جورج إبراهيم عبد الله وحسن دياب ومرض القضاء في وطن دريفوس

جلبير الأشقر
2021 / 5 / 5


أشهر قضية في التاريخ القضائي الفرنسي، وربّما أشهر قضية قضائية في التاريخ الفرنسي بوجه عام، قضية ألفريد دريفوس، النقيب في الجيش الفرنسي، الذي أدين زوراً في عام 1894 بالتجسّس لصالح ألمانيا، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، فتم إرساله إلى معتقل على جزيرة تابعة لمستعمرة غويانا الفرنسية. وقد شكّلت تلك القضية أبرز رمز إلى عودة كراهية اليهود إلى الصعود في أوروبا الغربية بعد اضمحلالها طوال قرن من الزمن، بل وكانت قضية دريفوس الحدث الذي أوحى إلى ثيودور هرتزل، الصحافي النمساوي اليهودي الذي غطّى المحاكمة، فكرة إيجاد مأوى لليهود الوافدين من شرق أوروبا إلى غربها هروباً من الاضطهاد العنصري والمشقّات الاقتصادية، والذين أدّت هجرتهم إلى تأجيج معاداة السامية (أي الصيغة الحديثة لكراهية اليهود المستندة إلى ادّعاء علمي عنصري) في الغرب. فكتب كتابه «دولة اليهود» الذي كان بمثابة البيان التأسيسي للحركة الصهيونية الحديثة.
ومن المعروف أن اتهام النقيب دريفوس، ومن ثم الحكم عليه بلا أدلّة مقنعة، إنما ارتبطا بكونه ينتمي إلى عائلة يهودية في جوّ تميّز حقاً بصعود معاداة السامية في فرنسا بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية التي أصابت الاقتصاد العالمي في القسم الأخير من القرن التاسع عشر، ومع الهجرة اليهودية من شرق أوروبا إلى غربها وإلى أمريكا الشمالية. وقد ظهرت أدلّة جديدة بعد سنتين من الحكم على دريفوس أشارت إلى مسؤولية ضابط آخر في تسريب المعلومات إلى الألمان، غير أنه جرى طمس هذه الأدلّة وتبرئة الضابط الآخر، وهو ما حدا الكاتب الكبير إميل زولا على كتابة رسالته المفتوحة الشهيرة «أتّهمُ» التي انقسمت فرنسا إزاءها بين يمين معاد للسامية وتيار مناهض للعنصرية متعدّد الألوان السياسية.
والجدير بالذكر أن دريفوس أعيدت محاكمته بعد خمس سنوات من المحاكمة الأولى، غير أن القضاء الفرنسي ثبّت الحكم الجائر بمسؤوليته، مكتفياً باستبدال السجن المؤبد بالسجن لمدة عشر سنوات. لكنّ رئيس الوزراء قايض منح دريفوس العفو باعتراف هذا الأخير بذنبه، وقد قَبِل دريفوس مرغماً لعدم إطالة عذابه في السجن. وبعد سنوات، في عام 1906، جرت تبرئته وإعادته إلى الجيش برتبة رائد، وقد خاض الحرب العالمية الأولى في صفوف القوات المسلّحة الفرنسية.
هذا وقد بقيت قضية دريفوس وصمة عار في تاريخ فرنسا الحديث، تشير إلى تراث من معاداة السامية بلغ ذروته في تعاون سلطات فيشي مع الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية ومشاركتها في تنفيذ سياسة النازيين في القبض على اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال والإبادة. وهذه الوصمة هي على أوجّها في فرنسا بعد ألمانيا ذاتها بين دول أوروبا الغربية. بيد أن وطن دريفوس لم يجد سبيلاً إلى التعويض عن ذنبه سوى بارتكاب ذنوب أخرى، بوحي من شعوره بالذنب إزاء اليهود الأوروبيين الذي يزيد بكثير عن شعوره بالذنب إزاء ضحايا المجازر الكبرى التي ارتكبها في مستعمراته. فها أن فرنسا تضطهد اليوم دريفوسين، لا دريفوس واحد، في شخصي جورج إبراهيم عبد الله وحسن دياب على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم قتل باسم القضية الفلسطينية.

تم اعتقال عبد الله في عام 1984 ولا يزال سجيناً حتى هذا اليوم، أي بعد قضائه ما يزيد عن 36 عاماً في السجن! ومعروف عن عبد الله أنه مؤسس «الفصائل المسلّحة الثورية اللبنانية» التي تعاونت مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والتي أعلنت عن مسؤوليتها في قتل ملحق عسكري أمريكي لدى سفارة الولايات المتحدة في باريس وعميل للموساد عمل لدى السفارة الإسرائيلية، وقد جرت العمليتان في عام 1982. غير أن ملف عبد الله كان خالياً من أدلّة دامغة تبرّر الحكم عليه بالسجن المؤبد الذي صدر في عام 1987، بل ذهب كبش فداء بسبب تحميل تنظيمه زوراً مسؤولية موجة العمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا في عام 1986 والتي نسبها وزير الداخلية الفرنسي آنذاك إلى «الفصائل» في مقابلة شهيرة لصحيفة «لو موند».
وأتذكّر تماماً عندما سألني يومها صديق فرنسي، كان يعرف الصحافي الذي نشر المقابلة، عن رأيي في مسؤولية «الفصائل». قلتُ له إن السيناريو الذي رواه الوزير من نسج الخيال، لا يصلح حتى لفيلم جيمس بوند لمخالفته التامة للمعقول، وإن الغاية من توجيهه أصبع الاتهام إلى التنظيم اللبناني إنما هي التغطية على سبب الأعمال الإرهابية الحقيقي، الذي هو تورّط الحكومة الفرنسية في مساندة بغداد عسكرياً في الحرب بين العراق وإيران، الأمر الذي حدا إيران على أن تردّ بسلاح الإرهاب، وهي لم تحز على غيره في مواجهة فرنسا. وقد أثبتت الأيام بالكامل صحة ذلك التخمين الذي أعربت عنه لصديقي.
هذا وقد استكمل جورج إبراهيم عبد الله في عام 1999 المهلة القانونية التي تتيح الإفراج عن الذين جرى الحكم عليهم بالمؤبد، وكان قد أمضى في المعتقل خمسة عشر عاماً، بيد أن القضاء الفرنسي أصرّ على إبقائه سجيناً. وقد تقدّم محاموه على مرّ السنين بطلبات متكررة للإفراج عنه، غير أن القضاء الفرنسي رفضها جميعاً بشتى الذرائع.
وتندرج قضية حسن دياب في السياق ذاته، إذ إنه متّهمٌ بتنفيذ عملية إرهابية ضد كنيس يهودي في باريس في عام 1980، نتج عنها قتل أربعة وجرح العشرات. وقد عُثر في عام 1999 على جواز سفر باسم حسن دياب بحوزة رجل عمل مع فرع العمليات الخاصة الذي كان يديره وديع حدّاد في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وقد جرى ربطه بالعملية المذكورة. وبالرغم من تأكيد دياب على أن الجواز سُرق منه وأنه كان في بيروت يوم تفجير الكنيس، وبالرغم من شهادة معارفه على ذلك ومن الأدلّة الجامعية التي أثبتت تقديمه الامتحانات في ذلك اليوم، وبالرغم من عدم حيازة القضاء الفرنسي على أي أدلّة دامغة تسمح بإثبات مسؤولية دياب، تقدّمت إلى السلطات الكندية بطلب تسليمه إليها.
ذلك أن دياب كان قد هاجر إلى كندا التي حصل على جنسيتها في عام 1993، ونال فيها درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية، بل أصبح أستاذاً جامعياً. وبعد سنوات من الجدال القانوني وضغوطات السلطات الفرنسية على السلطات الكندية، وافق القضاء الكندي على تسليم دياب في عام 2014 بقرار مُشين. وقد أودع دياب السجن في فرنسا لما يزيد عن ثلاث سنوات جهد خلالها القضاء الفرنسي لإثبات ضلوعه في عملية سنة 1980 بدون نجاح، فاضطرّ إلى تبرئته والإفراج عنه في عام 2018، وقد عاد دياب إلى كندا. وها أن محكمة استئناف فرنسية تعيد الكرّة قبل أربعة أشهر وتطلب من كندا تسليم دياب من جديد، وهو أمر بعيد الاحتمال إذ إن القضاء الكندي، الذي جرى لومه بشدّة على تسليم دياب في المرة الأولى، لن يجد ما يبرّر إعادة تسليمه بعد أن جرت تبرئته في فرنسا ذاتها إثر سنوات طويلة من التحقيق.
أما العبرة من قضيتي جورج إبراهيم عبد الله وحسن دياب فهي أن قسماً طاغياً من القضاء في وطن دريفوس لا يزال بعيداً عن النزاهة يتصرّف بوحي منطلقات سياسية وأيديولوجية عنصرية، ضد اليهود في الأمس وضد العرب والمسلمين اليوم. والظلم واحد في كلا الحالين، حيث يستحيل ضحايا التعنّت القضائي أكباش فداء لمجتمع تتملّك به الأساطير العنصرية التي يروجّها قادته لأسباب انتهازية محضاً.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن