مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أجزاء

الطاهر المعز
2021 / 5 / 4

خُطورة الإستراتيجية الأمريكية بآسيا
الجزء الثاني من ثلاثة أجزاء

مكانة الهند في الإستراتيجية الأمريكية

الطاهر المعز



الوضع الدّولي- الهند بين أمريكا والصين وروسيا

كانت معظم أسلحة الجيش الهندي من تصنيع الإتحاد السوفييتي ثم روسيا، وبدأت الحكومات المتعاقبة للهند تُغَيِّرُ اتجاه سياساتها نحو "الغرب"، وأصبحت الولايات المتحدة أكبر بائعي السلاح للهند، بحسب ما ورد في برقية لوكالة "رويترز"، يوم الجمعة 19 آذار/مارس 2021، قبل لقاء وزير الحرب الأمريكي الجنرال "لويد أوستن" نظيره الهندي في "نيودلهي" يوم السبت 20 آذار/مارس 2021، وعَبّر الوزير الأمريكي، خلال مؤتمر صحفي مشترك، عن "اعتراضه" على مشروع شراء نظام الدفاع الجوي الروسي إس-400، مُعَلِّلاً "إن على حلفاء الولايات المتحدة عدم شراء العتاد الروسي لتجنب العقوبات الأمريكية"، وكانت الهند من أصدقاء الإتحاد السوفييتي، حتى انهياره سنة 1991، لتصبح تدريجيًّا من أهم ركائز السياسة الأمريكية بآسيا.

سبق أن اشترت تركيا (عضو حلف شمال الأطلسي، وشريك عسكري مُهِم للولايات المتحدة وللكيان الصهيوني) منظومة صواريخ "إس- 400" الروسية، فَفَرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات رمزية، سنة 2020، أما الهند فقد سدّدت، سنة 2019، قِسْطًا أول بقيمة 800 مليون دولارا، لشراء هذه المنظومة الدّفاعية الرّوسية، ولكنها لم تتسلم بعد أي شحنة، بتاريخ 20 آذار/مارس 2021، ويُتوقّع وصول البطاريات الأولى من الصواريخ قبل نهاية سنة 2021، وأعلن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن الولايات المتحدة سوف تُثِيرُ "المخاوف المتعلقة بعدم احترام قواعد الديمقراطية وبانتهاك حقوق الإنسان، بالهند"، في حال شراء الهند منظومة الصواريخ الروسية، لكن شركات تصنيع الصواريخ الحربية مثل "رايتيون"، وشركتي "بوينغ" و"مارتن لوكهيد" لصناعة الطائرات تعترض على إثارة مثل هذه المواضيع (الديمقراطية وحقوق الإنسان)، قبل إتمام صفقات عقود الطائرات المقاتلة بقيمة مليارات الدّولارات.

من جهتها تعتبر وزارة الخارجية الأمريكية أن دَوْر الهند مُهم في تشكيل تحالف، بقيادة أمريكا، للتصدي لنفوذ الصين في منطقة آسيا، والمحيطَيْن الهادئ والهندي، وهي شريك في الرباعية (الحوار الأمني الرّباعي، أو "كواد") التي تضم الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان، والتي عقدت أول قمة لها خلال الأسبوع الثالث من آذار/مارس 2021، "لضمان حرية الملاحة في المحيطين الهندي والهادي والتعاون في مجال الأمن البحري والإلكتروني في مواجهة التحديات التي تشكلها الصين"، ويبدو أن هذه التّحدّيات ذات صبغة اقتصادية، وليست عسكرية، إذ أعلنت الصين ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، خلال الربع الأول من سنة 2021، بنسبة 18,3%، مقارنة بالرُّبع الأول من سنة 2020، ما يعني تعافي اقتصاد الصّين، بدعم من ارتفاع الطلب على المنتجات الصينية، وبفضل الدعم الحكومي للشركات الصغيرة التي تضررت من جائحة "كوفيد 19"، قبل انحسارها في الصين، خلافًا للولايات المتحدة والهند، اللّتَيْن احتلّتا المرتبة الأولى والثانية، بعدد الإصابات بفيروس "كورونا"...

في مجال التّسلّح تجري مفاوضات لشراء الهند طائرات آلية حَربية من الولايات المتحدة، وأكثر من 150 طائرة مقاتلة لسلاح الجو الهندي، "استعدادًا لمجابهة الصين"، مع التّذكير بتأجير الولايات المتحدة طائرات آلية، خلال الإشتباكات بين جَيْشَيْ الهند والصّين، سنة 2020، لتتمكّن الهند من مراقبة تحركات الجيش الصيني، كما قدّم الجيش الأمريكي عتادًا (لم يقع الإعلان عن تفاصيله) لمواجهة جيش الصين، ما زاد من تقارب الهند والولايات المتحدة، بغض النّظر عن الحزب الحاكم في الدّولتَيْن...

لا تتغير السياسات الخارجية الأمريكية بتغيير الرئيس، ولذلك حافظ الرئيس "جو بايدن"، كما حافظ أسْلافُهُ على "ثوابت" سياسة الهيمنة الأمريكية، وعَزّز التحشيد العسكري على حدود روسيا والصّين، بإرسال مزيد من السفن الحربية إلى مضيق تايوان ومزيد من الأسلحة إلى جيش "تايوان"، بالإضافة إلى تصعيد لهجة الخطاب العدواني تجاه الصين، كما تجاه روسيا.

تحاول الولايات المتحدة مَنْع أو عرقلة وتأجيل صُعُود أي قُوّة منافسة (عالم متعدد الأقطاب، في إطار النظام الرّأسمالي)، رغبة منها في الحفاظ على ميزان القوى الحالي، وعلى موقعها المُهَيْمِن (القُطب الواحد)، ولذلك تُحاول مَنْعَ صعود روسيا والصين، وتحاول الحفاظ على الدولار كعملة للتجارة الدّولية، ولتقويم سعر المواد الأولية والأغذية، وعملة للتحويلات المالية العالمية، وتدعم هيمنة الدّولار الاقتصاد الأمريكي، دون غيره، ولما ظهر عَجْزُ الولايات المتحدة عن وَقْف الصعود الصيني (والروسي بدرجة أقلّ)، خفَتَ الخطاب الدبلوماسي (المُنافق) وارتفع صوت النزعة العسكرية، وطغى اتجاه عسكرة الدبلوماسية، وزادت الولايات المتحدة من دَفْعِ وتشجيع أوكرانيا لاستفزاز روسيا، وتشجيع تايوان لاستفزاز الصين، وعرقلة ائتلاف "أوراسي" تمثل روسيا جانبه الأوروبي والصّين الجانب الآسيوي.

ساءت العلاقات الأمريكية الرُّوسية، في مقابل تحسّن العلاقات الأمريكية الهندية، وعلاقات أمريكا مع الحكومات اليمينية بشرق أوروبا، وصرح وزير الخارجية الرّوسي "سيرغي لافروف" يوم الثامن من نيسان/ابريل 2021، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الكازاخستاني: "إن التّخبّط والعشوائية تسود السياسة الخارجية الأمريكية، ما يجعلها غير جِدّيّة وغير موثوقة وغير واضحة الأهداف، وتتعرض إلى نقد بعض المُؤسّسات الموالية لأمريكا، مثل المجلس الأطلسي..."، وردًّا على عقوبات أمريكية، حَظَرَت حكومة روسيا، يوم الجمعة 16 نيسان/ابريل 2021، دخول اراضيها على ثمانية مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، وفي يوم السبت 17 نيسان/ابريل 2021، اعتقل جهاز الأمن الإتحادي الروسي، القنصل الأوكراني في مدينة "بطرسبورغ"، بتهمة التّجسُّس، في إطار الرّد الرُّوسي على التصعيد والإستفزازات الأمريكية التي تُشجع حكومات أوكرانيا وبولندا ورومانيا ودُويلات بحر البلطيق على تحدّي روسيا واستفزازها، وكانت إدارة "جو بايدن" قد اعتبرت، منذ تنصيبها أن روسيا والصين تُشكّلان تهديدًا وجوديًّا، وذلك مباشرةً قبل فَرْضِ "عقوبات" على روسيا لوقف مشروع أنابيب "السيل الشمالي 2" لنقل الغاز الروسي نحو ألمانيا وأوروبا الشمالية، وتسليم أوكرانيا (بعد إعلان تراجعها عن اتفاق مينسك للسلام مع روسيا لسنة 2015 ) أسلحةً وعتادًا حربيًّا بقيمة 125 مليون دولارا، وفسّرت حكومة روسيا تسلسل الأحداث وتوقيتها بضوء أخضر أمريكي لحكومة أوكرانيا التي ترغب الإنتماء لحلف شمال الأطلسي، وللتذكير فإن حكومة أوكرانيا تُجابه احتجاجات عُمالية كبيرة، ضد سبعة مشاريع قوانين معادية للعاملين والأُجَراء، وللمكتسبات الإجتماعية وللحق النقابي...



تَطَوُّر علاقات الهند مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني:

تعكس العلاقات الخارجية، طبيعة العلاقة بين الدّولة ومواطنيها، فهي غير منفصلة عن السياسات الدّاخلية، وتزامن التحول من الإقتصاد المُوَجَّه (رأسمالية الدّولة والنيوكينزية) إلى النيوليبرالية مع تغييرات في العلاقات الخارجية وتغييرات في مواقف الدّولة الهندية من قضايا المنطقة (أفغانستان، على سبيل المثال) والقضايا الدّولية (فلسطين) وتغييرات في العلاقات السياسية والتجارية والإقتصادية، وبالأخص منذ 2014، سنة هيمنة حزب اليمين المتطرف "بهارتيا جاناتا" وزعيمُهُ "نانيندرا مودي" على البرلمان وعلى الحكومة، ما يجعل العلاقات بين الكيان الصهيوني وحكومة الهند عقائدية، مَبْنِيّة على الإقصاء، وبالنسبة لقضايانا العربية، تَمَثّلَ هذا التّحوُّل في توثيق علاقات الهند (أحد مُؤَسِّسِي حركة عدم الإنحياز ومجموعة "بريكس") مع الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وسوف نكتفي بعلاقات الهند مع هذيْن العَدُوّيْن لقضايانا، لتوضيح عُمْق التّغْيِيرات التي طرأت على السياسة الخارجية للهند، ومدى تأثير هذه التّغْيِيرات على موازين القُوى، وبالأخَصّ في آسيا وفي منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ.



الولايات المتحدة والصين وروسيا، سنة 2021

أكد جوزيف بايدن بوضوح، خلال حملته الإنتخابية، "حاجة العالم إلى قيادة أمريكية... إذْ يجب أن يَخْضَعَ العالم لهيمنة قوة عظمى لن تكون سوى الولايات المتحدة وليس دولة أخرى"، واستفاد "جو بايدن" (نائب الرئيس باراك أوباما) من دَعْمِ جزء من الحزب الجمهوري ومن موظفي إدارة جورج بوش السابقين، ودعم الوزراء السابقين هيلاري كلينتون وكولين باول ومادلين أولبرايت الذين اختاروا نائبة الرئيس "سامانثا باور"، مديرة الوكالة الأمريكية للتعاون الدّولي- يو إس آيد (بميزانية تتجاوز 20 مليار دولار)، التي تُشرف على تمويل "التدخل الإنساني"، أي على مُقدّمات العدوان العسكري، ففي الولايات المتحدة تختار الشركات الكبرى ووسائل الإعلام السائد ومكاتب البحاث والإستشارات، وبعض المؤسسات (الإستخبارات وقيادات الجيش...) مُرشّحَها للرئاسة وتفرض فَوْزَهُ، وتمت رعاية "جو بايدن"، مثل الرؤساء الآخرين، مِن قِبَلِ مُجَمَّع الصناعات العسكرية، الذي يمول حملات الرؤساء ونوّاب الكونغرس والمسؤولين المنتخبين في الولايات الخ.

كافأ جو بايدن مجموعة "رايثيون" ( Raytheon ) ثالث أكبر منتج للأسلحة في الولايات المتحدة، بتعيين عضو مجلس إدارتها "لويد أوستن" وزيراً للحرب، وهو جنرال متقاعد، ساهم في احتلال أفغانستان والعراق، وهو من العسكريين الداعمين بشدّة للكيان الصهيوني، كما عَيّن "أنتوني بلينكن" وزيرًا للخارجية، للضغط على الاتحاد الأوروبي ولتعزيز الحظر المفروض على الصين وروسيا وكوبا وفنزويلا وغيرها، وهدّدَ "جو بايدن" ألمانيا لردعها عن استكمال ال الثاني لنقل الغاز الروسي "نورد ستريم 2" الذي يربط روسيا بألمانيا وشمال أوروبا ...

في آسيا، وبعد عشرين سنة من الإدّعاء أن الجيش الأمريكي (الذي يحتل أفغانستان) سوف يهزم حركة "طالبان" وسوف ينشر الديمقراطية والحريات (وحرية النساء بشكل أساسي)، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية مع حركة "طالبان"، دون استشارة حلفائها من أوروبا التي تشارك في كل الاعتداءات الأمريكية والتي تظل حليفا رئيسيا للولايات المتحدة، رغم أهمية مبادلاتها التجارية مع الصين ورغم الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي.

بعد أزمة اليورو في 2009-2010 ، باعت بعض دول جنوب أوروبا موانئها وبنيتها التحتية للصين، كما أصبحت "صربيا" (التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي) ، بالنسبة للصين ، بوابة جديدة إلى أوروبا، في إطار الخطوات الصينية الحثيثة التي سوف تجعل من الصين قاطرة الإقتصاد الرأسمالي العالمي.

إن الصين هي التي تدافع الآن عن التجارة الحرة ، بينما تعزز الولايات المتحدة نزعتها الحمائية، وهكذا ، وقعت الصين اتفاقية التجارة الحرة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، مع أربعة عشر دولة من دول المحيط الهادئ، بما في ذلك أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء آخرون للولايات المتحدة، وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، وقعت الصين على اتفاق استثماري مع الاتحاد الأوروبي، رغم تحفُّظات الولايات المتحدة، ما يُعَدُّ من الأمثلة النادرة على "تمرد" أوروبا، بفضل ألمانيا التي كانت، مع بريطانيا، أكبر حليف أوروبي لأمريكا، وتعتبر حكومة ألمانيا الإتحادية "إن هذه الاتفاقية تتيح للشركات الأوروبية وصولاً غير مسبوق إلى السوق الصينية"، وربما يُشير هذا "التّمَرُّد" أن أوروبا قد بدأت في إيلاء الأولوية لمصالحها الاقتصادية والتجارية، في مواجهة الدعاية الأمريكية لحقوق الإنسان التي تخفي تبجيل المصالح الأمريكية، وازدراء مصالح الحُلَفَاء.

تدّعي أجهزة الحكم بالولايات المتحدة أنها رائدة الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي، لكن الدولة الفيدرالية تُمارس "الحِمائِية" وتدعم الشركات الكبرى من المال العام، فضخت ستة تريليونات من الدولارات في خزائن هذه الشركات العابرة للقارات، بالإضافة إلى خطة استثمارية بقيمة 2,250 تريليون دولار "لمواجهة المنافسة الصينية "، بحسب الرئيس الأمريكي جو بايدن.

وأشار وزير الخارجية أنطوني بلينكين (الصهيوني سيئ السمعة) إلى أن "الناتو هو مرساة الارتباط عبر الأطلسي الذي يوحد أوروبا وأمريكا الشمالية"، وبالتالي، فإن "إصلاح" الروابط بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف يمر عبر "إعادة بناء" الناتو ، بغرض الاستعداد لحروب الغد، والإستعداد لإرسال المزيد من العتاد والجنود، لفترة أطول، إلى الخارج"، وبدأت الولايات المتحدة تُمارس الحرب عن بُعد، منذ فترة طويلة، فبعد إرسال القنابل النووية (اليابان، آب/أغسطس 1945) والصواريخ من الجَوّ ومن البحر، أصبحت الطائرات الآلية (بدون طيار) والأسلحة المتطورة الأخرى تقتل آلاف الأشخاص سنويا، عبر الضّغط على بعض الأَزْرَار، وارتفعت حالات الإغتيال عن بُعد، بواسطة الطائرات الآلية المُسَيَّرَة، خلال فترتَيْ رئاسة "باراك أوباما"



حلف شمال الأطلسي، استنفار دائم

اعلنت قيادة سلاح البحر لحلف شمال الأطلسي تنفيذ مناورات ضخمة تحت مُسمّى "ديناميك مانتا 2021"، جنوب السواحل الأوروبية، أي على طول سواحل البلدان العربية، من المغرب إلى سوريا، استمرت إحدى عشر يومًا، من 23 شباط/فبراير، حتى الخامس من آذار/مارس 2021، وتمثّل هدفها المُعْلَن في "تطوير التعاون الجوي والسطحي وتحت البحر لحرب دفاع الغواصات"، وهي النّسخة الواحدة والعشرون التي تنطلق من جزيرة "صقلية" الإيطالية، باستخدام السفن السطحية، والغواصات، والطائرات، من ثماني دول (الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا واليونان وتركيا ) إضافة إلى حاملة الطائرات شارل ديغول الفرنسية في المناورات، وأعلنت قيادة الحلف أنها تريد "تزويد جميع عناصر الجيوش المشاركة بتدريب حربي قاس من أجل زيادة قدراتها وقابليتها للعمل المشترك في مهارات الدفاع عن الغواصات والحرب السطحية".

تكررت المناورات الضخمة التي يجريها حلف شمال الأطلسي على حدود روسيا، وأعلنت حكومة أوكرانيا، يوم الثالث من نيسان/ابريل 2021، إن مناورات عسكرية مشتركة ستبدأ في غضون بضعة أشهر مع قوات حلف شمال الأطلسي، بمشاركة قوات خمس دول تنتمي للحلف، بحسب برقية لوكالة "رويترز" بتاريخ 04 نيسان/ابريل 2021، ما قد يزيد من حدّة التّوتّر بين أوكرانيا وروسيا.

سبق أن أجرى حلف شمال الأطلسي أضخم مناورات عسكرية، خلال ثلاثة عقود، بالدنمارك، على حدود روسيا، لفترة أسبوعَيْن، بمشاركة خمسين ألف جندي من جيوش 31 دولة، و250 طائرة حربية و65 بارجة وعشرة آلاف دبابة، "لتذكير روسيا بأن الحلف لا يزال موجودًا، غير بعيد من حدودها"، بحسب برقية لوكالة الصحافة الفرنسية، بتاريخ 25 تشرين الأول/اكتوبر 2018، أما روسيا التي لها حدود مشتركة بطول حوالي 200 كيلومتر مع النرويج فإنها تنفذ مناوراتها داخل حدودها، وهي مناورات دفاعية، وليست هجومية.

أعلنت وزارة الدّفاع الروسية أن دول حلف شمال الأطلسي أجْرَتْ مناورات "بالتوبس - 2020"، خلال الفترة من السابع إلى التاسع عشر من شهر حزيران/يونيو 2020 ، وَسَطَ وجنوب بحر البلطيق، أي قريبًا جدّا من روسيا، بقيادة جيش الولايات المتحدة، وبمشاركة كندا وبريطانيا وألمانيا وهولندا والدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا وإيطاليا وفرنسا والبرتغال واليونان وتركيا وبولندا ولاتفيا وليتوانيا، وتعتبر "بالتوبس" مناورات أمريكية أوروبية، بدأت منذ سنة 1972، في بحر البلطيق لاستفزاز الإتحاد السوفييتي آنذاك، وروسيا حاليا، وبدل إلغائها بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، تعززت هذه المناورات الأطلسية، بمشاركة أعضاء جُدُد من أوروبا الشرقية، بداية من 1993.

نفّذ حلف شمال الأطلسي، خلال الأسبوع الأول من حزيران/يونيو 2016، في بولندا، مناورات "أناكوندا"، وهي أكبر مناورات عسكرية في أوروبا الشرقية منذ قَرْن كامل، بمشاركة المظَلِّيِّين من بولندا وبريطانيا والولايات المتحدة، وبمشاركة 31 ألف جندي، لفترة عشرة أيام، "تحسُّبًا للأعمال العدائية الروسية، قبل شهر واحد من موعد القمة التي عقدها حلف شمال الأطلسي في "وارسو" عاصمة بولندا التي كانت مقرًّا لحف وارسو الذي كان يقوده الإتحاد السوفييتي (تأسس بعد حلف شمال الأطلسي، وليس قبله كما تُرَوِّجُ وسائل الإعلام الرأسمالي)، وبدل سحب الجنود والمعدّات العسكرية من أوروبا بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وحَلّ حلف وارسو، دعت الولايات المتحدة دول وسط وشرق أوروبا للإلتحاق بحلف شمال الأطلسي، وشهد العقدان الأولان من القرن الواحد والعشرين عمليّات انتشار عسكري وأكبر المناورات في دول أوروبا الشرقيّة، على الإطلاق، بحسب موقع محطة "بي بي سي" وموقع صحيفة "تايمز" (21 كانون الأول/ديسمبر 2019)، بخصوص مناورات الناتو العسكرية التي تزايد حجمها وعددها قرب الحدود الروسية، في دول البلطيق وبولندا والبحر الأسود وبحر البلطيق، وأعلن قائد الجيش الأمريكي في أوروبا، بشأن مناورات كانون الأول/ديسمبر 2019، أن هدف المناورات هو "ردع روسيا"...

هذه لمحة عن بعض مناورات حلف شمال الأطلسي، على حدود روسيا، خلال أقل من خمس سنوات، فماذا سيحصل وكيف ستكون تعليقات الصحافة الأوروبية والأمريكية لو نَفّذت روسيا مناورات بحرية قريبًا من السواحل الأمريكية، أو في إحدى البلدان التي لها حدود مشتركة مع الولايات المتحدة، أو القريبة منها؟

أصبحت مواجهة الصين وروسيا هدفًا مباشرًا للجيش الأمريكي، لتصبح الجبهة العسكرية مُكمّلة للحظْر الإقتصادي والمُقاطعة السياسية وللحرب الإعلامية، ما يرْفَعُ منسوب التوتر بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، وتستخدم الولايات المتحدة جيشها (الأقوى عالميا) وقواعدها وجيوش حلفائها وأتباعها في آسيا (أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، ثم الهند منذ بضعة سنوات)، أما أوروبا فإنها مركز ثقل حلف شمال الأطلسي، الذي تقوده أمريكا، وأكبر تجمّع للجيوش والأسلحة الفتّاكة، وأجرت جيوش حلف شمال الأطلسي بنهاية نيسان/ابريل، وبداية شهر أيار/مايو 2020، أضخم مناورة عسكرية في أوروبا منذ الحرب الباردة، على اثر قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو).



الإستراتيجية الأمريكية في آسيا:

كانت الهند من مؤسِّسِي حركة عدم الإنحياز، سنة 1955، وقبل ثلاثة عُقُود كانت لا تزال حليفة للإتحاد السوفييتي، ويُزعجها التواجد العسكري الأمريكي في المحيط الهندي، لكن تغيرت الظروف وانهار الإتحاد السوفييتي، وأصبحت الهند من أصدقاء الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، منذ أكثر من عقدَيْن، وبالخصوص منذ فاز حزب "بهارتيا جاناتا" الهندوسي اليميني المتطرف بأغلبية مقاعد البرلمان الإتحادي، وأصبح زعيمه "ناندرا مودي" رئيسًا للحكومة، سنة 2014، ليتعزّز التحالف مع الكيان الصهيوني، ومع الإمبريالية الأمريكية...

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، خبرًا عن مناورات عسكرية في "خليج البنغال" (المحيط الهندي)، تحت إسم "ملبار"، بقيادة الجيش الأمريكي، وبمشاركة جُيُوش الهند وأستراليا واليابان.

سبق أن نشرت وكالة "رويترز"، في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2020 (قبل بضعة أيام من الإنتخابات الأمريكية)، خبرًا بشأن زيارة وزير الخارجية ( مايك بومبيو) ووزير الحرب (مارك إسبر) الأمريكِيَّيْن للهند "لتعزيز التحالف بين الولايات المتحدة والهند ضد الصين في المنطقة"، بمناسبة المحادثات السنوية مع وزير الخارجية ووزير الدفاع الهندِيَّيْن، وكتبت وسائل الإعلام الهندية والأمريكية أن وزراء الحُكُومَتَيْن ناقشوا "قضايا الأمن الإقليمي"، في ظل تعزيز العلاقات في جميع المجالات، وافتخر وزير خارجية الهند بأن حكومته "ستكون الشريك الأهم للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (...) خلال هذا القرن... لنواجه مَعًا العدوان الصيني في جبال الهيمالايا وفي المنطقة..."، ويتوقع أن تبيع الولايات المتحدة صواريخ متطورة للهند التي كان جيشها يتزود تقليديًّا بالسّلاح الرّوسي. أما النزاعات الحدودية بين الهند والصين فإنها مستمرة منذ سنة 1962، وآخرها حوادث حُزيران/يونيو 2020، واستغلت الولايات المتحدة هذه المناوشات لزيادة التعاون العسكري، مع الهند، وبيع مزيد من الأسلحة والطائرات الحربية والصواريخ المتطورة، وتبادل المعلومات الاستخبارية والمزيد من المناورات المشتركة، "لوقف التوسع الصيني"، بحسب وزير الخارجية الأمريكي، الذي شملت جولته الآسيوية الهند وسريلانكا وجزر المالديف وإندونيسيا وفيتنام، فيما كان الجيش الأمريكي يستفز جيش الصين، في المحيط الهادئ، وفي بحر الصين الجنوبي، وهي استفزازات متواصلة منذ سنة 2010...

في السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2020، ترأسَ وزير الخارجية الأمريكي، بعاصمة اليابان (طوكيو) لقاءً جمعه بوزراء خارجية أستراليا والهند واليابان، لبحث "استراتيجية مواجهة الصين في المحيطَيْن الهادئ والهندي"، تبعه لقاء آخر، بعد شهر، عن بُعْد (بالصورة والصّوت)، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية (13/10/2020)، واتفقوا على تكثيف التعاون العسكري وزيادة المناورات العسكرية المشتركة، ورفع مستوى المناورات (أمريكا والهند واليابان وأستراليا، من 17 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020) في المحيط الهندي، لتشمل الغواصات والطائرات والصواريخ الحديثة...



آسيا، اتفاقية التبادل الإقتصادي الشامل:

صرّح "جو بايدن"، يوم العاشر من آب/أغسطس 2020، أمام أعضاء "مجلس العلاقات الخارجية"، عندما كان مُرشّحًا مُحتمَلاً للرئاسة: "عندما يتعلق الأمر بالتجارة، فإما أن نضع نحن قواعد الطريق للعالم أو أن نترك الصين تفعل ذلك، ولا يجب أن نمنحها مركز القيادة، بانسحابنا من الشراكة عبر المحيط الهادئ، ما قد يُلْحِقُ الضّرر بأمننا القومي، وكذلك بعُمّالنا... لا تستجيب الشّراكة عبر المحيط الهادئ لكل طموحاتنا، ولكنها جيّدة، لأنها تحمي مصالح شركاتنا، وتُمكّن الولايات المتحدة وحلفاءها من الحَدّ من تجاوزات الصين... سوف أعمل على حَشْدِ أصدقائنا في كل من آسيا وأوروبا، من أجل الضّغط، بصفة جماعية، على الصين وتقويض نفوذها، من خلال وضع حدٍّ لانتهاكاتها التجارية والتكنولوجية... لن أوقع على أي اتفاق تجاري جديد حتى نقوم باستثمارات كبيرة في عمالنا وبنيتنا التحتية."

كانت أهداف الحزب الدّيمقراطي واضحة، ولا تختلف السياسة الخارجية، مع الحزب الجمهوري (ومع الرئيس دونالد ترامب) سوى في الشّكل.

ركّزت الإمبريالية الأمريكية، خلال العقدَيْن الأخيرَيْن على منطقة شرق آسيا، باعتبارها أحد المراكز الأساسية لرأسمالية القرن الواحد والعشرين، بحسب الدّراسات الأمريكية، وأطلقت الولايات المتحدة، خلال رئاسة "باراك أوباما"، منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 (بالتزامن مع إعلان استراتيجية نقل 60% من القوات العسكرية البحرية الأمريكية إلى المنطقة لحصار الصين) فالمنطقة كانت تُمثّل آنذاك نحو 30% من الاقتصاد العالمي و 2,2 مليار نسمة، وهي اتفاقية على مستوى شرق آسيا أطلقتها منظمة "آسيان" أو رابطة دول جنوب شرق آسيا التي أسّسها حُلفاء أمريكا ( إندونيسيا وماليزيا وتايلند والفلبين وسنغافورة ) في آب أغسطس 1967، والتحقت بها خمسة دول أخرى، ما بين 1984 و 1999، لتظم عشرة بلدان.

بعد ثماني سنوات وثلاثين جولة من المفاوضات التي انطلقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ببادرة من مجموعة "آسيان"، وقَّعت 15 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ على أكبر اتفاق للتجارة الحرة في العالم تحت عنوان "اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" (RECEP- Regional Comprhensive Economic Partnership)، يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بهدف إنشاء أكبر تكتل تجاري عالمي لدول يسكنها أكثر من 40% من سكان العالم، ويعادل حجم اقتصادها نحو خمسين تريليون دولارا، أو نحو 40% الناتج الإجمالي العالمي، وساهمت دول منظمة "آسيان" مع دول أخرى، منها الصّين، في تأسيس اتفاقية الشراكة الشاملة التي أصبحت تظُمُّ الصين واليابان والنهد وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا وفيتنام ولاوس وكمبوديا وتايلند والفلبين وميانمار وسنغافورة وبروناي وماليزيا وإندونيسيا، وتكمن أهمية الإتفاق في اتفاق الصين مع حُلفاء الولايات المتحدة، كاليابان وكوريا الجنوبية على تحقيق أهداف تجارية واقتصادية مُشتَرَكَة، منها توحيد العديد من المَعايير الإقتصادية والتجارية، وحرية التجارة وخفض الرسوم الجمركية تدريجياً على أكثر من 65% من السّلع (باستثناء بعض المنتجات الزراعية، من أجل حماية المزارعين المحليين)، وتشجيع الإستثمار داخل بلدان المجموعة، ومن المتوقع أن ينتفع اقتصاد الصين بنحو 85 مليار دولارا تُضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي الصيني، بفضل تطبيق بنود الإتفاقية، وأعربت حكومة الولايات المتحدة عن عدم رضاها بسبب تخوفاتها من "توسيع نفوذ الصين في منطقة جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ"، وتعزيز العلاقات التجارية للصين مع الدول المجاورة، وتقليص الاعتماد على الأسواق والتكنولوجيا الأمريكية والأوروبية، ما يدعم مبادرة الحزام والطريق التي سوف تجعل من الصين قوة عالمية كبرى، مع دَفْن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي كرّس باراك أوباما جهوده لتأسيسها، وكانت تشكّل الذراع التجارية لحلف شمال الأطلسي"، بحسب وكالة "بلومبرغ" (16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، وفي الواقع فإن للشركات الأمريكية الكبرى فُرُوع في منطقة جنوب شرقي آسيا، ما يُمكنها من الاستفادة من اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، في حال واصلت الولايات المتحدة الإنضمام للإتفاقية التي ساهمت في تأسيسها دول حليفة للولايات المتحدة.

ساهمت التخوفات التي خلقتها أزمة 2008/2009 وأزمة ديون منطقة اليورو، والأزمة الناتجة عن انتشار وباء "كوفيد 19"، في تسريع المفاوضات والإتفاقيات بين دول منطقة آسيا التي كان اقتصادها يعتمد على تصدير السلع الإستهلاكية نحو الإقتصاد الأوروبي والأمريكي المُتأَزِّمَيْن، ويُشكّل الإتفاق نقطة تحول هامة، تجعل اقتصاد الدول الآسيوية يعتمد على المبادلات التجارية الإقليمية، وعلى التّكامل الإقتصادي بين دول جنوب شرق آسيا، في إطار التقسيم العالمي للعمل، لتصبح الصين محورًا ترتبط به اقتصادات آسيا، بما فيها اقتصاد اليابان، التي تمكنت الولايات المتحدة من تدمير اقتصادها، قبل ثلاثة عُقُود، عندما بدأت سياراتها وإنتاجها الصناعي والتكنولوجي يغزو الأسواق الدّاخلية الأمريكية، وتحاول الولايات المتحدة حاليا عرقلة نمو اقتصاد الصين وألمانيا، والدّول التي يمكن أن يغزو إنتاجها الصناعي والتكنولوجي الأسواق الأمريكية، لكن يبدو أن ثقل الاقتصاد الرأسمالي العالمي قد انتقَلَ من "الغرب" إلى "الشّرق"، ما يُشير إلى ميلاد ما تُسمّيه الصين وروسيا "عالم مُتعدّد الأقطاب"، وأدركت القيادات اليمينية اليابانية والكورية (الجنوبية) المُحافظة والموالية لأمريكا، هذا الواقع، لتوافق على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، رغم الإعتراض الأمريكي، ورغم القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة على أراضيها.

فشلت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ ( TPP ) الذي أشرفت عليه إدارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، لتجعل منها طوقًا يُحاصر النفوذ الصيني، وفشلت الإستراتيجيات الأمريكية لمحاصرة الصين، بينما نجحت الصين في جَمْع 14 دولة من أهم اقتصادات آسيا، بعضها لا يزال تحت "الوصاية" الأمريكية، ضمن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة ( RCEP )، التي أيدتها روسيا، بل شاركت كدولة مُراقبة، فيما انسحبت الهند، سنة 2019، من مفاوضات اتفاقية الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة، لأن جُزْءًا من القيادات الهندية، في حزب "بهارتيا جاناتا" وفي حكومة "نانيندرا مودي"، يعتقد أن التحالف مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، واكثر القوى الرجعية في العالم، يمكن الهند من منافسة الصّين، واجتذاب الإستثمارات الأجنبية والتقنيات الأوروبية والأمريكية، لتصبح الهند محورًا لاقتصاد آسيا، في ظل العقوبات أحادية الجانب المفروضة على الصين، وفي ظل زيادة الاستفزازات العسكرية الأمريكية...

يُظهر توقيع الإتفاقية ( RCEP ) من قِبَل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، والدول الأخرى التي "تستضيف" أهم وأضخم القواعد العسكرية الأمريكية، بداية تفَكُّك النفوذ الأمريكي، كجزء من التغييرات العميقة في ميزان القوى الاقتصادي والجيوسياسي لصالح الصين، ولذلك رجحت الدول الصديقة، أو التابعة، للولايات المتحدة، مصالحها الإقتصادية، رغم زيادة عدد وحجم المناورات العسكرية التي تشارك بها جيوش هذه الدول بإشراف أمريكي، كما تُظْهِرُ ثبات الصين على طريق بناء القوة الناعمة، التي تعتمد على الاقتصاد، بدل القوة العسكرية، وقد تُؤَدِّي هذه الإستراتيجية الصينية، على مدى متوسط أو بعيد، إلى تقويض النفوذ الأمريكي، لكن شعوبنا لن تنعَمَ بالهدوء وبالإستقلال والإزدهار، لأن الصين لا تطمح لإرساء بديل للنظام الإقتصادي الرأسمالي العالمي، بل لقيادته، بواسطة الإتفاقيات الثنائية والمُشتركة وبواسطة خطط مثل طرق الحرير الجديدة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة "بريكس" (رغم احتضارها، بسبب وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في الهند والبرازيل).



الشراكة العابرة للمحيط الهادئ

في 30 كانون الأول/ديسمبر 2018 ، دخلت اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ بين 11 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حيز التنفيذ. كانت الولايات المتحدة جزءًا من الاتفاقية الأصلية ، لكن إدارة ترامب انسحبت من الكتلة التجارية.

كانت الهند من مؤسِّسِي حركة عدم الإنحياز، سنة 1955، وقبل ثلاثة عُقُود كانت لا تزال حليفة للإتحاد السوفييتي، ويُزعجها التواجد العسكري الأمريكي في المحيط الهندي، لكن تغيرت الظروف وانهار الإتحاد السوفييتي، وأصبحت الهند من أصدقاء الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، منذ أكثر من عقدَيْن، وبالخصوص منذ فاز حزب "بعارتيا جاناتا" الهندوسي اليميني المتطرف بأغلبية مقاعد البرلمان الإتحادي، وأصبح زعيمه "ناندرا مودي" رئيسًا للحكومة، سنة 2014، ليتعزّز التحالف مع الكيان الصهيوني، ومع الإمبريالية الأمريكية...

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، خبرًا عن مناورات عسكرية في "خليج البنغال" (المحيط الهندي)، تحت إسم "ملبار"، بقيادة الجيش الأمريكي، وبمشاركة جُيُوش الهند وأستراليا واليابان.

سبق أن نشرت وكالة "رويترز"، في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2020 (قبل بضعة أيام من الإنتخابات الأمريكية)، خبرًا بشأن زيارة وزير الخارجية ( مايك بومبيو) ووزير الحرب (مارك إسبر) الأمريكِيَّيْن للهند "لتعزيز التحالف بين الولايات المتحدة والهند ضد الصين في المنطقة"، بمناسبة المحادثات السنوية مع وزير الخارجية ووزير الدفاع الهندِيَّيْن، وكتبت وسائل الإعلام الهندية والأمريكية أن وزراء الحُكُومَتَيْن ناقشوا "قضايا الأمن الإقليمي"، في ظل تعزيز العلاقات في جميع المجالات، وافتخر وزير خارجية الهند بأن حكومته "ستكون الشريك الأهم للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (...) خلال هذا القرن... لنواجه مَعًا العدوان الصيني في جبال الهيمالايا وفي المنطقة..."، ويتوقع أن تبيع الولايات المتحدة صواريخ متطورة للهند التي كان جيشها يتزود تقليديًّا بالسّلاح الرّوسي. أما النزاعات الحدودية بين الهند والصين فإنها مستمرة منذ سنة 1962، وآخرها حوادث حُزيران/يونيو 2020، واستغلت الولايات المتحدة هذه المناوشات لزيادة التعاون العسكري، مع الهند، وبيع مزيد من الأسلحة والطائرات الحربية والصواريخ المتطورة، وتبادل المعلومات الاستخبارية والمزيد من المناورات المشتركة، "لوقف التوسع الصيني"، بحسب وزير الخارجية الأمريكي، الذي شملت جولته الآسيوية الهند وسريلانكا وجزر المالديف وإندونيسيا وفيتنام، فيما كان الجيش الأمريكي يستفز جيش الصين، في المحيط الهادئ، وفي بحر الصين الجنوبي، وهي استفزازات متواصلة منذ سنة 2010...

في السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2020، ترأسَ وزير الخارجية الأمريكي، بعاصمة اليابان (طوكيو) لقاءً جمعه مع وزراء خارجية أستراليا والهند واليابان، لبحث "استراتيجية مواجهة الصين في المحيطَيْن الهادئ والهندي"، تبعه لقاء آخر، بعد شهر، عن بُعْد (بالصورة والصّوت)، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية (13/10/2020)، واتفقوا على تكثيف التعاون العسكري وزيادة المناورات العسكرية المشتركة، ورفع مستوى المناورات (أمريكا والهند واليابان وأستراليا، من 17 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020) في المحيط الهندي، لتشمل الغواصات والطائرات والصواريخ الحديثة...

نشر الحزب الشيوعي الهندي (بفَرْعَيْهِ) بيانًا، يوم الجمعة 30 تشرين الأول/اكتوبر 2020، للتنديد "بالتحالف العسكري الأمريكي الهندي الذي تعزّز بعد اجتماع وزراء الحرب والشؤون الخارجية في حكومتَيْ الهند والولايات المتحدة... في أعقاب التدريبات البحرية المشتركة "مالابار" بين الشركاء الأربعة للرباعية الموجهة ضد الصين، وبعد توقيع اتفاقيات عديدة في مجالات التسلح والأمن والإتصالات والأنظمة الإلكترونية، ( وهي اتفاقيات تجعل) القوات المسلحة الهندية مرتبطة بجيش وأسلحة وتكنولوجيا يتحكم بها جيش الولايات المتحدة ومرتبطة بالخطط الاستراتيجية العدوانية الأمريكية، وهي اتفاقيات تُقَوِّضُ أمن وسلامة واستقلال الهند. أصبح الجيش الهندي يعتمد على الأسلحة والتكنولوجيا والأنظمة التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي... لقد أصبحت السياسة الخارجية الهندية بالفعل أكثر اتساقًا مع المواقف الأمريكية، ضد المصالح الوطنية للهند، ويجب أن تواصل الحكومة المركزية التفاوض مع الصين لحل قضية الحدود وعدم اتباع الإستراتيجية الجيوسياسية الأمريكية في آسيا..."



خَلْفِيّة تاريخية:

أصبحت الولايات المتحدة قوة عسكرية في المحيط الهادئ منذ القرن التاسع عشر، حيث احتلّت بعض المناطق والجُزُر لتضُمّها إلى "مُمتلكاتها"، وتُشير معظم البحوث التاريخية إلى الحروب الأمريكية الإسبانية، وإلى هزيمة الإستعمار الإسباني في الفلبين (ما أبْعَدَ الفلبين عن أمريكا الشمالية!! )، بنهاية القرن الثامن عشر، كبداية للحضور العسكري الأمريكي في هذه المنطقة من آسيا، لكن، بدأت هيمنة البحرية العسكرية الأمريكية، بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، منذ سنة 1783، وفي غربي حوض البحر الأبيض المتوسط، منذ بداية القرن التاسع عشر، لذا فإن الطّموحات العسكرية وُلِدَتْ مع ميلاد دولة الولايات المتحدة، وتَعَزّزت هيمنتها على البحار، وعلى معظم مناطق العالم (أوروبا الغربية وآسيا، فضلاً عن أمريكا الجنوبية) في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي دَمّرت أوروبا والإتحاد السوفييتي واليابان...

عاد الإهتمام بمنطقة جنوب وشرق آسيا، بعد سنوات من هزيمة الجيش الأمريكي بفيتنام ولاوس وكمبوديا (نيسان/ابريل 1975)، وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وصُعود الصين كقوة اقتصادية عالمية تُنافس الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتزَمَ "باراك أوباما"، منذ 2008، "بإعادة التوازن الآسيوي" وجعل منه محورًا رئيسيًّا لسياسته الخارجية، بهدف تطويق واحتواء الصين وتقويض نفوذها الاقتصادي في المنطقة وإجبارها على الخضوع للمطالب وللشُّرُوط الأمريكية.

حاولت الولايات المتحدة، بين 2008 و 2016، من خلال اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، دمج اقتصادات وكذلك جيوش منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لتنافس النفوذ الصيني في آسيا (وفي إفريقيا أيضًا، عبر البرنامج العسكري "أفريكوم")، ولتضمن الولايات المتحدة بذلك تفوقها على الصين.

اعتبرت السّلطات الأمريكية، منذ فترتَيْ رئاسة "بيل كلينتون" (1993 - 2001) أن الصين تمثل تحديا اقتصاديا وعسكريا، وظهر ذلك بجلاء خل ما سمي "أزمة مضيق تايوان" ( 1995-1996 )، وندّدت الصين، منذ سنة 1999، بتكثيف أنشطة التجسس الأمريكية، عبر الطائرات والمحطات الفضائية، وتزامن تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والهند، مع تكثيف الإستفزاز الأمريكي تجاه الصين، وبدأت أمريكا نَقْلَ حاملات الطائرات الهجومية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ ونَشْرَ نحو 60% من الغواصات الأمريكية في المحيط الهادئ، غير بعيد عن الصّين، ومع تكثيف الإعتماد على مرتزقة الشركات الخاصة، الذي بدأ أثناء احتلال العراق، ثم عاد بكثافة، خلال فترة رئاسة باراك أوباما، والتّعاقد من الباطن مع جيوش دول الحُلفاء (والشُّرَكاء) المَحَلِّيِّين، لينفذوا المهام التي تخدم مصالح الإمبريالية الأمريكية. أما الصين فقد ركّزت، منذ 2009، على تطوير وسائل الدّفاع العسكري، وعلى منع وصول الجيش الأمريكي (وحلفائه ) إلى المياه الإقليمية أو الحدود البرية والجوّية الصينية، خصوصًا بعد تكاثر المناورات الاستفزازية الأمريكية على حدود الصين (وكذلك على حدود روسيا) وافتعال الاشتباكات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي والشرقي، وبالمناسبة أعادت الولايات المتحدة نَشْر قُواتها في اليابان (35 ألف جندي مُعْلَن) وكوريا الجنوبية (28500 جندي مُعلَن) ونَشْرَ وتخزين معدّات وأسلحة وذخائر جديدة، منها الأسلحة النووية، رغم مُعارَضة المواطنين لتواجد القواعد الأمريكية، كما زادت، منذ 2012، من عدد التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، ومن عدد الطائرات والصواريخ والسفن الحربية في سنغافورة والفلبين وتايلندا وأستراليا، وأطلقت أشغال تعميق ميناء "كام رانه" الفيتنامي، وبلغ عدد السفن الحربية الأمريكية في منطقة أسيا والمحيط الهادي، حوالي 180 سفينة من إجمالي نحو 300 سفينة حربية رئيسية، بالإضافة إلى الغواصات النووية وست حاملات طائرات (من إجمالي 11 ) ومئات الطائرات المقاتلة، ونقْل أربع مُدمّرات، من أوروبا إلى آسيا والمحيط الهادئ، من إجمالي عشرة يمتلكها الجيش الأمريكي في أوروبا.

أصدر باراك أوباما في الخامس من كانون الثاني/يناير 2012، وثيقة بعنوان "استدامة القيادة العالمية - أولويات الدّفاع في القرن الحادي والعشرين"، أشْرَفَ على إعدادها وزيره للحرب "ليون بانيتا" ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال "مارتن ديمبسي"، وتُشير الوثيقة إلى الإهتمام الخاص بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإلى ضرورة "إعادة التوازن، وقطع الطّريق امام النّوايا العدوانية للصين".

بعد حوالي ثلاثين شهر، في الثاني والعشرين من آب/أغسطس 2012، أعلن الجنرال "مارتن ديمبسي" نفسه، مع "تشاك هاجل"، الذي أصبح وزيرًا للحرب، بداية من شهر شباط/فبراير 2013، "ضرورة التصدّي لداعش، واستئناف العمليات العسكرية في العراق، لإلحاق الهزيمة بالجماعات الإرهابية، وإعادة الانتشار في الشرق الأوسط، لأننا قلقون مما يحدث في سوريا وفي ليبيا".

تفرض مثل هذه التصريحات، بشأن الوطن العربي، بعض التّساؤلات: أليس العراق مُحتلاًّ منذ 2003؟ ألم تُدَرِّب المخابرات العسكرية الأمريكية الإرهابيين بالعراق للتصدّي للمقاومة الوطنية، بين 2003 و 2006؟ الم تقصف الصواريخ الأمريكية والأطلسية ليبيا ثم سوريا، قبل احتلالهما، ولإطلاق العنان للمجموعات الإرهابية؟ الم تَفْرِض الولايات المتحدة حصارًا على ليبيا واليمن وسوريا، لمَنْعِ دُخول الوقود والغذاء والدّواء وغيرها من السّلع الضّرورِيّة؟ أما في آسيا فإن المخابرات الأمريكية أشرفت على المجازر التي ارتكبتها المليشيات الإسلامية والقوات المسلحة (المُدَرّبَة أمريكيا) ضد من اعتبرتهم الإمبريالية الأمريكية "شيوعيين" في إندونيسيا وماليزيا، سنة 1965، قبل اقتطاع سنغافورة من ماليزيا، بمساعدة بريطانيا، لتصبح قاعدة أمريكية، إيديولوجية وثقافية وعسكرية...



التحالف الأمريكي - الهندي:

استمرت الحكومة اليمينية بقيادة أتال بيهاري فاجبايي (1924-2018) من عام 1998 إلى عام 2004 ، وكانت إيذانا بنقطة تحول في تطوير العلاقات الهندية الأمريكية، وفي العام 2004 ، فاز تحالف بقيادة حزب المؤتمر وأطلق عليه اسم "التحالف التقدمي المتحد" في الانتخابات، فتعززت العلاقات بين الولايات المتحدة والهند، في ظل حكومة رئيس الوزراء مانموهان سينغ ، بين سنَتَيْ 2004 و 2014، وتضاعفت المناورات العسكرية المشتركة، ومنحت اتفاقية "الأجواء المفتوحة" في كانون الثاني/يناير 2005 الطائرات الأمريكية الحق في عبور الأجواء الهندية وإنشاء خطوط مباشرة بين أي من مدن البلدين، واشترت الخطوط الجوية الهندية خمسين طائرة "بوينغ 787 دريملاينر"، سنة 2005، وبالتوازي مع تطور العلاقات الهندية الأمريكية، تطورت علاقات الهند (قبل وصول اليمين المتطرف للسلطة) مع حلفاء أمريكا، وفي مقدمتهم اليابان وأستراليا، كما تعززت العلاقات الهندية الصهيونية، خلال فترة حكم الإئتلاف الذي يقوده "حزب المؤتمر" (المحسوب على التقدمية)، ومنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الدولَتَيْن، سنة 1991، أي منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وقبل اتفاقيات أوسلو.

أصبحت الولايات المتحدة، منذ سنة 2002، الشريك التجاري الأساسي للهند، ففي غضون عشر سنوات ، تضاعفت صادرات الولايات المتحدة إلى الهند ثلاث مرات، من 2,8 مليار دولار، سنة 1992، إلى 6,4 مليارات دولارا، سنة 2002، بينما تضاعفت واردات الولايات المتحدة من الهند ثلاث مرات ونصف، من أربعة مليارات دولار إلى 14 مليار دولار، خلال نفس الفترة.

من جهة أخرى تستغل الشركات الأمريكية العابرة للقارات العدد الضخم للسكان، وارتفاع حجم الفئات الوسطى، المُستهلكة للسلع الأجنبية، وتستغل كذلك انخفاضص رواتب العاملين، لتُنْشِأ فُروعًا لها بالهند، وتتواجد شركات السلع الاستهلاكية الأمريكية بشكل متزايد في الهند، منها Mc Donald s و Dominos و Pizza-Hut و Pepsi و Coca-Cola و Reebok و Nike و Avon... كما أنشأت معظم شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية مراكز للبحث والتطوير في الهند، إذ تستفيد شركات الأبحاث الأمريكية أو شركات التكنولوجيا الفائقة، مثل Apple ، و IBM ، و Hewlett-Packard ، و Compaq ، و Microsoft ، و Oracle ، وكذلك جنرال إلكتريك ، وتكساس إنسترومنتس ، من مهارات المهندسين الهنود ، برواتب منخفضة للغاية ، مقارنة برواتب الباحثين والمهندسين في الولايات المتحدة، ونقلت العديد من المصارف، مثلAmerican Express و Citibank و Lehman Brothers ومُصَنِّعي السيارات مثل Ford و General Motors أقسام الحسابات والمحاسبة إلى الهند، وقامت العديد من شركات الخدمات، بما في ذلك "Convergys Corps" ، أكبر شركة أمريكية لـ "مراكز الاتصال" بتأسيس شركة تابعة لها بالهند منذ أكثر من عشرين عامًا، وإلى جانب هذا الجيش من المهندسين وأصحاب الخبرات الذين يعملون بالهند، لدى الشركات الأمريكية، يُهاجر سنويا، وبشكل قانون، نحو 85 ألف مهندس أو طبيب أو مستشار مالي هندي أو أشخاص بمستوى "الماجستير" أو أعلى، إلى الولايات المتحدة، ويقدر عددهم بثلاثة ملايين سنة 2018.

نشر الحزب الشيوعي الهندي (بفَرْعَيْهِ) بيانًا، يوم الجمعة 30 تشرين الأول/اكتوبر 2020، للتنديد "بالتحالف العسكري الأمريكي الهندي الذي تعزّز بعد اجتماع وزراء الحرب والشؤون الخارجية في حكومتَيْ الهند والولايات المتحدة، في أعقاب التدريبات البحرية المشتركة (مالابار) بين الشركاء الأربعة للرباعية ( الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا) الموجهة ضد الصين، وبعد توقيع اتفاقيات عديدة في مجالات التسلح والأمن والإتصالات والأنظمة الإلكترونية، وهي اتفاقيات تجعل القوات المسلحة الهندية مرتبطة بجيش وأسلحة وتكنولوجيا يتحكم بها جيش الولايات المتحدة ومرتبطة بالخطط الاستراتيجية العدوانية الأمريكية، وهي اتفاقيات تُقَوِّضُ أمن وسلامة واستقلال الهند. أصبح الجيش الهندي يعتمد على الأسلحة والتكنولوجيا والأنظمة التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي... لقد أصبحت السياسة الخارجية الهندية بالفعل أكثر اتساقًا مع المواقف الأمريكية، ضد المصالح الوطنية للهند، ويجب أن تواصل الحكومة المركزية التفاوض مع الصين لحل قضية الحدود وعدم اتباع الإستراتيجية الجيوسياسية الأمريكية في آسيا..."، بحسب بيان الحزب المنشور على موقعه يوم 30/10/2020.

يتجلى هذا التقارب مع الولايات المتحدة بشكل خاص من خلال المناورات العسكرية المشتركة التي يقوم بها الجيشان بانتظام، ومن خلال اجتماعات دَوْرِيّة، تُسمّى حوار "2 + 2" بشأن التعاون الدبلوماسي والعسكري، وعُقد اجتماع في دلهي في تشرين/اكتوبر 2020، ضم وزيري الدفاع والشؤون الخارجية الهندي والأمريكي، بهدف تعزيز التعاون في المجال العسكري، وشراء جيش الهند المعدات الأمريكية للوصول إلى الاتصالات السرية و رموز الملاحة، "وتحسين الموارد العسكرية الهندية في سياق الصراع مع باكستان أو الصين، ولا سيما أثناء المواجهة في دوكلام أو في البنجاب..." بحسب موقع "تايمز أوف آسيا" (30/10/2020)، وأعلنت حكومة الهند، اليمينية المتطرفة، تجهيز جيشها بمعدات أمريكية جديدة، بقيمة (مُؤقّتة) 16 مليار دولار، وسيتم تعزيز التعاون القائم بين الجَيْشَيْن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لتصبح الهند في خدمة الإستراتيجية الأمريكية، ضد الصين وروسيا، رغم تواجدها معهما في مجموعة "بريكس".



العلاقات الهندية الصهيونية:

زار رئيس الوزراء الصهيوني "أرييل شارون" نيودلهي، في أيلول/سبتمبر 2003، في ظل الحكومة اليمينية، لكن استمَرَّ التعاون العسكري بين الجيشين بعد سقوط الحكومة اليمينية سنة 2004، وبعد وصول حكومة "مانموهان سينغ" بدعم من الحزب الشيوعي (دون مشاركة الحزب في الحكومة)، وقدمت الحكومة تنازلاً وحيدًا للشيوعيين، تمثل في تعليق المناورات العسكرية المشتركة بين الجيْشَيْن، لكن تعززت علاقة الهند مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، على مر السنين، في المجالات العسكرية والفضائية والنووية والتجارة والتكنولوجيا العالية والسياحة وغيرها، لكن الولايات المتحدة لا تتنازل، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2004، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مهندسَيْن هنديّيْن متقاعدَيْن يشتبه في مساعدتهما إيران على تطوير برنامجها النووي، فيما تُعَوّل الهند على مساعدة الولايات المتحدة لشغل مقعد دائم بعد إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، رغم اعتراض الصين.

تستورد الهند أسلحة وعتادًا وتجهيزات عسكرية وتقنيات حربية من الكيان الصهيوني منذ سنة 1992، كما اتفقت حكومتا الهند والكيان الصهيوني، منذ كانون الأول/ديسمبر 2004، على تطوير التعاون العسكري، وعلى الإنتاج المُشترك لصاروخ باليستي، وارتفعت وتيرة التعاون العسكري والإقتصادي بشكل منتظم، وتعددت زيارات قادة سلاح الجو وسلاح البحرية الهندية لفلسطين المُحتلّة، كما تنعقد محادثات منتظمة بين وزراء الحرب في الحكومَتَيْن، وارتفعت كذلك وتيرة التعاون في مجالات الأمن والتّجسّس وتبادل المعلومات، ضمن أرع مجموعات عمل مشتركة، أهمّها تتعلق ب"مكافحة الإرهاب"، تبعًا لثلاث اتفاقيات أمْنِيّة وُقِّعَتْ في شباط/فبراير 2014، وتُشرف المخابرات والشرطة الصهيونية والجيش على تدريب طلبة أكاديمية الشرطة الهندية بحيدر أباد، وعلى ضباط جيش الهند، وكتب موقع صحيفة "تايمز أوف إنديا"، يوم 24 أيلول/سبتمبر 2020، خبرًا عن اجتماع مجموعة عمل "لتعزيز الشراكة العسكرية بين الهند (والكيان الصهيوني)، برئاسة وزيرَيْ الحرب في الحكومَتَيْن، مع التّركيز على مجالات الصناعات العسكرية ونقل وأمْن التكنولوجيا، وغير ذلك..."، وكانت الهند قد اشترت أنظمة الصواريخ الصهيونية "باراك - 8" (أرض- جو )، ويعتبر الكيان الصهيوني رابع أكبر مُوَرِّد للسلاح للهند، بقيمة تفوق المليار دولارا سنويًّا...

معظم البيانات الواردة بشأن الهند من موقع "المسح الإقتصادي" (موقع حكومي) للفترة 2004 - 2019



خاتمة:

تزدتد أهمية آسيا، كلما احتدّ الصراع بين الولايات المتحدة والصين، وتمثل الهند حلقة رئيسية في شبكة العلاقات التي تنسجها الولايات المتحدة بهدف احتواء أو لَجْمِ طموحات الصين، التي تستخدم الممرّات المائية في المحيط والهادئ والهندي، في مبادلاتها التجارية مع العالم، وتمكّنت الولايات المتحدة، خلال السّنوات الأخيرة من ضَمّ الهند إلى المحور العُدْواني، التي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، بالإضافة إلى الهند، مؤخّرًا، أو ما يُسمّى "كواد"، الذي يتكامل دوره مع ارتفاع عدد المناورات البحرية والبرّية في المنطقة...

تسعى حكومة الهند إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري في جنوب آسيا، وفي العالم، وتطابقت أهدافها مع أهداف الإمبريالية الأمريكية التي تبحث عن وكيل قَوي وموثوق في منطقة المُحيطَيْن الهندي والهادئ، لمُقارَعَة الصّين، وبدأت أمريكا اختبار الهند بإدماجها في أفغانستان التي يحتلها جيش أمريكا وحلفائها، فضلاً عن التّقارب الإيديولوجي، بين حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم منذ 2014، والإيديولوجيا العنصرية والإستعلائية السائدة في أمريكا الشمالية.

على الصعيد العسكري، كان الجيش الهندي يستخدم السلاح السوفييتي، واستعاض عنه، تدريجيا، بالسلاح الأمريكي، وأصبحت الولايات المتحدة تعتبر الهند "شريكاً إستراتيجياً مُهِمًّا قادرًا على عرقلة الطموحات الصينية"

أما بشأن قضايانا العربية، نُذَكِّرُ بدعم الهند التّاريخي للشعب الفلسطيني، ومعارضة الهند قرار تقسيم فلسطين (القرار رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947)، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ثم بدأت العلاقات الصهيونية الهندية تنمو، منذ 2004، وتطورت بشكل سريع، منذ 2014، وحصول حزب بهارتيا جاناتا وزعيمه نانيندرا مودي على أغلبية نيابية، تمكنه من قيادة الهند، وتطوير العلاقات مع الكيان الصهيوني الإستعماري العنصري، بدعم من الولايات المتحدة.

أوردت وكالة "بلومبرغ" يوم الرابع من كانون الثاني/يناير 2021، تعليقًا عن زيادة التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة والهند "إلى مُستويات تاريخية"، بسبب انعدام الثقة المتبادل مع الصين، وتعززت الاتفاقات العسكرية والتعاون الاستخباراتي بين أمريكا والهند، خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2020، بالتزامن مع احتداد أزمة النزاع الحدودي بين الهند والصّين، وكانت الهند قد وقّعت مع الولايات المتحدة "الاتفاق الأساسي للتبادل والتعاون" ( BECA ) في تشرين الأول/اكتوبر 2020، ويسمح هذا الاتفاق لوكالات الاستخبارات الأمريكية، مثل "وكالة الاستخبارات العسكرية" DIA و"الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية"NGIA، أن تزود الهند ببيانات وبمعلومات استخباراتية تتعلق بتَتبّع حركات جيش الصين.، وأصبحت الولايات المتحدة تعتمد على الهند وتعتبرها أحد الركائز لتحقيق الأهداف الأمريكية في جنوب وشرق آسيا...

ورد في برقية لوكالة "رويترز" يوم 20 آذار/مارس 2021 أن وزير الحرب الأمريكي، الجنرال "لويد أوستن" يُعلّق آمالاً كبيرة على جيش الهند لتشكيل تحالف للبلدان التي تتصدي لنفوذ الصين في المنطقة.

نشرت مجلة "فورين أفيرز" (20/09/2020) مقالا عن العلاقات الأمريكية الهندية، خلال رئاسة ترامب ومودي، وبينت بالأرقام، تَفَوُّقَ الولايات المتحدة على الصين، منذ سنة 2019، كأكبر شريك تجاري للهند، إذ تراجعت قيمة التبادل التجاري بين الهند والصين (منذ 2018) لتصل سنة 2019 إلى 84 مليار دولار، في حين ارتفع حجم التبادل مع الولايات المتحدة ليصل إلى 143 مليار دولار، وبذلك أصبحت الهند تاسع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة.

في داخل الهند، تواجه حكومة حزب باهاتريا جانات (اليميني المتطرف) وزعيمه نانيندرا مودي، حركة احتجاج الأُجراء والفلاحين، وجابتهتها أجهزة الدّولة بالقمع وبالكذب الإعلامي، ورَوّجت حكومة "نانيندرا مودي" وحزْبُهُ الحاكم، ونوابه بالبرلمان، أن تجمُّع الفلاحين على أطراف العاصمة هو السّبب الرّئيسي لانتشار وباء كوفيد 19، ولم تتخذ السّلطات أي إجراءات صِحِّيّة، رغم ارتفاع عدد حالات الوفاة إلى اكثر من 200 ألف، يوم الأحد 25 نيسان/ابريل 2021، بل ركّزت على قَمْع كافة أشكال المُعارضة باستخدام العُنف، فيما يواصل الحزب الحاكم اجتماعاته الانتخابية دون حماية صحية، ويُواصل دُعاة الدّين السياسي (الهندوسي) تجمعاتهم، بالتوازي مع اهتمام حركة الفلاحين بالصحة العامة للسكان، وبتطعيم كل من يتواجد بمخيمات الإحتجاج على مداخل العاصمة، وفي المناطق الأخرى من البلاد، ويوزع الفلاحون الأقنعة والمعدات الطبية على نطاق واسع في جميع الأماكن التي يحتلونها، كما ذهب الفلاحون وأنصارهم إلى محطات الحافلات والقطارات حاملين أكياس طعام لتوزيعها، ودَعَوْا العمال غير المستقرين إلى عدم العودة إلى قُراهم الأصلية، بل إلى مقاومة السلطة، والإنضمام إلى حركة الفلاحين، في مخيماتها، والاستقرار بها، بالإضافة إلى ذلك ، فتح الفلاحون أيضًا مقاصف وقدموا وجبات مجانية في معسكراتهم للعمال المطرودين من دلهي، اعتبارًا من 20 نيسان/أبريل 2021، مع ضمان الغذاء المجانين في المُخَيّمات، لفترة ستة أشهر، لتوسيع رقعة الإحتجاجات ضد الحكومة المُعادِية للعاملين وللفُقَراء.

لقد تحولت أماكن تعبئة الفلاحين ومخيماتهم إلى مراكز للرعاية الصّحّيّة وللتلقيح والعلاج، وأماكن استقبال وطعام وإيواء للعمال غير المستقرين والعمال "المهاجرين"، وتحشد حركة الفلاحين الفئات المحرومة والفقيرة، تحسُّبًا لأي هجوم غادر ومفاجئ، محتمل من قبل الحكومة، وبذلك تمكّنت حركة الفلاحين من اكتساب أبعاد جديدة، وأهمية وطنية، وتشكيل ما يُشْبِهُ السُّلُطات المُوازية، تضع السّلطات السياسية في موقف حَرج. من جهة أخرى دعت حركة الفلاحين إلى مسيرة وتجمّع أمام البرلمان، خلال النصف الأول من شهر أيار/مايو 2021.

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن