فوكوياما : (( الاشتراكية يجب أن تعود ))

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 5 / 4

عند انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينات من القرن العشرين عمت البهجة صفوف المدافعين عن الرأسمالية حيث تحدثوا عن موت الاشتراكية والشيوعية وقالوا ان الليبرالية انتصرت وان النصر للرأسمالية . وبهذا الصدد فقد اصدر الأمريكي ذو الأصل الياباني ( فوكوياما ) كتابه الشهير بعنوان ( نهاية التاريخ والانسان الأخير ) في عام 1992 والذي اثار ضجة كبيرة بين مؤيد ومعارض . واشار في كتابه بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 الى ان ما نشهده الان هو ليس نهاية الحرب الباردة او مرور فترة معينة لمرحلة ما بعد الحرب وانما هو نهاية للتاريخ وبوضع حد للأفكار الايدلوجية في التاريخ الانساني وانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية الغربية.
تقوم نظرية فوكوياما حول نهاية التاريخ على ثلاثة عناصر رئيسة هي :
العنصر الأول : ان الديمقراطية المعاصرة بدأت في النمو منذ بداية القرن التاسع عشر وانتشرت بالتدريج كبديل حضاري في مختلف انحاء العالم للأنظمة الدكتاتورية.
العنصر الثاني : ان فكرة الصراع التاريخي المتكرر بين ( السادة ) و ( العبيد ) لا يمكن ان يجد له نهاية واقعية سوى في الديمقراطيات الغربية واقتصاد السوق الحر .
العنصر الثالث : هو ان الاشتراكية الراديكالية اة الشيوعية لا يمكنها لأسباب عدة ان تتنافس مع الديمقراطية الحديثة, وبالتالي فإن المستقبل سيكون للرأسمالية.
ويرى فوكوياما ان التاريخ قد انتهى حتى وان عادت نظم استبدادية للحكم في مكان ما وان الديمقراطية كنظام وفلسفة ستقوى اكثر من قبل .
ومما يدل على فشل نظرية فوكوياما هو نجاح الحركات اليسارية في امريكا الجنوبية وغيرها ونجاح الثورات الشعبية في عدد من البلدان .
فوكوياما يعيد النظر في افكاره :
اعاد فوكوياما النظر في افكاره مؤكدا على ان الاشتراكية يجب ان تعود . فبعد ان كان رأيه ان الاشتراكية قد فشلت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وان النظام الاجتماعي والاقتصادي الوحيد الممكن هو الرأسمالية او ( اقتصاد السوق الحر ) . ولكنه عاد في مقال اخر نشر في مجلة ( The New States man ) في 17 اكتوبر 2018 حيث ذكر رأيا آخر : (( ما قلته آنذاك ( 1992 ) هو ان احدى المشاكل المتعلقة بالديمقراطية الحديثة هي انها توفر السلام والازدهار , لكن الناس يريدون اكثر من ذلك ... فالديمقراطيات الليبرالية لا تحاول ان تحدد ماهية الحياة الجيدة , لقد تركت تلك المهمة للأفراد الذين يشعرون بالغربة , بدون هدف , وهذا هو السبب في ان انضمامهم الى تلك المجموعات الهوياتية يمنحهم بعض الشعور بالانتماء )) وقال ان منتقديه (( ربما لم يقرأوا حتى النهاية الكتاب ( نهاية التاريخ ) اي القسم المتعلق بالإنسان الأخير والذي يناقش في الحقيقة بعض التهديدات المحتملة التي تواجهها الديمقراطية )) .
سبق لـ فوكوياما أن دعم حرب العراق , لكنه بحلول عام 2003 توصل الى انها كانت خطأ في السياسة الأمريكية , كما انه اصبح ينتقد بعض الأفكار النيوليبرالية كالمطالبة بإلغاء القيود على القطاع المالي التي كانت مسؤولة جزئيا عن الانهيار الاقتصادي الكارثي في عام 2008, كما انه منتقد لليورو او على الأقل ( لطريقة خلقه الخاطئة ) .
وسألت المجلة (The New States man ) فوكوياما : كيف يفسر عودة اليسار الاشتراكي الى الواجهة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ؟ فأ جاب : (( كل هذا يتوقف على ما تعنيه الاشتراكية , لا اعتقد ان الملكية العامة لوسائل الانتاج ستنجح باستثناء المجالات التي تكون فيها مطلوبة بوضوح مثل المرافق العامة . اما اذا كانت تقصد برامج اعادة التوزيع التي تحاول تصحيح هذا الخلل الكبير الموجود في كل من الدخل والثروة فنعم . انا لست فقط اعتقد انها يمكن أن تعود , بل يجب أن تعود . وأضاف فوكوياما في المقابلة مع المجلة المشار اليها آنفا : (( في هذا المنعطف الذي نمر به , يبدو لي أن بعض الأشياء التي قالها كارل ماركس يتضح انها صحيحة , لقد تحدث عن أزمة فائض الانتاج ... وان العمال سيصيرون اكثر فقرا وانه لن يكون هناك طلب كاف )) .فـ ( فوكوياما ) المدافع البارز عن الرأسمالية والمنتقد الشرس للاشتراكية يعترف صراحة بأن التحليل الماركسي للأزمة الرأسمالية كان صحيحا , وان السعي الجامح لاقتصاديات السوق الحرة نحو الربح ادى الى افقار جماعي لا من جهة والى الهيمنة الكاملة على العالم من قبل الأوليغارشية الرأسمالية المتوحشة والفاحشة الثراء من جهة اخرى . وتوصل فوكوياما الى انه يجب ممارسة الرقابة على الاقتصاد مستنتجا ان الملكية الخاصة لوسائل الانتاج هي التي فشلت او بالأحرى انها تعمل على حساب التقدم الاقتصادي والاجتماعي لا وتسبب البؤس والفقر والمآسي للغالبية العظمى من البشر .
ان المستقبل لا ينتمي الى البرجوازية العاجزة والمفلسة التي لا يمكنها ان ترى ابعد من انفها , بل للقوة التقدمية الوحيدة في المجتمع , تلك القوة التي وجدها من ينتج كل ثروة المجتمع أي الطبقة العاملة ومن خلال تجربتها الخاصة ستفهم هذه الطبقة ان السبيل الوحيد للتقدم هو السير في طريق الاشتراكية الحقيقية وسلطة العمال .
وكما شخص الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه فإن الاشتراكية ونظامها في الاتحاد السوفياتي السابق استطاعت ان تنقل مجتمعات عديدة من حالة التخلف والعوز والاستقطاب الاجتماعي الفاقع، متجاوزة لمراحل تاريخية بكاملها، وصولا الى بناء مجتمعات جديدة قائمة على مبادئ العدالة والمساواة. وتم
تحقيق مكاسب مهمة على صعيد الاقتصاد والمجتمع لشعوب هذه البلدان (التعليم، الصحة، النقل المجاني السكن ...). كما هناك مكاسب وانجازات على الصعيد الاجتماعي.
و تحققت على صعيد حركات التحرر الوطني نتائج تمثلت في تفكيك النظام الكولونيالي وتحقيق الاستقلال السياسي، كل ذلك لم يكن ممكنا الا بفضل وجود الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وافضى ذلك الى نشوء نظام القطبية الثنائية الذي شل ايدي الضواري الاستعمارية ومنعها من مواصلة تنفيذ مشاريعها ومخططاتها لتدمير كفاح شعوب البلدان النامية وتطلعاتها من اجل السلم والحرية والتقدم الاجتماعي.
- ثمة انجاز كبير تدين به البشرية للاتحاد السوفيتي (السابق)، هو الحاق قوات الجيش الاحمر السوفياتي هزيمة مذلة بالنازية والفاشية. ورغم التحالف الدولي الذي نشأ اثناء الحرب ضد المحور النازي – الفاشي الا ان دور الجيش الاحمر كان حاسما في الحرب العالمية الثانية بتخليصه البشرية من كل آثام النازية والفاشية وشرورهما.
و على مدى خمسين عاما استطاعت هذه المنظومة، بما حققته من انجازات على الصعيد العسكري، ان تمنع الامبريالية من تنفيذ الكثير من مشاريعها ومخططاتها. لكن، بعد الانهيار وبالتالي نشوء نظام القطب الواحد تغيرت الأمور وبالمقابل، تكفي المقارنة بين الوضع الراهن، حيث تهيمن رأسمالية منفلتة، وبين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة قبل ذلك، ليستنتج حتى الانسان العادي الفروقات الكبيرة. فقد ارتبطت عمليات التحول نحو الرأسمالية في هذه البلدان بالتكاليف الاجتماعية الهائلة وما أرتبط بذلك من نتائج سلبية. على سبيل المثال، عند تطبيق سياسة " العلاج بالصدمة " في روسيا في أوائل التسعينات، صرح أناتولي تشوبايس أحد منظري الخصخصة في روسيا بأن هدف عملية الخصخصة هو خلق " ملايين المالكين ". غير أن الذي حدث في الواقع هو أن " الإصلاحات " المزعومة أسفرت عن فوضى اقتصادية شاملة. فبدلاً من ظهور " ملايين المالكين " ، كما زعم تشوبايس، ظهر عشرات الملايين من الجياع وانخفض الناتج الوطني الإجمالي من عام 1991 الى سنة 1998 بنسبة 50%، وبلغ الانخفاض في الصناعة 50% وفي الزراعة 60%. .اذن ما زالت الاشتراكية هي أمل الشعوب ومستقبلها وغدها المشرق .

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن