ إكتفى بمنع الناس من عمل الأفراح ، وهدّدهم بدلا من تهديد مماليكه . يقول المقريزى متحسّرا : ( وتبين قصور اليد عن ردعهم، ولا قوة إلا بالله.). سكت قُضاة القضاة وكبار الفقهاء ومنهم ابن حجر والعينى لأن الأمر لا يعنيهم ، ولأن الجلبان قد أسّسوا بسيوفهم تشريعا أصبح معلوما من الدين السُّنّى بالضرورة .!
غشُّ العُملة
( وفي عاشره: نودي بمنع الناس من أخذ الدراهم البندقية والقرمانية واللكنية، فعاد الضرر في خسارة قوم وربح آخرين، ونودي أيضاً أن تكون الدنانير بمائتين وثلاثين وكانت العامة قد رفعت سعره إلى مائتين وستين، بحجة أن الذهب قليل الوجود بأيدي الناس، وأن الدراهم الأشرفية كثر فيها البندقية واللكنية والقرمانية، وكل ذلك من إعراض ولاة الأمور عن عمل المصالح، لبعدهم عن معرفتها، مع طلبهم المال بكل وجه يذم ويستقبح . ). كالعادة تتوالى الأوامر بتحريم الدنانير الخارجية ، والناس تتبع مصالحها وتعرف الغش في الدينار الأشرفى الذى سكّه الأشرف برسباى . والمقريزى يهاجم السلطان برسباى هجوما خفيفا بكل ما لديه من خفر وحياء فيقول ( وكل ذلك من إعراض ولاة الأمور عن عمل المصالح، لبعدهم عن معرفتها، مع طلبهم المال بكل وجه يذم ويستقبح . ). مع هذا كان المقريزى أكثر جُرأة في نقد المماليك من ابن حجر في تاريخه ( إنباء الغمر ) ومن أبى المحاسن في تاريخه ( حوادث الدهور ) .
الحج
( وفي تاسع عشره: برز محمل الحاج على العادة، فرحل الركب الأول من بركة الحجاج في ثاني عشرينه، ورحل المحمل ببقية الحاج في ثالث عشرينه، صحبة الأمير قرا سنقر.)
النيل
( وانتهت زيادة النيل في هذا اليوم- ويوافقه أول مسرى- إلى عشرة أذرع وخمسة عشر إصبعاً. وهذا مقدار كبير، ولله الحمد. )
صراع أكابر المجرمين
( وفي هذا الشهر: خربت مدينة الرها، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . ). خرّبها العسكر المملوكى الجلبان ، وستأتى التفاصيل في أحداث شهر ذي القعدة التالى .

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي