كرة القدم الأوروبية.. أرباح ضخمة وسوء إدارة وديون تتراكم

ممدوح رمضان
2021 / 5 / 5


نتفق جميعًا على أهمية المنافسة في كرة القدم، ونعلم مدى شغف الجمهور بلحظات المفاجأة. لقد مللنا تذكيركم بنجاح ليستر سيتي وغيره من الفرق، ولكن ما يحدث في كرة القدم الآن يجعلنا نشك بأن نرى ما يشبه ليستر سيتي مرة أخرى. يقول أحد ممثلي كبار أندية إنجلترا: “القليل من المفاجأة وعدم التوقع أمر جيد، لكن وجود دوري ديمقراطي أمر سيئ بالنسبة للأعمال التجارية”.

يرى كبار أوروبا، كما ذكرنا في المقال السابق، أن ضعف المنافسة، وضعف مستوى الفرق دون الكبار، يُضعف العائد المادي، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار اللعبة. ويرون أن الحل هو ضخ المزيد من الأموال لكبار أوروبا فقط، وجعلهم يلعبون ضد بعضهم البعض باستمرار حتى تشتعل مدرجات الملاعب وتتزايد الاشتراكات في القنوات الناقلة للمباريات، التي بطبيعة الحال سوف تزيد من ثمن الاشتراك. ولكن قبل التفكير في حل، دعونا نقف ونسأل هؤلاء الكبار ماذا حدث؟ ما هو سبب المشكلة من الأساس؟ ولماذا وصلنا الى هنا؟

“شاحنة استثمار”
سأجيبك يا صديقي، لأن لا أحد من هؤلاء سوف يأتيك برد، هؤلاء مجرد رجال أعمال منهم الفاشل والناجح على معيار الاقتصاد، ولكن علاقته بكرة القدم هي والصفر سواء. تأكد يا صديقي أن ما تعرفه عن كرة القدم أكثر بكثير مما يعرفه ستان كرونكي، رئيس نادي أرسنال، الرجل الذي ازدادت ثروته في الربيع الأول لجائحة كورونا 300 مليون يورو، في نفس الوقت الذي اضطرت الأزمة نادي أرسنال إلى تخفيض الأجور بنسبة 15%.

على ذكر أرسنال، هل يستطيع أرسنال المنافسة في السوبر ليج؟ نحن لا نرى أرسنال ينافس في الدوري الإنجليزي وبه 14 نادٍ آخر لم يتم اختيار أحد منهم للعب في دوري السوبر ليج.

يمتلك ستان كرونكي، رجل الأعمال الأمريكي، مؤسسة اقتصادية ضخمة، تمتلك أسهم مؤسسات رياضية مختلفة أكبرها نادي أرسنال لكرة القدم تقريبًا منذ 12 عامًا، وفي خلال تلك السنوات لم يحقق أرسنال أي إنجاز على المستوى الرياضي وهو ما يثير غضب المشجعين. تعترض جماهير أرسنال على كرونكي ويتظاهرون ضده ويرفعون اللافتات، أحد هذه اللافتات كُتب عليها نحب أرسنال ونكره كرونكي.

بالرغم من أن أرسنال يحقق نجاحًا على المستوى المادي، لا يُعجب هذا الأمر الجماهير، فالجماهير تهتم بكرة القدم اولًا قبل الأرباح. صدر بيان مجمع من 14 رابطة من مشجعي أرسنال يتهمون فيه الإدارة بأنهم يرون أرسنال “شاحنة استثمار” دون النظر إلى الجانب الرياضي.

بالرغم من تفوق أرسنال ماديًا، تقلصت عائداته من 424 مليون جنيه إسترليني في مايو 2018 إلى 403 في مايو 2019، بسبب الابتعاد عن دوري الأبطال، قبل أن يكشف أرسنال عن وجود خسائر بقيمة 47 مليون جنيه إسترليني في السنة المالية مايو 2020 إثر تداعيات أزمة كورونا. كما أن النادي مدين بـ 154 مليون جنيه إسترليني لأندية أخرى مقابل تعاقدات تمت وتُدفع مستحقاتها على مراحل. فلا يزال أرسنال يدفع مقابل أوباميانج ونيكولاس بيبي ولاكازيت، لا يزال النادي مُطالبًا بدفع 27 مليون باوند مستحقات اللاعب ويليام صلبيا، اللاعب الذي لم يظهر بعد في الدوري الإنجليزي وأُعير الى ناديه السابق مرة أخرى وذلك لعدم اقتناع المدرب به.

أرباح وديون
نعود مرة أخرى إلى سبب الأزمة التي تمر بها الأندية. الأزمة يا صديقي في استخدام الأموال بهذا الشكل العبثي دون تفكير. رؤساء الأندية هم من توحشوا في إعطاء الأموال للاعبين، هم من يطلبون ويدفعون مئات الملايين لشراء اللاعبين، ومئات الملايين لدفع مرتباتهم. بالطبع ليسوا وحدهم ولكن هم أساس الصناعة، فلولا جشع بيريز لم نكن لنرى رايولا، أحد أهم وكلاء اللاعبين، ونرى ما يفعله في كرة القدم وكيف يتحكم بالكثير من الأمور فقط لأنه وكيل عدد من نجوم كرة القدم. عليك فقط أن تبحث عن علاقه مانويلا رايولا بنادي ولفرهامبتون بغض النظر عما فعله ببوجبا وما يريد أن يفعله الآن بهالاند.

لنلقي نظرة سريعة معًا على السنة المالية للفرق. تقول إحصائيات السنة المالية لعام 2018-2019، وفقًا لمكتب ديلويت، إن الدوريات الخمسة الكبرى حققت إيرادات قياسية وصلت إلى 29 مليار يورو، كان لإنجلترا نصيب الأسد منها، بمبلغ 5.2 مليار يورو. هذه أرقام قياسية من الأرباح يتم تحقيقها للمرة الأولى في تاريخ اللعبة. وفقًا أيضًا لمكتب ديلويت، فإن برشلونه عام 2019-2020 حقق إيرادات بمبلغ 715 مليار يورو.

يقول خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، تعليقًا على هذه الإيرادات: “إذا كان برشلونة يتمتع بهكذا إيرادات وديونه مليار يورو، هل يكون الأمر متوازنًا؟”.

على مدار العقد الأخير، كانت هذه الأندية تحقق الكثير والكثير من الإيرادات وعلى العكس تمامًا لا تنخفض ديونهم بشكل ملحوظ.

هذه الأموال في كثير من الأوقات كانت تُصرف دون وجود مبرر. لا يوجد مبرر لصرف 220 مليون يورو كصفقة شراء من الأصل، ولكن دعنا نضع أنفسنا مكان أحد رؤساء الاندية ونفكر بطريقته لنرى ماذا يفعل وماذا كان يريد. دعنا نأخذ، على سبيل المثال نادي برشلونة، واحد من أعلى إيرادات الأندية في أوروبا، وأيضًا من أكبر أصحاب الديون في أوروبا، سنتحدث عن برشلونة طول فترة رئاسة جوسيه ماريا بارتوميو. لن نتحدث عن كيفية الإدارة والتخطيط، فقط سنقول أنه في وقت معاناة برشلونة المادية وتراكم ديونه، وهذا ليس بخفي عن الجميع، حقق برشلونة إيرادات أكثر من نصف مليار يورو، فماذا فعل بارتميو بتلك الأموال؟ وكيف عاد هذا بالخير على فريق كرة القدم وماذا حل بديون النادي؟

لم ينخفض دين النادي بشكل ملحوظ، فالبرغم من الإيرادات القياسية التي حققها النادي قبل جائحة كورونا، أتت الجائحة والنادي يعاني ماليا بسبب ديونه. ومع هذا تعاقد بارتميو مع النجم الفرنسي أنطونيو جريزمان مقابل 120 مليون يورو ليكون بديل لسواريز، أيضًا ليس خفي عن الجميع أن جريزمان يستطيع استبدال سواريز في حالة واحدة فقط وهي لعب رياضة أخرى غير كرة القدم.

هذه الملايين التي أضاعها بارتميو لا تختلف كثيرًا عن الملايين التي أضاعها على تعاقدات مثل كوتينهو وباولينو وبرنس بواتينج وبيانيتش، ناهيك عن المرتبات. كل هذا ويعيش النادي فترة سيئة من الناحية الفنية بسبب التعاقدات غير المفهومة التي أجراها بارتميو.

أندية أقل.. أرباح أكثر
تلك الشراهة في طلب ودفع الكثير من الأموال، هي السبب في الأزمة التي نعاني منها ليس حاليًا فقط ولكن منذ أن بدأ ضخ تلك الأموال بهذا الشكل. وكان الحل من وجهة نظر كبار أوروبا وعلى رأسهم فلورنتينو بيريز، رئيس نادي ريال مدريد هو ضخ المزيد من الأموال، ولكن هذه المره بتوزيع أكثر عدالة لن يأخذ أندية الوسط ومؤخرة الدوريات منها شيئًا.

سنضخ المزيد من الأموال على عدد أقل من الأندية صاحبة أكبر شعبية جماهيرية من أجل زيادة المنافسة وزيادة الأرباح. هذا الحل سبقه اقتراحات لحلول أخرى من ممثلي الكبار، فقد اقترح بيريز نفسه من قبل زيادة عدد المباريات وتقليل مدة المباراة بحيث تكون ساعه فقط وليس ساعة ونصف.

ما تشتكي منه أندية النخبة هم السبب فيه، ومحاولاتهم للتغير والحل هي فقط استمرار في ارتكاب نفس الأخطاء ولكن على نطاق أوسع هذه المرة. نحن نشاهد أرقامًا لم يكن من المتخيل أن تحدث الآن أو في المستقبل القريب. إذا نظرنا قليلًا في نتائج الدوريات في العقد الأخير سنجد أول ثلاثية في تاريخ إيطاليا، وأول ثلاثية في تاريخ ألمانيا، إن أضفنا نتيجة العام السابق ستكون ثاني ثلاثية في تاريخ ألمانيا، وأول ثلاثية محلية في إنجلترا، ثلاث ثلاثيات محلية في أربع سنوات لباريس في فرنسا، وثاني ثلاثية في تاريخ إسبانيا. سنرى المرة الأولى التي يستطيع فيها بطل دوري الابطال الاحتفاظ بلقبه ثلاث مرات على التوالي منذ 42 عامًا. سنرى دوريات استطاع أبطالها من تحصيل 100 نقطة (إيطاليا/ إسبانيا/ إنجلترا)، ودوريات بلا هزيمة في 10 دوريات أوروبية، منها إيطاليا والبرتغال، و13 دوري من أصل 54 دوري في القارة يعيشون حاليًا أطول سلسلة فوز متتالي باللقب في تاريخهم. ناهيك عن مرتبات الفرق حيث الفوارق الضخمة بين كبار أوروبا وصغارها وزيادة الفجوة بين الاثنين منذ بداية أول موسم رسمي للبريمير ليغ عام 1992، حيث كانت رواتب فرق القمة تشكل 2.85 مرة قدر رواتب القاع، والآن وصل هذا الرقم في إنجلترا إلى 4.7 مرة، وفي إسبانيا إلى 17 و20 مرة في دوريات متوسطة مثل سويسرا.

“عروض تجارية أكثر منها رياضية”
شهد موسم 2018-2019 لأول مرة في تاريخ الدوريات الخمسة الكبرى احتفاظ حاملي اللقب بلقبهم، وفي نفس الموسم كان هناك 67 مباراة في البريميرليج حصل أحد طرفيها على نسبة استحواذ بلغت 70% بينما قبل 15 عامًا كانت مباراة واحدة التي حصل أحد طرفيها على نسبة استحواذ 70%. يمثل مجموع مرتبات الأندية الستة الكبار في إنجلترا 52% من إجمالي مرتبات الدوري الإنجليزي.

وانخفض عدد الفرق التي استطاعت الإنهاء في المربع الذهبي من 15 فريق في السبعينيات والثمانينيات و13 فريق في التسعينيات إلى 7 فرق خلال العقد الاخير والكثير والكثير من هذا الارقام التى ستجعلك تعيد التفكير كثيرا في كرة القدم.

يقول رامون كالديرون، رئيس ريال مدريد الأسبق، مجيبًا على سؤال هل احتضنت الرأسمالية كرة القدم أكثر من أي صناعة؟: “ربما، وأعتقد أنه شيءٌ لا يمكنك تجنبه، كرة القدم أصبحت عملًا استعراضيًا، الملاعب أصبحت أجهزة تلفزيونية كبيرة حيث يؤدي 22 فنانًا عرضًا مسرحيًا، إنه عرضٌ تجاري أكثر منه رياضي”. بالتأكيد الأعمال التجارية لا تلقي بالًا بالمسارح الأصغر، فمن وجهة نظرنا كمشجعي كرة قدم، نحن نشاهد مباراة ديربي بين مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي، نشاهد كلاسيكو بين ريال مدريد وبرشلونة، ومعيارنا في نجاح أو فشل تلك المباراة هي جودة المباراة فنيًا، ولكن بالنسبة لرؤساء تلك الأندية فهم يشاهدون فيلم مسرحي يشبه أفلام مارفل.

وفقا لهذه الأرقام وهذه التقارير، فهؤلاء الناس لا يهتمون بشكل كرة القدم ولا بمبادئها وروحها ومعناها وما يريده مشجعوها، هم لا يهتمون بمشجعيها على الإطلاق، كل ما يريدونه فقط هو الربح والربح فقط لا غير. لن يقلق بال كرونكي بهزائم أرسنال المذلة وعدم منافسته الدائمة على البطولات، فثروته تتزايد، هو لا يهتم بك أو بما تريده يا صديقي، هو يهتم فقط بكم ستدفع من أجل مشاهدة أرسنال.

لم تكن هذه طبيعة الحال على الدوام في كرة القدم، نقول هذا فقط لنرد على الجملة التي ستنهال علينا في التعليقات “ما الكورة طول عمرها كده”. هذه التقارير أثبتت أن الحال تغير بشكل كامل، تغير إلى أن وصل إلى شكلٍ لم تشهده كرة القدم من قبل. في كل مرة يتناقش الناس حول توزيع إيرادات البث التلفزيوني، يبدأ مسئولو أندية النخبة بطرح مبدأ الجاذبية والقاعدة الجماهيرية، تلك المعضلة التي لا تزال قائمة وفي تزايد مستمر هي أحد أسباب انهيار كرة القدم، نعم يا صديقي نحن نشهد انهيار اللعبة، لا نستطيع أن ننكر اجتياح الرأسمالية لكرة القدم ولا نستطيع أن ننكر أن أصحاب المصلحة والأكثر نفوذًا قد تبنوا هذه الاجتياح الى أقصاه.

يذكر ديفيد جولدبلات في كتابه “عصر كرة القدم” أن: “الرياضة في أوروبا تحصد الآن إيرادات مالية أكثر من صناعة النشر الصحفي أو السينما في القارة بأكملها”. نعم يا صديقي الأموال كانت هي الفارق الأكبر والمزيد من الأموال أدى إلى المزيد من التفاوت وزيادة الفجوة بين الأندية.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن