من لا أرض له لا بحر له ، ولا منفى

الطايع الهراغي
2021 / 5 / 5

" تفاجئنــي الأرض أنّ الشّجـــر / يخبـّـئ أسلحـة والقمـر/
يقــــوم بطبـــع المنــاشــيــــر / يــا نجمــة فـــي الجليـــل
ويــا تينــة فــي الخليـــل / تفــاجئنـــي الأرض.... "
- معيــــــن بسيـســو -
الأرض ، الانتماء الوحيد الذي لا يتوب عنه الواحد أبدا ، ولا يخجل منه معتنقه بل يجد متعة في إعلانه وترتيله نشيدا لحبّ ، إن ضاع، لم ييأس من استعادته حلما جميلا . الأرض متّسع للشّهيد [مفردا في صيغة الجمع]،تحميك بصحوها وفي صحوها من نزق " العابرين " المارّين في العابر من الكلمات.
" لنزرعْهم شهداءنا في رحم هذا التّراب المثخن بالنّزيف ، فدائما يوجد في الأرض متّسع لشهيد آخر" (غسّــان كنفانــي )، " أنـا الأرض أيّـها العابرون على الأرض في صحوها "( محمـــود درويـــش ). هي الأرض مهد البذرة ، يرهصها الصّقيع ، تدوس عليها الأقدام ، ولكنّها أبدا لا تموت ، كالرّغبة المكبوتة عند فرويد لا تخبو في مجاهل النّسيان إلاّ لتنبعث أشدّ بأسا وأصلب مراسا وأكثر عنادا .
........................................................................................................................................................................................................................................................
** "هنــــــــــا " وهنـــــاك...................................................................
" عندما بدا موتي وشيكا أطلقوا سراحي " . انتهت رحلة " حفلات التّعذيب " التي تسبق وجوبا جلسات التّحقيق " لتعقبها رحلة عذاب أشدّ مضاضة، رحلة عادل الخالدي -- أحد أبطال رواية عبــد الرّحمــان منيـــف
" الآن وهنــــا " -- مع المنفى . إنّه التّسفير القسريّ المشروط ب" التّعهد بالعودة حالما ينتهي العلاج " أو الموت "هنــاك " بعيدا عن رحم الأرض .هنــــا ، معقل الزّنزانات والسّراديب والأقبيّة البوليسيّة والتّوجّس من إمكانيّة أن يكون الكلّ مخبرا. هنــــا، اغتيال المكان والزّمان ، مصادرة الأحلام والتّربّص بالآمال ، " البشـر بالنّسبة لهـؤلاء الأبالســة أرخـص الأشيـاء، أتفـه الأشيـــاء". "أمّا حين اقترب الفراق ودُفِع الكرسيّ شاقّـا طريقه إلى الممرّ الخاصّ بالمعوقين فكدت أصرخ طالبا العودة والموت هنـــا " . هنــــا ، يكتسي المكان طابعا قدسيّا أسطوريّا ، يصبح هو الكون. هنـــا، في عمّوريّة ( الأرض والوطن ) ، الدفء، الامتلاء بالانتماء،
الارتواء بالإحساس -- حتّى لو كان وهما -- بأنّــك أنت وليس غيرك ، لست ريشة في مهبّ الرّيح ، بأنّ لك الحقّ في شبر من أرض يقيمون لك فيه قبرا ،هو قبرك ، شهادة إدانة لمظالم عشتها وعايشتها وإشادة بملاحم أفنيت عمر
ا في نقشها ، إلـى هناك حيث تتلاشى قيمة الأشياء وتفقد جذوتها ، فحيث لا أرض لا بــرّ ولا بحـر، ولا منفى ولا قمر لترعاه ، ولا نجوم تتسلّــى بعــدّها وتراقبـها . عنها يقول طالـع العريفـي، الوجه الثاني لعــادل الخالـدي وصِنوه في محنته وفي ترحاله، " انقضت دهور لم يلامس جسدي الأرض، وحين لامسها شعر بحنان الأرض، بحبّ لها لا يوصف ... كنت أريد أن أمتزج بها ، أن أكون مرّة أخرى جزءا منها". الأرض الرّحم، أنيس الغريب في وحدته وأمّ السّجين في حبسه في مواجهته لـــ"مسامير الذاكرة "، امتداد للرّوح لمّا يكلّ الجسد من التّحمّل ويعتريه العجز عن الاستمرار في المقاومة، تماما كالأمّ يتمنّى الواحـد، لمّــا تباغتــه لحظــة الغيــب الأخيـر،أن لا يستسلــم للمـوت إلاّ بيـن أحضانها.
.......................................................................................................................................................................................................................................................
** أرض البرتقــال الحزيــن ....................................................
" عندما خرجنا من يافــا إلــى عكّــا لم يكن في ذلك أيّة مأساة " ( غسّــان كنفــانـي / أرض البرتقــال الحزين ) . ومن أين المأساة ويافــا وعكّــا توأم ؟؟. ولكنّ عكّـــا " بدأت تختفي شيئا فشيئا " و" كانت تلتمع في عينيْ أبيك كلّ أشجار البرتقال التي تركها لليهود". وصار البرتقال حزينا ، وصارت يافـــا "الكنعانيّة" وعكّـــا الفلسطينية أكثر حزنا . " وعندما وصلنا صيدا في العصر صرنا لاجئين " . ولكن أيّ ملجــإ ؟؟. وأيــن؟؟ ولا ملجأ حيث
لا أرض ، ولا منفى حيث لا وطـن. كلّ مدوّنة الأدب الفلسطينيّ المقاوم -- بفرعيه الشّعر والنّــثر-- شحن للذاكرة بتثبيت قدسيّة الأرض ورمزيّتها وحتميّة العودة إليها باسترجاعها . وكلّ الفعل الفلسطينيّ المقاوم مداره وجوهره استرجاع الحقّ التّاريخيّ المسلوب . في هذا الإطار تكتسي رواية " عائــد إلــى حيفــا " كلّ دلالاتها وترميزها رغم أنه أمر" تحتاج تسويّته إلى حرب " كما ثبّــت ذلك بحقّ كاتبها الشّهيد غسّــــان كنفانـــي على لسان أحد أبطالها . " عندما سجّل ضابط المساحة قطعة الأرض تحت بند ( مُـختلــف عليهــا ) بين الدّولة وبين إبراهيم الحامد، لم يأبه أبو حامد كثيرا ، وقال: سجّل / سجل. ما أرخص من الحبر إلاّ الورق، عــن أرضي مــش متنــازل " ( غسـّـان كنفانــي / الأدب الفلسطينــيّ المقــاوم تحــت الاحتــلال 1948//1968 ). .........................................................................................................................
.....................................................................................................................................................................................................................................
.
أميــل حبيبي الرّوائيّ الفلسطينيّ أوصى أن تُــكتب على قبره هذه الكلمات " بــاق فـــي حيفـــــا ". ولكن متى كان بقاء البقيّة الباقية من "عــرب الدّاخـــل" بلا ثمن ، وقد دفعوا ضريبة أن يكونوا الأقلية في أرض بات فيها الغزاة -- بحكم خطـإ تاريخــيّ -- هم الأغلبيّة ؟؟. في روايته " الوقائـع الغريبــة فــي اختفــاء سعيـد أبــي النّحـس المتشائــل " [ فانتازيا فاجعة / ملهاة على مأساة على دراما عجيبة كعجيبة حكاية " العرب الباقية " في أرض كنعان ] يصــرّ المتشائل سعيد أبي النّحس على البقاء في فلسطين منذ حلّ بها " النّحس الاوّل " - 1948- نحس حوّل أهلها إلى " أقليّــة قوميّــة " في مجابهة " هؤلاء القادمون من الكتب القديمة " (محمــود درويــش / يوميّــات الحــزن العـــاديّ ) . كيـــف ؟؟ سيجابه مأساة " الــوقائــع الغريبــة" بفعل أكثر مأساويّة وبسلوك أكثر غرابة ، في زمن بات فيه العجيب واقعا عاديّا مند صار التّــطبيع موقفا ووجهة نظر يستأسد البعض في التّــنظير له وتثبيت مرتكزاته . سيكون -- وبوعي— متعاونا وعميلا في وطنه لكي لا يُــرحّل من وطنه وليتمكّن بتواطئه من إثبات استحالة كلّ ولاء . ماذا تبقّى إذن؟؟ لا حلّ غير المقاومة مادامت الأضداد يحكمها قانون الصّراع . صاحب
الحقّ التّــاريخيّ في الأرض يحتال على مغـتصب الأرض بموالاة ملغومة ليضمن بالموالاة أطول إقامة ممكنة، يمارس الوشاية على بني جلدته ، ولكن بمقدار لأنّ الإفراط يؤدّي إلى التّفريط والمبالغة تبعث على الرّيبة . مأساة تُـجابه بملهاة. عجيبــة ، ولكنّها ليست أكثر غرابة من أكبر كذبة في التّــاريخ "منذ عصا موسى وقيامة عيسى " ، أرض الميعاد " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ". بين التّـفاؤل والتّــشاؤم ثمّــة منطقة وسطى : التّشاؤل . وما دام لكلّ اسم مدلول فليكن اسم ابنه " ولاء " إيهامــا بالولاء لدولة الاحتلال. ولاء بالاسم للحاكم العسكريّ وولاء بالفعل للعمل الفدائيّ. .
..........................................................................................................................................................................................................................................................
** الأرض/ المنفـــى / الوطــن ............................................
الحديث عن الأرض هو حديث عمّن كتب عن الأرض ، عمّن اكتوى بحبّها فذاب في ما حُــرِم منه فتخيّله أنشودة تعويضا عن خيبات مضت وتحوّطا من نكبات تخبّـئها عاديات الزّمان. أمّــنا الأرض تسألها الارتواء فتسقيك حنوّا وتملؤك قوّة ، هي لك دوما نصير عندما يعــزّ الصّديق ، يطول الطّـريق، تتشعّب الثّــنايا ، يرتدّ الرّفيق ، يتنكّـر لك الحزب ، تخذلك إيديولوجيا كنت تعتقد أنّــها بــرد اليقيـن، تفشل علاقة عشق الجرح الدّامي مع شعب "حـيّ يقضي الحياة برمس" ، "طفـل صغيـر لاعـب بالتّراب واللّيـل مغــس". الشّابّــي ذلك النّبـــيّ المجهــول لـم يجــد لبـؤسـه شفاء غيــر الطبيعــة ( الأرض ) منها يتـزوّد بما لم تسعفه به غوائل الدّهـر . لمّا يتوسّل بهـا تجيب عمّـا يريـد وكيفمـا يــريد:
" وقالــــت الأرض لمّــا – سألــت --: // أيـــا أمّ هـــل تكرهيـــن البشـــر؟؟"
أبــارك فـي النّاس أهــل الطّمــــوح // ومـــن يستلـــذّ ركــوب الخطـــر" ........................................................................................................................
ليس كالبيّاتي شاعرا أرهقته المنافي القسريّة والطّـوعيّة ، أمضى حياته مغتربا عن وطنه مشرّدا في عواصم الدّنيا ، شاعر الــمنفى والحنين ، المنّفى حقيبته وبغداد خليلته والحنين إليها زاده .شكّـلها كم
رسخت في الذاكرة وحفِظتها إلى الأبد كحالة وجدانيّة في علاقة وجد أبديّة في مجابهة موت المنفى. بغداد تتحوّل إلى فكرة كي لا يضيق بها المكان ولا يأسرها الزّمان . يناجيها كما تناجي الرّوح الرّوح في علاقة وجد صوفيّ-- اسمه التّــوحّـد -- . في المنفى تصبح " عروس المدائن" هي المنفى" الذي يأتي ولا يأتي " ، حكاية مناجاة فاجعيّة " بغــداد ... يــا بغــداد ... يــا بغــداد / جئنـاك مـن منـازل الطيـن ومـن مقابـر الرّمـاد / نهـدم أســوارك بعــد المــوت / نقتــل هــذا الليـل / بصرخات حبّنــا المصلــوب تحــت الشّمــس ". المنفـى حتـّى لـو كـان اختياريـا [ المفارقـة أنـّه اختيـار الضّـرورة ] يصبـح سـوط عـذاب بالحضور المكثّـف للأرض والمدن والوطن وبتدفّــق أحلام العودة " إلهــي أعدنــي إلـــى وطنـي عندليــب / علـى جناح غيمــة / علـى ضــوء نجمـة / أعدنـي فلّــة / تـرفّ علـى صـدري نبـع وتلـة " . .......................................................................................................................
إذاكان صدّام حسين قد جعل من تكريــت مسقط رأسه عاصمة غير معلنة -- بفضل سطوة السّياسة --، فإنّ جيكــور، تلك القرية النّائيّة في محافظة البصرة جنوب العراق، قد نبتت من جراح بدر شاكر السّـيّــاب بقدرة سلطان الشّعر. فبقدر ما ولِــد السّــيّـاب في جيكــور فإنّ جيكـور ولــدت بشعره وفي شعره ، جعل منها قبلة ومـزارا ومعلما من معالم الشّعر العربيّ المعاصر. حفل شعره بتفاصيل تفاصيلها، الماء ، الدّروب ، الأبواب ، " الأطيــار" ، " الأكـواخ المقفرات...".جيكور الوطن الصّغير " تلـك أمّي وإن أجئها كسيحا / لاثما أزهارها والماء فيها والـتّرابا / ونافضا بمقلتي أعشابها والغابا ". حنين ممتلئ بحزن لا يضاهيه إلاّ الحنين إلى الوطن الكبير كما تترجمه قصيدة " غريـــب علــى الخليــج " ، قصيدة أقرب إلى البكائيّة والمناجاة " الرّيـح تصرخ بـي عـراق / ليـس ســوى عـراق / البحـر أوسـع مـا يكـون وأنـت أبعـد ما يكـون / والبحــر دونــك يا عـراق /
واحسرتـاه فلــن أعـود إلـى العـراق" .
...............................................................................................................................................................................................................................................
** عـــروس المدائـــن ..........................................................
وتبقى " زهــرة المدائــن" [ الاسم القديم لمدينة القـــدس ] عروس الشّعر ، تعيش البلابل بأنغام شعرائها، "عيوننا [ إليها] ترحل كلّ يوم "، إلى أرضها يتسلّـل الفدائيّ من خيام اللاّجئين ليجعل من الخيمة وساما به تصبح " خيمـة عــن خيمـة تفــرّق" (غسّان كنفاني ) . يستحضر تفاصيل مدنها وأزقتها وبيوتاتها بدقّـة سينمائيّة من هُـجـِّــر منها ومن لم تطأ قدمه أرضها . فلسطيــن التّحدّي والرّفض ومعاندة القدر وغدر التّاريخ " تقدّمـوا / تقدمـوا / كـلّ سمـاء فوقكـم جهنّـم / وكــلّ أرض تحتكـم جهنّـم / تقدمــوا ( سميـح القاســم )، يجاوبه أخ لم تلده أمّه، أخوه في الوطن " تفاجئنــي الأرض، أنّ الحجــارة / تقاتــل والأنظمـة / بنادقهــا ملجمــة / تفاجئنـي الأرض . أنّ كـفّ الصّبايــا مرايــا / وكــفّ الشّهيــد بحجــم السّمــاء ( معيــن بسيســو) . الفلسطينـيّ مسافــر أبدا ، التّخيّل زاده ، القـــدس قِـبلتــه و" أرض البرتقــال الحزيـــن" وجهته. "عاشــق من فلسطيــن " نشيده " أنــا الأرض / والأرض أنــت / خديجــة [خديجــة قاســم شواهنــة، 23 سنة ، استشهــدت في 30 اذار 1976 احتجاجا على مصادرة الاحتلال آلاف الدونمات من أراضي سخنين والقرى المجاورة لها ] لا تغلقــي البــاب / لا تدخلــي في الغيــاب / سنطردهــم مــن إنــاء الزّهــور وحبـل الغسيــل / سنطردهـم عـن حجــارة هــذا الطّـــريــق الطّــويــل /
سنطردهــم مــن هــواء الجليـل " ( محمـود درويـش ). ............................................................................................................................
موضوع الأرض ليس موضوعا فكريّا أدبيّا صرفا بقدر ما هو قضيّة سياسيّة بامتياز . أليست كلّ حروب التّحرير محورها الأرض؟؟.
ألم ينجح البلاشفة في تجميع القوى الثوريّة في الثّورة الرّوسيّة - أكتوبر1917- بفضل شعاريــن مركزيّيـن : الأرض والسّـــــلام ؟؟.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن