تأمّلات في الإِسْلام و القرآن 2 مُحَمّد و -نجاسة المُشْرك-!

سهيل أحمد بهجت
2021 / 5 / 4

تابعوني على تويتر @SoShow11 و اشتركوا في قناتي على يوتيوب https://www.YouTube.com/c/SohelBahjat
القرآن و الحديث مليئان بتعميمات و نمطيّات تشكّل واحداً من أكثر الإشكاليّات الّتي تجعل الإسلام مُنتِجاً لعقلية موغلة في التخلف الّذي ينتج مما يسمّيه علماء النّفس بـ"النمطيّة" و "الأحكام المسبقة" و "التحيّزات" الفكريّة و الجنسية و العنصرية و الّتي تختصر أحيانا في كلمة stereotyping و الّتي تعني التنميط. الموضوع واسع ، و لرّبما يحتاج مجلّدات ، لكنّنا سنختصر لكي يستفيد القرّاء من هذه الخطوط العامة!
القرآن و الحديث يَعجّ بوصف فئات اجتماعية بصفات معيّنة ، غالباً بشكل سلبي ، كالمشركين و اليهود و النصارى و المؤمنين و المسلمين و النّساء و الرّجال ...إلخ! و ليس هذا فحسب ، بل إنّ القرآن يفتقر للوضوح في معانيه و مقاصده فيبدو و كأنّه كأي نصّ شِعري آخر يتّسم بضبابيّة حادّة بحيث ترى التفاسير تردّد تعابير مثل: " ثم اختلف أهل التأويل في معنى.." أو "قيلَ كذا و كذا" و هي ظاهرةٌ تضعِف حجّة المجادلين بأنّ القرآن معجزة أو أنّه يحمل مقاصِدَ "إلهية"
أنظر مَثلاً لأحد أكثر الآيات إشكالية من حيث المضمون و المعنى الّتي تقول:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا" (التوبة 28) هذه الآية تحمل عدة دلالات كارثية و هي بالفعل تفتح الباب ليس فقط لتنجيس و حكم من ينتمي لدين غير توحيدي بأنّه "نجس" فحسب ، بل و يفتح الباب أمام إبادته و القضاء عليه كشيءٍ عديم الإنسانية. يقول الطبري في تفسير هذه الآية (في الجزء 8 ص 74 من تفسيره): أن أهل التأويل – أي المفسرين - في معنى "النجس"، و حول السبب الذي من أجله تمّت تسميتهم بذلك "فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد." ثمّ يذكر الطبري تفسيرا آخر فيقول: "وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب" ثمّ يضيف "وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكرَه." فحتّى الطّبري يدرك تماما مدى إشكالية تحقير إنسانٍ ما بهذا القدر.
أمّا ابن كثير في تفسيره فيذهب لأبعد من ذلك ، فيقول في تفسير الآية في الجزء 4 ص 131 من تفسيره:
"وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُشْرِكِ كَمَا دَلَّتْ [عَلَى طَهَارَةِ الْمُؤْمِنِ، وَلِمَا] وَرَدَ فِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ: "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ" وَأَمَّا نَجَاسَةُ بَدَنِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْبَدَنِ وَالذَّاتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ." فكما ترى ، الآية واضحة التخبّط و تفتقر للدلالة الواضحة و لذلك فإنّ هؤلاء المؤوّلين و المفسّرين و الفقهاء يستطيعون تضييقَ المعنى بحيثُ تشمل "المُشركين" كما يُسمّيهم القرآن و التّقليد الإسلامي – أي الّذين كانوا يؤمنون بتعدّد الآلهة – و أحياناً يُوَسّعون المعنى بحيثُ تنطبق على معتنقي كلّ الأديانِ الأخرى – حتّى اؤلئك الموحّدين الّذين يعبدون إلهاً واحدا كاليَهود و كثيرٍ من المسيحيين المؤمنين بالنهج التوحيدي اليهودي – التوراة – و تنطبق حتّى على الأحناف الّذين يعبدون الإله الواحد و لكنّهم لا يؤمنون بنبوة محمّد. بل إنّ إبن كثير يضيف: "وَقَالَ أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ: مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ[أي الطبري]." فالتنجيس في الآية لا يقتصر على منعهم من الأماكن المقدّسة ، بل على ذواتهم كبشر.
محمّد في قرآنه لا يعكس حقيقةً إلا عقليته البدوية الّتي تفتقر لأبسط مقومات المنطق ، فحسب التسلسل التّاريخي و الزّمني المنطقي فإنّ اليهود هم المصدر الوحيد الّذين من خلالهم نعرف أنّ إبراهيم كان أباً لهذه السلالة – التّي ينتسب إليها اليهود و بعض قبائل العرب – و منهم قبيلة محمّد قريش – و مع ذلك يخبرنا محمّد في الآية 67 من سورة آل عمران: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" نازعاً عن كلّ هؤلاء – اليهود و المسيحيين و عبّاد الله التعدّديين – الّذين يضيفون آلهة صغيرة للإله الواحد – ينزع عنهم أبسطَ حقيقة واقعية و هي أسبقيتهم على دينه زمناً و علماً لأنّ كلّ ما جاء به محمّد إنّما هو تكرار لكلام هؤلاء الّذين رفضوا نبوة محمد.
الواضح أنّ من أسماهم محمّد بالمشركين كانوا يسبّبون لهُ مصدر إزعاج و إرهاقٍ فكري هائل لأنّ اعتراضاتهم كانت منطقية و تستدل بالحِسِّ الإنساني البسيط ، و كنوعٍ من الانتقام منهم ، يصوّرهم في قرآنه و أحاديثه على أنهم نجس و قذرون و لا يغتسلون و غير ذلك من التّشنيع. و كانت محاججة "المشركين" لمحمد بأنهم أيضا يتّبعون إبراهيم و أنّهم يراعون كعبته – الّتي كانت واحدة من عدة كعبات يطاف بها في الجزيرة العربية – من أهم مصادر الإحراج لمحمّد.
كنتيجة لهذا الإزعاج و التّحدي الذي أرهق محمّد فإنّه توعّدهم بالغضب الإلهي: "فَإِنۡ أَعۡرَضُوا۟ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَـٰعِقَةࣰ مِّثۡلَ صَـٰعِقَةِ عَادࣲ وَثَمُودَ" (فُصّلت 13) لكن هذه الصّاعقة لم تأتي ، و بدلاً من أن يُرسل ربُّ محمّد غضبه و صواعقه ، و الصواعق هنا تذكّرنا بزيوس كبير آلهة الإغريق ، انتظر محمّد إلى أن قتل سادة قريش و حكمائها في معركة بشرية خالية من أي تدخّل إلهي ، لكن محمّد زعم طبعاً أن إلهه كان وراء انتصاره.
إنّ نهاية و انقراض "عبادة الله و أصنامه الّتي تشفع إليه" لم يكن بفعل من إقناع عقلاني و نتيجة لاختيار حرّ. بل قام محمّد و أتباعه بإبادة هؤلاء "المشركين" الّذين وصمهم محمّد بكل نعتٍ قَذر ، بسبب رفضهم دعوته ، و أرسل محمّد أوامره بالإبادة من خلال الآية 5 من سورة التّوبة "فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ حَیۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُوا۟ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدࣲۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِیلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ" فكما ترى ، القناعة في ظلّ السيف و التهديد بالقتل ليس قناعة حقيقية بل إعلان الدّخول في جملة مجتمع منافق تحت عنوان الرّحمة.
من جملة ما نقله أتباع المذاهب السّنّيّة هو "[قول] الشّافِعِي: والذي أراد الله - أن يُقتلوا حتى يتوبوا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة: أهل الأوثان من العرب وغيرهم الذين لا كتاب لهم." (كتاب الأم ج 2 ص 567) و بالتالي كانت النتيجة أن المسلمين أصبحوا – حسب هذه الآيات و حسب الأحاديث و أقوال الفقهاء – في حالة حربٍ مستمرة مع أصحاب الأديان الأخرى ، و كون أهل الكتاب (اليهود و المسيحيين و المجوس و الصّابئة ) داخلين في هذا التصنيف أو عدمه هو محلّ تأويلات و جدل لا يعكس إلا تناقض الإسلام من مصادره الأصلية و هذه المواقف التحقيرية للأديان الغير إبراهيمية شكل أساس حملات الإبادة الّتي شنّها محمود الغزنوي في الهند إبان القرن العاشر الميلادي الّتي قضت على ملايين الهنود "المشركين" كما كانوا يسمّونهم.

الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي