رواء الجصاني : مع الجواهري في عواصم ومدن العالم 2/2...

رواء الجصاني
2021 / 5 / 5

----------------------------------------------------------------
لا يبدو ان هناك منتهى للكتابة والتوثيق عن الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (1899-1997) منجزا، وحياةً، برغم احدى وعشرين اطروحة دكتوراه، وثلاث عشرة رسالة ماجستير، أجيزت عنه، ونحو ستين كتابا ومؤلفا رصينا، ومئات من الدراسات والمقالات والاستذكارات، دعوا عنكم اللوحات والصور والتخطيطات الفنية .. وكل تلك الارقام هي في الحدود الدنيا، ونعني ما هو مرصود وموثق لدينا الى الان... وقد شمل الجزء الاول المنشور من هذا التوثيق محطات الجواهري وقصائده في ايران وباريس ووارسو ولندن.. وفي التالي الجزء الثاني والاخير..

5/ في موسكو عام 1959
انحاز الجواهري منذ وقت مبكر من حياته الى جانب القيّم والسياسات والمبادئ التى تتحدث وتؤمن بالتحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة، ومناهضة الاستعمار بمختلف اشكاله.. وهكذا راح منتصرا الى الحلفاء ضد المانيا الهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية، في القرن الماضي، وقد ابرز ذلك شعرا، ومنه في تمجيد انتصارات وتضحيات الاتحاد السوفياتي السابق. ومن ذلك ما جاء في قصيدتيه: عن معركة "سواستبول" عام 1942.. وعن معركة "ستالينغراد" الشهيرة عام 1943 ومن ابياتها:
نضّــتْ الروحَ وهزته لواءا، وكسته وأكتستْ منه الدماءا
واستمدت من الهِ الحقل والبيت والمصنع عزما ومضاءا..
يا (تولستوي) ولم تذهب سدى، ثورة الفكر ولم تذهب هباءا
هكذا الفكرة تزكو ثمرا، ان زكت غرسا وان طابت نماءا
اما زيارته الاولى للأتحاد السوفياتي فكانت لعاصمته - موسكو عام 1959 رئيسا لوفد من الادباء العراقيين .. تلتها مشاركات في فعاليات ومؤتمرات اخرى، ومنها ما وثق لها شعرا بقصيدة (اطفالي واطفال العالم) التي القاها خلال مشاركته في فعالية دولية من اجل السلام ونزع السلاح عام 1962.. ووفق ما توفر من توثيقات نسجل ان زيارات الجواهري "السوفياتية" لم تكن للعاصمة موسكو وحسب، بل شملت مدنا عديدة مثل لنينغراد (بطرسبورغ حاليا) وسمرقند، وغيرهما ..

6/ وفي بــراغ منذ عام 1960
.. والحديث عن علاقة الجواهري ببراغ لا يشبه باية حال الحديث عن زياراته، وقصائده عن عواصم ومدن العالم. فقد اقام في تلك المدينة التي اطلق عليها وصف "مزهر الخلد" ثلاثة عقود، بشكل دائم او متقطع (1961-1991) لاجئا ومغتربا وعاشقا و"مستوطنا" وكتب فيها وعنها العديد من القصائد والمقطوعات. كما نظم وهو في ربوعها فرائد كثيرة ليس مجال حصرها كاملا في هذا التوثيق، ومن بينها مثلا: "دجلة الخير" و"لغة الثياب" و"فتى الفتيان" و" يا آبن الثمانين" وسوى ذلك كثير ومتنوع ..(++)
أما عن براغ تحديدا، واهلها وطبيعتها ومجتمعها، فلعلنا نستطيع ان نوجزعن ذلك فنشير الى قصيدته المعنونة "براغ" عام 1968 ومن مطلعها :
أطلتِ الشوطَ من عمري، أطـــالَ اللهُ مـــن عُــمـركْ
ولا بُــلــغــتُ بــــالــشــرِّ، ولا بــالسوءِ مــــن خَبرك
حـسوتُ الخمرَ من نهَرك، وذُقـــت الحلو مــن ثَمرك
وغنت لـــي صوادحُــــك النشاوى من ندى سحرك
الا يــــا مــزهـــــر الخلد، تــغـنــى الدهرُ في وتَركْ

7/ وفي ميونيخ عام 1963
يحضر الجواهري بناء على دعوة رسمية، الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الطلبة الاكراد في اوربا، الذي انعقد في مدينة (ميونيخ) الالمانية، صيف عام 1963 ليلقي هناك مطولة جديدة، سياسية في اطارها العام، مع التصريح بمواقفه الصميمية في دعم نضالات الشعب الكردي من اجل نيل حقوقه المشروعة.. وقوبل حضور الشاعر الكبير، وقصيدته، بأحتفاء مهيب من المجتمعين، والمشاركين، وأولهم المسؤول الكردي البارز جلال الطالباني، الذي تسنم كما هو معروف رئاسة جمهورية العراق بعد فترة من سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 .. وجاء مفتتح قصيدته خلال المؤتمر، والموسومة " كردستان... موطن الابطال":
قلبي لكردستان يُهدى والفـمُ، ولقد يجود بأصغريه المعدمُ...
تلكم هدية مستميت مغرمٍ، انا بالضحية والمضحي مغرم..
سلّم على الجبل الأشم وأهله، ولأنتَ تعرف عن بنيه من هـمُ..
سلّم على الجبل الأشم وعنده من أبجديات الضحايا معجمُ

8/ في صوفيا عام 1968 .. وفارنا عام 1973
وفي "مقامة" الجواهري البلغارية ثمة مدينتان، الاولى هي العاصمة صوفيا، التي احتضنت المهرجان التاسع لشبيبة وطلبة العالم، صيف عام 1968 وكان الشاعر الكبير ضيفا رسميا لحضور افتتاح المهرجان، وفعالياته البارزة، من بين نخبة الوجوه والشخصيات العربية والعالمية الرائدة والشهيرة في مجالاتها..
اما المدينة الثانية فهي "فارنا" التي زارها عام 1973 وكان مدعوا لزيارة ثقافية رسمية الى بلغاريا، شمل برنامجها زيارة تلك المدينة السياحية الشهيرة، للراحة والاستجمام، وكان حينها رئيساً لاتحاد الادباء والكتاب في العراق، وقد نظم عن تلك الزيارة، وعن بعض "ملهماتها" قصيدة عنوانها (يومان على فارنا) جاءت بثلاثة وستين بيتا، ومنها:
أشرقَ الفجر فوق "فـرنا" فأضفت فوقه سحرها الجميل فأضفى
وأستطاب الرمل الندي بساطاً، فمشى ناعم الخطى يتكفا
معجبا يمسح الدجى منه عطفا، ويهز الصبح المنوّر عِطفا

9/ في اثينــا خلال السبعينات
حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينات الماضية، في أثينا، مستأجراً شقيّقةً متواضعة، وكان من أهم ما فيها من مغريات محاذاتها لساحل البحر المتوسط مباشرة، وذلك هو الأحب لدى الشاعر العظيم، التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء...
... ومن يعرف الجواهري عن قرب، يعرف انه عاشق أبدي للأنهر والبحار، سواحل وتدفقاً وضفافاً، مثل "رافدي" العراق، و"نيل" القاهرة، و"بردى" دمشق، و"فلتافا" براغ.. وغيرها من السواحل والضفاف، اللواتي كتب عنها ووثق لها في ديوانه العامر، روائع وصفت واستلهمت وأوحت بما لا يُزاحم على ما نظن...
وفي "مَقامة" الجواهري، اليونانية، وفي اثينا تحديدا، نؤشر إلى ان اقامته هناك لم تكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركوناً إلى النفس، وتمعناً في ما يزخر به فكر الشاعر الكبير: فلسفة في الحياة والمشاغل الانسانية العامة.. وهناك في اثينا، وعلى ساحلها، ولدت قصيدته الباهرة "سجا البحر" عام 1977 وجاء مطلعها:
سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوّح رضراض الحصى والجنادلِ
وفكت عرى عن موجةٍ لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل
وسدت كوىً ظلت تسدّ خصاصها عيون ضباء أو عيون مطافل

10/ عواصم ومدن اخرى .. وخلاصات
ثمة مدن وعواصم في بلدان اخرى، خارج ما اسلفت له السطور السابقات، زارها الشاعر الخالد لأغراض شتى، سياحية أو شخصية. وفي بعضها حط الركاب لأكثر من مرة، ومنها: برلين الالمانية في الستينات، والعاصمة الاسبانية - مدريد عام 1974 ليومين او ثلاثة، ونيويورك مطلع الثمانينات، والعاصمة النمساوية- فيينا في ثمانينات القرن الماضي، والعاصمة المجرية – بودابست، وخاصة بين اواخر عام 1990 ومطالع عام 1991...
ولم يوثق الشاعر الكبير عن المدن والعواصم المسماة في الفقرة السابقة، لا شعرا ولا نثرا.. مع استذكارات جميلة عن بعضها في مجالس خاصة. وقد كانت زياراته لها لفترات قصيرة، بل لبضعة ايام وليالي احيانا، وقد أثرنا – مع ذلك - التوثيق لها بايجاز في سعي لأستكمال هذا البحث الموجز .. ونقول موجزا ونعني ذلك تماما اذ هناك الكثير من الدلالات، والمؤشرات التي يمكن التطرق اليها، مستقاة من قصائد وزيارات الجواهري، وما رافقها من شؤون وتفاصيل واحداث مهمة بهذا القدر او الشكل اوذلك ..
كما من المناسب ان نشير ايضا الى ان الكثير من زيارات الجواهري، ومشاركاته في الفعاليات والمؤتمرات الثقافية والسياسية العالمية، الرسمية والمدنية، شهد احتفاءات ولقاءات خاصة وعامة من المحبين والاصدقاء، عراقيين وعربا واجانب، ممن كانوا يحرصون على ان يلتقوا شاعرهم الذي تعدى حدود المعهود، على أبسط وصف، وان يتعرفوا عليه عن قرب، فخرا واعتزازا وتباهيا.. وبالمقابل كان يحرص من جانبه ان لا يبخل - جهد ما استطاع - في اتمام تلك اللقاءات، بل والاهتمام بها، وفرحه لها، وهو المؤمن، روحا وشخصا ومنهجا، بما قاله عام 1965: "حببت الناس كل الناسْ. من أظلم كالفحــمِ ومن أشرقَ كالماس" !!..
--- هوامش وإحالات ---------------------------------------------------------------------
* المصادر: ديوان الجواهري، كتاب "ذكرياتي" للشاعر الخالد، بجزأين.. اضافة الى وثائق ومعلومات خاصة وشخصية.
**/ لمزيد من التفاصيل: كتابنا "الجواهري .. اصداء وظلال السبعينات" الصادر عام 2001 .. وتأرخات اخرى ذات صلة منشورة لنا على الانترنيت.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن