الصورة الملازمة والصورة المفارقة؛ من الحقيقة إلى الحق

نايف سلوم
2021 / 5 / 4

"لأنّ الحقّ لا يبطل فهو جديد قائم أبداً!"
يقول ابن رشد في تلخيص "ما بعد الطبيعة" لأرسطو بشرح الاسكندر الأفروديسي وثامسطيوس، في المقالة الموسومة بحرف اللام Lamda (11) من مقالات "ما بعد الطبيعة": "إنّ الصور ليست بكائنة ولا فاسدة إلا بالعَرَض، وأنّه لمكان هذا (في هذا المكان) ليس للصور الأفلاطونية غناء في الكون، إن كانت موجودة أعني الصور المفارقة التي يقول بها أفلاطون. ويبيّن أيضاً أنّ الكليّات (المقولات) ليست بجواهر موجودة خارج النفس، وإن كانت تدلّ على جواهر، وأنّ الصور جواهر على أنّها اسطقس (عنصر)، وعلى أنّها مركّبة من اسطقسات (وعلاقات بينها)، بل على أنها جوهر ثالث (جوهر في الفكر؛ فكر موضوعي جوهري). واستقصى الفرق بين الجوهرين (الفكر الموضوعي والواقع الموضوعي) ثم بيّن فصول الجواهر الأُوَل وميّز أجزاء الصور من أجزاء الهيولى وهذا كلّه فَعَله في المقالة التي عليها حرف الواو(6) وفي المرسوم عليها حرف الزاي (7) " وقد اعترضت هذه المسألة أفلاطون، فيما يتعلق بالانتقال من المُحسّ إلى المثال، (ومن المثال إلى الحدس الشخصي والمبادرة الاجتماعية-التاريخية). وكان للجدل العكسي (الهابط) الوارد في محاورات "الجمهورية" و"فيدروس" و"المأدبة" تأثير عظيم على فيلون الإسكندري، إذ وصف هو هذا التعمّق الداخلي الذي يقود من المظاهر إلى الحقيقة، ومن الصورة إلى النموذج. ومن التأكيد النظري إلى الإيمان، مع أنّ "الإيمان ليس مكوّناً من تأكيد نظري، أو من معرفة (فحسب)، بل هو مكوّن من إرادة عاملة، تنسحب من الأشياء لتُعيد أو تُرجع إلى الله جميع قواها" . ونقطة البداية أنّ المُحسّ (المحسوسات) غامض وغير محدود، وعندئذٍ تتجه "عين النفس" إلى العالم المعقول، فتفتحه بعسر وعناء وتنقشع الظلمات. لكنّها ترى أن العالم المعقول(المعنى) محكوم بغيره (غاية المعنى)، فتجتهد (النفس) في السيّد الذي يحكمه" والأمر عند فيلون –بعكس الرواقيين-حيث العالم هو سير عضو عقلي جديد في طريق التقدم المستمر نحو الكمال، "بنظرة من الفكر" متجهاً إلى مصيره، وهو التأمّل في عالم آخر، غير العالم المُحسّ؛ عالم تخيُّلي. ومن ثم لم يكن عند الرواقيين إلا تجربة واحدة، أمّا عند فيلون فتوجد تجربتان، صورة الحقيقة الملازمة للعالم القائم، وصورة الحقّ؛ صورة الكون الجديد القادم. ويتعيّن الوصول تدريجياً إلى تجربة العالم الأعلى (الكون التخيُّلي)"
يتحدّث أرسطو عن صور ملازمة للكون الممكن الوجود (ماهية تحتمل الوجود أو العدم لجوهر كائن-فاسد)، وهنا تكون الصور، صورة الحقيقة حاضرة في النفس في مقابل الكائن-الفاسد الذي تدلّ عليه، وهذه المعرفة يتمّ تحصيلها بالاستدلال الطبيعي والقياس والبرهان، لأنّ موضوعها ماثل قائم أمامنا، يتمّ تحصيلها بالعقل الاستدلالي المنطقي، وهي تُشكِّل الطريق الصاعد؛ طريق الحقيقة، الذي كرّس أرسطو مجمل منطقه الصوري لشرحه. وفي رسالة "الاعتبار" يحاول ابن مسرّة الأندلسي "أن يثبت عن طريق المثال المفصّل أن العقل والوحي طريقان يؤديان إلى شيء واحد، وأن الدين والفلسفة نهجان مختلفان من حيث الوسيلة ولكنهما متفقان من حيث الغاية. يبدأ الدين من الأعلى إلى الأسفل (التنزيل أو هبوط الوحي)، ويأخذ العقل طريقاً مقابلاً من التدرج – إذ هو يبدأ من الأسفل (الحسّيات) وينتهي إلى الأعلى (العقليات)"
الكائن-الفاسد هو الكائن الممكن الوجود (بالعَرَض) الذي تجتمع فيه الهيولى والصورة وهو موضوع منطق أرسطو ومقولاته في العبارة والقياس والاستدلال والبرهان، وهو ما يُسمّيه هيغل: رفع الواقعة الحادثيّة إلى مستوى الوعي أو التفسير، وهو ما اكتفى هيغل به واغتبط. أمّا الصورة المُفارقة فهي "الوجود الواجب الذي ماهيته عين وجوده؛ ماهيته ووجوده شيئاً واحداً، وهو وحده الذي يتصف بالوجود بذاته، أو القائم بذاته ، وكل ما عداه من الموجودات، وجوده بمثابة عرض يضاف إلى ماهيته، لذا كانت موجودات جائزة" . الصورة المفارقة؛ كون تخيّلي "نوراني" لا فساد فيه، صورة مفارقة للهيولى ، صورة الحقّ القادم الذي سوف يؤسِّس لعالم جديد، بديل عن العالم الكائن-الفاسد الذي بدأ بالانحطاط والتشقّق والفناء. هو كون متخيّل وحقّ ظاهر بالشخص لا بالجسم، وما الجسم إلّا شبح ومركوب. فالعقل الفعّال بعدما فارق حاله في الملازمة صار روحانياً غير ميت. قال ارسطو عن هذا العقل: ليس الأمر أنه، أحياناً يفكر وأحياناً لا يفكر. وهو متى فارق، لم يكن إلا ما هو عليه في ذاته. وهذا هو وحده اللامائت، الدائم" وقد وردت العبارة نفسها في كتاب "النفس" لأرسطو مترجمة كالتالي: "ولست أقول مرة يفعل ومرة لا يفعل؛ بل هو بعدما فارقه على حال ما كان، وبذلك صار روحانياً غير ميت" .
هذه الصورة المفارقة ليس مقامها هنا عند دراسة الجوهر الكائن –الفاسد، بل مقامها عندما نتحوّل من الصور الملازمة إلى الصورة المفارقة؛ صورة الحقّ القادم، التي يتمّ تنزيلها بالوحي، "حيث تتحول لغة الفلاسفة المشّائين (أرسطو وتلامذته) الاستدلالية المجرّدة، في "منطق المشرقيين" لابن سينا إلى لغة حيّة رمزية" . هكذا يظهر عمل العِرفان والغنوص وقت الظهور، كهبوط للوحي من السماء، من سماء الفكر التخيّلي إلى الممارسة الاجتماعية-التاريخية السياسية. هو انقلاب وتحول من ديالكتيك صاعد إلى ديالكتيك هابط بالعمل والممارسة الاجتماعية-التاريخية السياسية، "ليست النبوة نهاية صعود مستمر إلى أعلى حالات النفس(فحسب)، بل هو انقلاب حقيقي إلى كائن أسمى" حيث الحق القادم ظاهر بالأشخاص وممارستهم الاجتماعية-التاريخية السياسية، ويظهر الله بأشخاصه الثلاثة (عين-ميم-سين). يقول ماو: "كانت الماديّة قبل ماركس تنظر إلى قضية المعرفة بمنأى عن طبيعة الإنسان الاجتماعية وبمعزل عن تطوّره التاريخي، ولذلك لم يكن في مقدورها أن تُدْرك تبعية المعرفة للممارسة العملية الاجتماعية" "من هنا نرى أنّ أوّل طابع أو خاصّة لله لدى فيلون هو الانفصال الشديد التامّ المطلق عن العالم، المحسوس والمعقول على السواء" . الانفصال المطلق هنا يعني إعادة التوجيه الجذرية وإخضاع خبرة العقل للمارسة العملية التاريخية السياسية.
إن العلم الموجَّه نحو الممارسة العملية والهادف لتحويل العالم يعيد توجيه المقولات بشكل حاسم. هكذا يعيد ديالكتيك ماركس توجيه مقولات علم المنطق لهيغل التأملية النظرانية بشكل جذري؛ إنّه تجاوز للعقبتين الحسّية والعقلية (للحجابين الأدنى والأعلى). "إنّ أعلى مراتب العبادة هو معرفة الله بالذات، دون أي شيء آخر (تنزيه الحق)، التي فيها يفترق الحق عن الخواص غير العقلية (الحسّية) ؛ هذه حالة الانجذاب، الحالة النادرة والعسير الاحتفاظ بها (كما يقول أفلوطين في التاسوع الرابع)" عند هذه الدرجة (صورة الحق المفارقة) يتم التحول من عباد الإله على الصفات إلى عبادته بالذات، أي ظهور المعنى بشخص النبي الرسول القائم بالصفات والذات (بالنظرية وممارستها الاجتماعية التاريخية). "فالنفس التي عجزت عن تجاوز اللوغوس في صعودها، تظنه الله الأسمى (تظنه المعنى بالذات) "كما يُخيّل أنّ صورة الشمس هي الشمس بالذات" أي تخيلت أنّ الصفات هي الذات: تخيلت أنّ النظرية هي الممارسة. يقول أبو الطيب المتنبي:
وتركتُ مدحي للوصيّ تعمداً إذ كان نوراً مستطيلا شاملا
وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
لكن، ماذا يحصل لو فارقت الصورة أصلها الطبيعي والعقلي من دون أن تمسك بمجرى الحياة المعاصرة؟ الحق أقول لكم: سوف تتحول إلى ساحر جسور يعمل العجائب المشتهاة كالدكنور فاوستوس، في عمل جيته العظيم، وهو يسلّي الطغاة.
يقول فاوست: "ما كان في الماضي بكل جلال ورواء يتحرك هنا، لأنه يريد أن يكون أبداً. وأنتِ أيتها القوى القديرة كل القدرة، تقسمينه قسمين: واحد إلى خيمة النهار، وواحد إلى قبة الليالي؛ الأول يمسك بمجرى الحياة النبيل، والآخر ينشده الساحر الجسور، وما يتمناه كل واحد من عجائب، فإنه يكشفه له كرم وافر وثقة تامة "
قلنا: الذي كان في الماضي يظهر بكل جلال، ويتكشّف للعقل الفعال كقانون
فإذا رُفع إلى مستوى العصر أمسك بمجرى الحياة. وإذا بقي في قبة الليالي انقلب إلى ساحر جسور يُقدّم عجائب مشتهاة للطغاة"
من المعروف في مذهب أرسطو أن النفس الإنسانية تجمع في ذاتها قوى النفس التي دونها، ولكنها تمتاز بشيء يزيد على ذلك، هو القوة الفكرية أو العقل (ν---ο---ϋ---ϛ---). هذا العقل واحد بالذات، ولكن أرسطو يميز بين ناحيتي فعله، فيسميه تبعاً لذلك: فهو من جهة قوة فكرية، ويستعمل أرسطو في تسميته عبارات شتى، مثل لوغوس (λ---ό---γ---ο---ϛ---)، وعقل نظري (ν---ο---ϋ---ϛ--- ϑ---ε---ω---ρ---η---τ---ι---Χ---ό---Ϛ---) القادر على المعرفة (القوة العلمية). وهو من جهة أخرى، المرشد في الأعمال، ويستعمل أرسطو في تسميته عبارات مثل δ---ι---ά---ν---ο---ι---α--- π---ρ---α---χ---τ---ι---χ---η--- (القوة الفكرية العملية أو العقل العملي)، وλ---ο---ϒ---ι---σ---τ---ι---χ---ό---ν--- (العقل المفكِّر المقدِّر؛ القوة المقدّرة). وإذا كان العقل النظري كما يقول أرسطو "لا يفكر في شيء مما هو عملي، ولا يصدر حكماً فيما يجب علينا أن نتنكب عنه، أو نسعى وراءه، وبه نتعقل الأشياء التي مبادئها ثابتة "، فإن العقل العملي هو الذي يفعل بقصد غاية، وهو الذي به "ننظر للأشياء القابلة للتغير"، وهو الذي يحكم في موضوع الرغبة، وفيما يجب أن نطلبه أو نتركه من الأشياء". وإذن فغاية الأول هي معرفة الحقيقة لذاتها (معرفتها على التجريد)، وغاية الثاني معرفة الحقيقة لا لذاتها فحسب، بل من حيث ما ينبغي أن نفعله أو نتجنبه من الأفعال"
" سرى بمعراجه في الليل، فوضح أمامه سرّ الكلّ
تسلّم جبريل الخرقة من يده، فبدا مرتدياً الرداء والجُبّة
وأبدل سلمان لباسه الأعجميّ بلباس عربي مبين"
جاء في مقدمة (منطق الطير): "تابع العطّار الحملة الشعواء التي بدأها أبو حامد الغزالي ضد الفلسفة، فحاول الإقلال من شأنها وشأن المشتغلين بها، وذلك لأنّ الفلسفة تتصل بالعقل (الاستدلالي الطبيعي)، والعطّار ينفر من العقل (الاستدلالي) ويجعله قاصراً أمام الأسرار الإلهية. يقول: لن يكون رجلاً في حكمة الدين إن لم تفارق هذه الحكمة [حكمة العقل الاستدلالي والصورة الملازمة]. وبحقّ المعرفة يقول: كم أفضل كاف الكفر على فاء الفلسفة [فالفاء أصل الكفر والكاف بداية أمر الخلق بقوله كن فيكون] " وتتابع المقدمة: كما أنّ طبيعة التصوّف لا تتفق مع الفلسفة وعلم الكلام، فالتصوّف يعتمد (علم) القلب [قلب الصورة الملازمة إلى صورة مفارقة تعمل على قلب العالم القديم وتحويله إلى عالم جديد فيه خلاص الانسان]، أمّا الفلسفة وعلم الكلام فيعتمدان على علم العقل (الاستدلال العقلي الطبيعي). وعلى هذا فليس غريباً أن يُهاجم العطار الفلسفة وعلم الكلام رغم تأثّره بمنهجهما في العرض والاستدلال" . أما الغزالي "فقد كان فقيهاً متكلماً أدرك فحوى الفلسفة جيداً؛ وبعد أن وقع في شك دينيّ لفترة ما، اتجه إلى التصوّف لمداواة علته الروحية، فوجد فيها اليقين والنجاة النهائية. وهكذا تدرّع بكل المواهب اللازمة، من علم وبلاغة وتجربة روحية، في تقويض سلطة الفلسفة العقلية (المشائيّة؛ الأرسطيّة) على المجتمع الإسلامي. وتحقيقاً لهذا الغرض، بدأ بتلخيص فلسفة المشائين (مدرسة أرسطو) في كتاب "مقاصد الفلاسفة"، الذي يعد من أفضل التلخيصات للفلسفة المشائية الإسلامية. ثم عمد إلى الهجوم على ذلك الجانب من آراء الفلاسفة، التي كانت تتعارض مع تعاليم الوحي الإسلامي، في "تهافت الفلاسفة" الشهير. ومما يجدر ذكره أن حملة الغزالي على الفلسفة العقلية كانت تتمثل في قدرته كصوفي أكثر منه كمتكلم اشعريّ. وهكذا بدأت الفلسفة المشائية بمجيء الغزالي تدخل دور المحاق في الأصقاع الشرقية من العالم الإسلامي، واتجهت صوب الأندلس، حيث تعهدها سلسلة من مشاهير الفلاسفة كابن باجه وابن طفيل وابن رشد بالعناية لمدة قرن. فقد عمد ابن رشد، بطل الفلسفة الأرسطيّة المحضة العظيم في الإسلام والشارح الفذ لكتب "الحكيم" في العصر الوسيط، على الرد على هجمات الغزالي، وذلك في كتابه "تهافت التهافت". لكن دفاعه كان ضئيل الأثر في العالم الإسلامي، بينما كان الغرب اسبق لإلقاء السمع إليه."
يخطئ حسين نصر هنا في أمرين: الاول أن كلام الفلاسفة العرب لم يكن يتعارض مع تعاليم الوحي الإسلامي بقدر ما كان يتعارض مع مذهب أهل السنة، فوجد أبو حامد في هذا مجالاً لاشباع غروره، فحمل على الفلاسفة حملة عنيفة طيرت اسمه في الافاق، ورددت في الخافقين ذكره، ولذلك فإن كتبه الكلامية كلها مُصدّرة بمثل هذه الديباجة: "الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده، عصابة الحق وأهل السنة" والثاني أنه ألف التهافت قبل ان يتصوّف، ثم إنه في تلك الفترة التي ألّف فيها كتاب "التهافت" كان يطلب الجاه، والشهرة وبعد الصيت ، فهذا هو يتحدث عن نفسه في تلك الفترة فيقول: ثم تفكرت في نيتي في التدريس –يعني حين همّ بالخروج من بغداد لتطبيق منهج الصوفية على نفسه- فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه، وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هاو، وأني قد اشفيت على النار، إن لم اشتغل بتلافي الأحوال"
وباعتبار أن الغزالي مأخوذ بالوحي والجدل الهابط في "تهافت الفلاسفة"، وابن سينا مأخوذ في "الإشارات والتنبيهات" بالجدل الصاعد والتأسيس الجديد "يلاحظ أنه بينما جعل ابن سينا القسم الطبيعي، اولاً، والقسم الإلهي والتصوف ثانياً، يجعل الغزالي الإلهي أولاً، والطبيعي ثانياً" واقتداءاً بابن سينا "عرض السُّهرَوَرديّ فلسفته المشائية (الأرسطية) والمنطق الأرسطيّ والتوجُّه العقليّ المحض، وذلك لأن الاشراقيين أو النورانيين في قوله، "لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورانية"" أما ابن مسرّة الأندلسيّ فيستعمل "الاعتبار" على أنّه يقابل "النبأ" ويشير بذلك إلى أن الحقيقة التي يتوصل إليها العقل تتفق مع الحقيقة التي يُخبر بها النبي. وعبارة ابن مسرة صريحة: "يوافق النبا الاعتبار". فبعد أن أوضح ابن مسرّة إمكان الوصول إلى نتائج يقينية ونهائية خاصة بوحدانية الإله عن طريق التأمل والاعتبار فيما حول الانسان من ظواهر طبيعية، وبعد أن بين تدرّج البحث وتسلسله المنظم الدقيق ختم ذلك بقوله: "فهذا مثال من استدلال الاعتبار"" هذه الطريقة في رأي ابن مسرة ليست شيئاً سوى طريقة الفلاسفة المعهودة مضافاً إليها العنصر الوجداني. وهذا يدل دلالة واضحة على أن مفهوم "الاعتبار" لدى ابن مسرة يمثل منهجاً عقلياً خاصاً يقف على النقيض من النقل من حيث الوسيلة، وإن كان يتفق معه من حيث الغاية." نشير هنا في هذا السياق إلى كتاب أبي نصر الفارابي: "الجمع بين رأيي الحكيمبن" أفلاطون وأرسطو، وإلى كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" لابي الوليد بن رشد.
تظهر أحادية النظر لدى العطار والغزالي، اللذان يُغفلان أنّ الوصول إلى الصورة المفارقة للعصر لابد من أن تمرّ من جديد بعمل الصورة الملازمة أو المنطق الاستدلالي النظراني أو "استدلال الاعتبار". إنّ اكتفاءهما بتكرار نتائج الوحي المحمديّ، والقيام بعمل الساحر الجسور، إنما يدلّ على وجود نمط إنتاج أسيوي راكد، وعلى عدم وجود حوامل سياسية لعصر جديد، يبقى الأمر كذلك إلى بداية ظهور البورجوازية الأوربية وإرهاصاتها في القرن الرابع عشر الميلادي. لقد بات واضحاً ما يحمله جدل الغزالي وابن رشد هنا من مغزى تاريخيّ عالمي كبير: مقولة الغزالي ومن بعده العطار "تهافت الفلاسفة" ومعها المنطق الاستدلالي، وردّ ابن رشد بـ “تهافت التهافت"، تهافت السحرة. يكتب ماو: "إنّ مرحلة تكوين المفاهيم والحكم والاستدلال هي مرحلة أكثر أهمية في كل عملية المعرفة البشرية بشيء ما، وهي مرحلة المعرفة العقلية. إن المهمّة الحقيقية للمعرفة تكمن في التقدم إلى التفكير عن طريق الإحساس، وإلى الإدراك التدريجي للتناقضات الكامنة في داخل الأشياء الموضوعية ولقوانينها والروابط الداخلية التي تربط بين عملية وأخرى، أي التوصُل إلى المعرفة المنطقية. إنّ السبب في اختلاف المعرفة المنطقية عن المعرفة الحسّية يعود إلى أن المعرفة الحسّية تتعلّق بجزئيات الأشياء وظواهرها وروابطها الخارجية، في حين أنّ المعرفة المنطقية-العقلية تتقدّم بالمعرفة الحسّية خطوة كبيرة إلى الأمام فتتوصّل إلى إدراك كليات الأشياء وجوهرها، وروابطها الداخلية وتكتشف التناقضات الكامنة في العالم الخارجي، وبهذا فإنّ المعرفة المنطقية تتمكن من تفهُّم تطور العالم الخارجي في مجموعه وفي الروابط الداخلية بين جميع جوانبه."
وباعتبار أن الاشتراكية الماركسية هي الوريث التاريخي للدين كفكر اجتماعي-تاريخي ، كعلم وعمل يهدف إلى تحويل المجتمع البورجوازي -على المستوى العالمي-إلى مجتمع اشتراكي شيوعي، فإنّ فكرة العطار ومعه استاذه الغزالي تكون فكرة أحادية الجانب ورجعية، لأنّه لا صورة مفارقة للرأسمالية حقاً ومؤسِّسة لمجتمع اشتراكي جديد من دون صورة ملازمة قائمة على دراسة الرأسمالية دراسة تاريخية-اجتماعية محايثة، كان قد أنجز حلقتها الأساسية ماركس في كتابه العظيم رأس المال. وقد قال من قبل في مطارحته (فرضيته) الشهيرة ضد فيورباخ (لم يفعل الفلاسفة حتى اليوم سوى تفسير العالم بصور مختلفة، لكن الأمر الهام هو تحويله) ، وتابعه في هذا النهج الديالكتيكي ورثة عظام كلينين وماو وهوشي منه وغرامشي وتروتسكي على سبيل المثال لا الحصر. إنّ الدراسة "العلمية" الاجتماعية-التاريخية التفصيلية والمعاصرة للرأسمالية أمر أساسي لإطلاق بيان الحزب الشيوعي، بيان هدفه تحويل المجتمع البورجوازي القائم. ومن هنا يكون هجوم العطار وسلفه الغزالي على الفلسفة تعصُّب رجعي واستسلام للنقل والتقليد في فكر ديني جرى توظيفه بشكل رجعي. قال أبو حامد الغزالي: "فأية رتبة في عالم الله أخسّ من رتبة من يتجمَّل بترك الحق المعتقد تقليداً بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقاً، دون أن يقبله خبراً وتحقيقاً"
يقول الخصيبي: "غاب الباب مع غيبة المعنى، وإذا ظهر الباب ظهر بالشخص الأول وهو جبريل، يظهر بظهور الكشف(النظري) ورجوع الدعوة وإنذار العالم كإنذاره يوم الأظلة (حين كان الزمن خارج الوصل، حيث لا قيامة ولا ظهور للاسم، وحيث تعيّن عين العصر باسم ميم ما زال في الذرو)، كذلك سبيل هذا العالم يجري. لا نفاذ لملك الله ولا إحاطة بوقته، فمن زعم أنّ لذلك حدّاً (كزعم فوكوياما داعية نهاية التاريخ والإنسان الأخير) فهو مشرك" فكلّ عهد جديد يُمهِّد له بدراسة الصورة الملازمة من جديد والخروج بوعيه الممكن أو صورته المفارقة. وكلّ كمال علم يستدعي تكملته العملية وممارسته الاجتماعية-التاريخية السياسية. وصورة العصر الرأسمالي المفارقة أو وعيه الممكن هو بيان الحزب الشيوعي.
يكتب ماركس: "لا يصبح تقسيم العمل فعلياً إلا من اللحظة التي يحدث فيها تقسيم للعمل المادي والفكري. وابتداء من تلك اللحظة يستطيع الوعي أن يتباهى فعلاً بانه شيء يختلف عن وعي الممارسة القائمة، وأنه يمثل فعلاً شيئاً ما من دون أن يمثل شيئاً فعلياً؛ إن الوعي هو من الآن فصاعداً في مركز يستطيع فيه أن يتحرر من العالم، وأن ينصرف إلى تكوين النظرية "الصرفة" اللاهوت والفلسفة والأخلاق (تكوين صورته المفارقة للعالم القائم) لكن حتى إذا دخلت هذه النظرية من لاهوت وفلسفة واخلاق في تناقض مع العلاقات القائمة ، فإن هذا لايمكن أن يحدث إلا لأن العلاقات الاجتماعية القائمة قد دخلت في تناقض مع القوى المنتجة القائمة، وإن هذا ليمكن أن يحدث فضلاً عن ذلك ، في مجال وطني معين من العلاقات لأن التناقض في هذه الحال يحدث ليس ضمن هذا المجال الوطني ، بل بين هذا الوعي الوطني وممارسة الأمم الأخرى" وأخيراً أقول: "كلُّ شرف خارجيّة في أوّله، وكل قديم حديث في عصره" وخارجيّة (تعني) من يسود بنفسه من غير أن يكون له قِدم.
(هذه المقالة هي الأخيرة من كتابنا الجديدة: "المُعْجزة-الشَّذْرات والنُّكَت في السيرة المحمديّة، الجزء الثاني: رسالة في الغنوصيّة")

هوامش
1- الصورة المفارقة هي الصورة البتول. والمبتول هو المقطوع.
2- الرسالة الرستياشية، للحسين بن حمدان الخصيبي ص 116
3- يعتمد ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة لأرسطو على شروح المفسرين الاسكندرانيين: الاسكندر الأفروديسي وثامسطيوس.
4- تفسير ما بعد الطبيعة لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد دار مكتبة المشرق 1990، المجلد الثالث ص 1403
5- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري – مذكور ص 284
6- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري-مذكور ص 260
7- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الاسكندري-مذكور ص 260
8- ابن مسرّة للشيخ كامل محمد عويضة ص 37-38
9- يقول العالم العارف حسن بن حمزة الشيرازي في كتاب التنبيه في معرفة التنزيه: "الحمد لله العلي القديم الصمد الكريم القوي القادر الفرد الحكيم الذي أنعم على عباده بظهوره بذاته ووجوده" ص 1
10- سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين، دار النهار بيروت 1971 ص 41
11- يعتقد السُّهروردي أيضاً بوجود عالم خيال منفصل ترحل إليه النفس لتكتسب الصورة التي تظهر بعد ذلك في المخيلة الإنسانية، هذا العالم الأوسط الذي يُسمّى "الصور المعلّقة" أو "عالم المثال"، يتوسط بين العالم المحسوس وعالم "أرباب النوع" ويؤدي دورً أساسياً في حلّ عدة مسائل، مثل الخلق والمعاد(البعث). راجع: سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين، ص 192
12- رسائل الكندي الفلسفية-الجزء الأول، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة – ص 336-337
13- أرسطوطاليس: في النفس، شرحها وحققها وقدم لها عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات الكويت ص 1
14- سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين، دار النهار بيروت 1971 -ص 60
15- يمكن الحديث هنا في مستوى بناء النظرية عن طريقة البحث (جدل صاعد) وطريقة العرض (جدل هابط) حسب عبارة ماركس في مقدمة الراسمال. ما يشير إلى تعقيد مفهوم الهبطة والهبوط.
16- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الاسكندري-مذكور ص 250
17- ماو تسي تونغ: في الممارسة العملية ص 1 من المختارات، المجلد الأول
18- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري-مذكور ص 108
19- إننا مضطرون عاجلاً أو آجلاً لأن نلاحظ في معظم الميادين أن هذا التمثل الهندسي الأول، القائم على واقعية ساذجة للخواص الفضاية، يتضمن توافقات اشد تستراً، وقوانين توبولوجية أقل ترابطاً خاصة مع العلاقات القياسية الظاهرة مباشرة، وباختصار يتضمن روابط جوهرية أعمق من روابط التمثل الهندسي المألوف" إنه المصير الجليل للروح العلمي المُجرَّد. راجع باشلارك تكوين العقل العلمي ص 7
20- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري-مذكور ص 189
21- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري-مذكور ص 261
22- في المعراج كان الرسول شمع ذي الجلال، يسمع صوت نعلي بلال.
23- جيته: فاوست، ترجمة: د. عبد الرحمن بدوي دار المدى، دمشق، الطبعة الثانية 2007 ص 440
24- نايف سلوم: ديوان الأفكار، مخطوط غير منشور
25- رسائل الكندي الفلسفية-الجزء الأول – مذكور، ص 332-333
26- منطق الطير لفريد الدين العطار
27- منطق الطير ص ص: 30
28- منطق الطير ن المقدمة ص:32
30- سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين، ص 72-73
31- "تهافت الفلاسفة" للإمام الغزالي، تحقيق وتقديم الدكتور سليمان دنيا، دار المعارف القاهرة ط8 ص 65
32- تهافت الفلاسفة مذكور ص 69
33- الغزالي: معيار العلم، تحقيق وتقديم د. سليمان دنيا دار المعارف القاهرة ص 10
34- ديوان السُّهرَوَرديّ المقتول، صنعه وأصلحه وشرحه: الدكتور كامل مصطفى الشيبي بغداد 2005 ص 9
35- ابن مسرة للشيخ كامل محمد عويضة ص 28
36- ابن مسرّة للشيخ كامل محمد عويضة ص 29
37- ماو تسي تونغ: في الممارسة العملية – مذكور ص 7
38- يجب التمييز بين الدين كفكر اجتماعي-تاريخي قام بإنجاز تحولات تاريخية كبناء دولة للعرب ونقلهم من القبيلة إلى الدولة المركزية من جهة، وبين التوظيف الاجتماعي-السياسي للدين في فترات الانحطاط، وهو توظيف رجعي بالضرورة، ومضاد لحركة التاريخ التقدمية.
39- كارل ماركس: فروض عن فيورباخ، الفرضية 11 – راجع الأيديولوجية الألمانية ص 653
40- تهافت الفلاسفة-مذكور ص 74
41- الرسالة الرّستباشية، ص 146
42- ماركس –انجلز: الإيديولوجية الألمانية – مذكور دار الفارابي ص 50
43- الشعر والشعراء لابن قيبة الدّينَويّ، حققه الدكتور مفيد قميحة، الأستاذ محمد أمين الضنّاوي دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 2000 ص 11

الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي