نقض مفهوم السببية لدى الغزالي

هيبت بافي حلبجة
2021 / 5 / 4

حينما نتحدث عن الإمام الغزالي يتبادر إلى ذهننا مؤلفه الشهير ، تهافت الفلاسفة ، ويتبادر إلى ذهننا أبن رشد ومؤلفه الشهير ، تهافت التهافت . وإذا ما تحدثنا عن مفهوم السببية لدى الإمام الغزالي ، تبادر إلى ذهننا مؤلفه الشهير ، إحياء علوم الدين ، ومؤلفه مقاصد الفلاسفة ورد أبن رشد عليه في هذه القضية ، إضافة إلى إطروحات كل من ديفيد هيوم ومالبرانش وأبن سينا والفارابي .
المقدمة الأولى : في مؤلفه إحياء علوم الدين ، يمايز الإمام أبو حامد الغزالي مابين مفهوم السبب ومفهوم الفاعل ، حيث يرتبط السبب بالأشياء ويرتبط الفاعل بالإله ، وإذا كانت الأسباب طبيعية مابين الأشياء وتحولاتها ، إلا إنها ليست هي الفاعل الحقيقي في موضوع العلاقة مابين السبب والمسبب . ولتوضيح هذه الفكرة ، يضرب حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي هذا المثال ، فيقول : لو إنك أخذت قلماٌ ودونت به ، وسئل طفلاٌ من الذي يكتب لقال إن هذا القلم هو الذي يكتب ، ولو سألت آخراٌ لقال إن هذه اليد هي التي تكتب ، ولو سألت رجلاٌ لقال إن هذا الإنسان هو الذي يكتب ، ولو سألت رجل علم حقيقي لقال إن الإله هو الذي يكتب . وهكذا فإن الفاعل هو الإله حتى لو كان السبب طبيعي مابين الأشياء . وهذا يفترض جملة من الأمور . الأمر الأول إن الإله موجود حقيقة وهو الذي خلق الكون والوجود ، أي إن الخلق ومضمونه ثابتتان في العلاقة مابين الإله والأشياء . الأمر الثاني إنتفاء أية إمكانية لمفهوم وحدة الوجود ، فوجودك حقيقي ومنفصل إنفصال مطلق عن الوجود الإلهي ، كما إن وجودك منفصل إنفصال مطلق عن وجود الإمام الغزالي ، فثمت وجود أول ، وجود ثاني ، وجود مليون ، وجود بعدد الأشياء . الأمر الثالث إن الإله هو سبب الشر كما هو سبب الخير . الأمر الرابع إن السبب لايمكن أن يتحقق إلا بإرادة الفاعل .
المقدمة الثانية : لكي ندرك مضمون المقدمة الأولى بشكل أوضح ، لابد من التساؤل التالي ، ماهي العلاقة الفعلية مابين السبب والمسبب بفتح الباء الأولى ، هل هي علاقة حتمية ، هل هي ضرورية ، هل هي ذاتية ، هل هي طبائعية ، تقول الأشاعرة إنها ليست ذاتية ، فلو كانت لكان السبب هو بمثابة إله ، ولتعددت الآلهات . وإذا كانت طبائعية لكانت حتمية وضرورية ، وهذا حسبهم لايتوافق مع الآية ، يانار كوني برداٌ وسلاماٌ على إبراهيم ، أي إن السبب يؤثر في المسبب على سبيل العادة وليس على سبيل الضرورة والحتمية ، وهذا ماذهب إليه أيضاٌ الإمام الغزالي . لذلك فإن توافر السبب لايعني بالضرورة والحتمية والطبائعية والذاتية إن النتيجة سوف تتحقق ، إنما هي قد وقد لا ، ومن هنا التمايز مابين السبب والفاعل .
المقدمة الثالثة : لابد أن نرى المقدمتين السابقتين من خلال منظور آخر ، فإذا أعتقد الكثير من الفلاسفة بمبدأ السببية ، في صورتها الأكثر شهرة ، إن لكل حادث محدث ، إن لكل حادث سبب ، فإن بعضهم لم يرق له ذلك ، وتم طرح التساؤل التالي ، هل مبدأ السببية ضرورة عقلية ، على غرار مبدأ عدم التناقض مثلاٌ ، أي هل هو مبدأ عقلي بالضرورة في تأصيله وفي حيثياته . يعتقد أبن رشد وأبن سينا والفارابي إن هذا المبدأ عقلي بالضرورة ، في حين ذهب ديفيد هيوم إننا نحصل على السببية من خلال العادة والتجاور والتعاقب والتكرار ، في حين إن الإمام الغزالي فصل مابين السببية في الخاص ، ومابين السببية في العام . في المجال الأول أي السببية في الخاص يكون سين هو السبب الحقيقي والفاعل الأصلي في ولادة جيم ، أي يكون هذا هو السبب القطعي والنهائي لذاك ، الأمر الذي يرفضه الإمام الغزالي ، ويؤكد إن هذا لايمكن أن يكون سبباٌ لذاك لوجود الفاعل الحقيقي والخالق الأوحد الذي هو الإله ، وفي المجال الثاني أي السببية في العام لايكون هذا سبباٌ لذاك ، إنما هذا مع ذاك ، في مفهوم عام ، إن لكل حادث سبب ، على سبيل العادة والإقتران ، وليس على سبيل الضرورة العقلية ، فلو كانت النار حارقة بالضرورة العقلية لأحرقت سيدنا إبراهيم بنفس طبيعة تلك الضرورة العقلية لكن ، كما نعلم ، لم يحدث ذلك ، ياناراٌ كوني برداٌ وسلاماٌ على إبراهيم ، وطالما إن النار كانت كذلك ، أي لم تحرق سيدنا إبراهيم ، فإن الفاعل الأصيل هو الإله ، الإله فقط .
المقدمة الرابعة : ثمت أرتباك واضح لدى الإمام الغزالي في رؤية مبدأ السببية ، إن لكل حادث سبب ، فمن حيث المنطوق هو لاينكر وجود الأسباب الطبيعية مابين الأشياء ، ومن حيث التأصيل هو يرى إن الأشياء إذا ماتصرفت فيما بينها لضرورة عقلية أو حسب طبعها ، إن النار تحرق ولابد ن تحرق ، إن الحرارة تمدد الأسلاك الحديدية ولابد أن تمدد تلك الأسلاك ، فإن ذلك يعتبر كفعل خارج عن ماهو الإله وهذا مرفوض . لذلك كي يصحح رؤيته في هذا المجال ، فإنه يغالط نفسه ويقع فريسة لمغالطة أعظم ، فهاهو يؤكد : إن مانشاهده من التقارن مابين السبب والمسبب لايجوز أن نقطع بكونه سبب الظواهر طالما إن وراء علمنا أسراراٌ خفية قد تكون هي السبب الأصح في ظهور الظاهرة . ويضرب الغزالي مثالاٌ على ذلك فيقول : إن الأعمى الذي على عينيه غشاوة ، فإذا ما أزيلت تلك الغشاوة نهاراٌ وأصبح يبصر الأشياء كما هي معتقداٌ إن الغشاوة كانت سبباٌ لعدم التبصر ، لكن ما أن يأتي الليل ، ويحل الظلام فيدرك إن النور هو سبب التبصر . وهكذا لو دققنا في موضوع فكر الغزالي ندرك بسهولة إنه يطعن في أساس معرفتنا ، ويخلق نوعاٌ من اللاأدرية حولها ، مع العلم إنه لايقصد ذلك .
المقدمة الخامسة : في مؤلفه ، المنقذ من الضلال ، تهافت الفلاسفة ، إحياء علوم الدين ، يؤكد الإمام الغزالي إن الفاعل الحقيقي هو الإله ، وهو الذي خلق هذا ، وخلق ذاك ، وخلق الأثر ، لذلك هو يخلق هذا عند هذا ، عقب هذا ، بجواره ، لا به ، أي إن الإحتراق يحدث بحكم التقارن مابين النار والقطن ، وليس لإن النار حارقة من ذاتها وبالضرورة ، فالقطن لايحترق ب النار ، أي لايحترق به ، لايحترق بالسبب الذي أقترن به ، فالشيء لايحدث بشيء آخر . وطالما إن النار ليست هي سبب الإحتراق ، فكيف يتم الإحتراق إذاٌ ، هاهو يقول : فمن أين يأمن الخصم ( أي الذي يعتقد إن النار هي سبب الإحتراق ، وإن الحرارة هي سبب التمدد في الأسلاك الحديدية ) أن يكون في مبادىء الوجود علل وأسباب تفيض منها هذه الحوادث عند حصول الملاقاة فيما بينها ، إلا إنها ثابتة ليست تنعدم ولاهي أجزاء متحركة فتغيب ، ولو أنعدمت أو غابت لأدركنا النفرقة وفهمنا إن هناك سبباٌ وراء ماشاهدناه ، لكنها لا تغيب وهذا لامخرج منه على قياس أصلهم .
المقدمة السادسة : يؤكد الغزالي إن النار ، وإن كانت سبباٌ في إحتراق القطن ، إلا إنها ليست الفاعل حتى لو سميناها فاعلاٌ تجاوزاٌ ، إنما الفاعل هو الإله ، فيشترط في الفاعل ثلاثة شروط هي غير موجودة في النار ، الشرط الأول أن يكون الفاعل حياٌ ، الشرط الثاني أن يكون الفاعل عالماٌ ومدركاٌ بما يعمل وبما يحدث ، الشرط الثالث أن يكون الفاعل مريداٌ لما يحدث ، فهل تتوافر هذه الشروط الثلاثة في النار لكي تكون الفاعل في إحتراق القطن ، وهل تتوافر في الحرارة لكي تكون الفاعل في تمدد قطع وأسلاك الحديد .
المقدمة السابعة : قي أهم كتبه الصوفية ، إحياء علوم الدين ، يؤكد الإمام الغزالي إن الإله له الخلق والأمر ، والخلق هو فعل ، والأمر هو الأثر ، أي إن الإله خلق الكون وأودع فيه أمره ، فلا ، ولا ، ولا ، إلا بهذا الأمر ، ويستشهد ، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ، 54 الأعراف . من يدبر الأمر ، 31 يونس . قل إن الأمر كله لله ، 154 عمران . أوحى في كل سماء أمرها 12 فصلت . أي إن الإله في أمره الكوني قد أودع في السبب الأثر الذي به يؤثر ، أي أودع الإحتراق في النار ، وحينما ينتقل هذا الأثر ، الإحتراق ، من السبب ، النار، إلى المسبب بفتح الباء الأولى ، القطن ، يسميه الغزالي بمفاتيح الغيب التي لايعلمها إلا الإله ، وعنده مفاتيح الغيب لايعلمها إلا هو ، 59 سورة الأنعام . ومفاتيح الغيب هي تأصيل الأثر المنتقل من السبب إلى المسبب ، والأثر هو ماأودعه إله الكون في السبب من خاصية التأثير .
والآن ، هل يصمد هذا التصور أمام التحليل الأولي والبسيط ؟
أولاٌ : في موضوع النظام الكوني ، هل يفضي هذا التصور إلى نوع من اللانظام ، إلى نوع من الفوضى ، حيث إن النار قد لاتحرق وبالتالي لن تشتعل السيجارة طالما إن النار لاتحرق من ذاتها ، ولاتحرق لضرورة عقلية . يرد الإمام الغزالي إن هذه الشبهة مردودة ، ويستند في ذلك إلى التمييز مابين الأعيان ومابين الصور المادية ، فالتحول لايحدث في الأعيان إنما يحدث فقط في الصور المادية . والآن ، وبغض النظر عن المحاولة البائسة التوفيقية في الرد على أساس الشبهة ، والتي يثيرها الإمام بنفسه ، فإنه يقع في تناقض لا مراء فيه ، فإذا كانت الأعيان لايشملها التحول ، فهذا يعني إن في الأعيان أمر ثابت ، شيء ثابت لايتغير ولايتبدل ولايتحول ، وإن هذا الأمر الثابت يتعلق بالجوهر وليس بالعرض ، طالما إن الجوهر هو الذي يحدد ، تعريفاٌ ، أس وماهية وطبع الشيء . والجوهر هو الأمر الذي به يكون الشيء الشيء نفسه ، ولن يكون الشيء الشيء نفسه إلا بهذا الجوهر تحديداٌ ، بهذا الثابت الذي هو خارج التحول ، فهو به هو ، وهو بدونه ليس . فالنار لن تكون ناراٌ إلا بالإحتراق ، وإذا إنتفى الإحتراق إنتفت النار ، وأصبحت شيئاٌ آخراٌ ، أي شيء آخر إلا أن يكون ناراٌ ، وياناراٌ كوني برداٌ وسلاماٌ على إبراهيم نفى عن النار النار نفسه وجعله أي شيء ، أي شيء آخر إلا أن يكون ناراٌ ، وهذا يقوض أساس المنظومة الفكرية لدى الإمام الغزالي ، فالنار إما أن تكون ناراٌ وتحرق ، إو لاناراٌ لاتحرق .
ثانياٌ : دعونا نمايز ، نحن ، ضمن محتوى السببية والعلية مابين مفهوم العلة والمعلول من جهة ، ومابين مفهوم السبب والمسبب من جهة ثانية .
في مفهوم العلة والمعلول : إذا ماإنوجدت العلة لابد من تحقق الأثر في المعلول بنفس الضرورة التي هي في العلة ، أي إن العلاقة مابين العلة والمعلول حتمية الوجود ، أكيدة الوقوع ، لاتخلف في الحدوث أبداٌ ، فلايستطيع المعلول ، أو الأثر في المعلول ، إلا أن يكون ، إلا أن يبرهن على وجود ذلك الأثر في المؤثر ، أي الكائن في تلك العلة ، فالمعلول هو الوجه الآخر للعلة ، لإن هذه الأخيرة تتصرف بطبعها وبذاتها ، تتصرف هكذا لإنها هي هي ، فإذا كانت سين هي علة جيم ، فإن جيم لاتستطيع إلا أن تكون ، من نفس تلك الزاوية التي بها تكون سين علة جيم . وهكذا فإن النار تحرق بطبعها وبذاتها ، والجاذبية تمارس ذاتها بذاتها ، وكذلك كافة القوانين الموضوعية .
أما في مفهوم السبب والمسبب : فإذا كانت العلة تتصرف بطبعها وبذاتها ، فإن العلاقة مابين السبب والمسبب لاتتعلق بطبع السبب نفسه ، إنما لإنه قد حدث على تلك الصورة ، مع إدراكنا إنه السبب الحقيقي والفاعل الأكيد ، فالرياح التي تقتلع الأشجار ، فإنها تقتلعها في هذه اللحظة ، وكانت قبل قليل رياح هادئة تدغدغ أوراقها ، فالرياح لاتقتلع الأشجار بطبعها إنما أستطاعت أن تقتلعها بذاتها في تلك اللحظة وفي حالة معينة . والرصاصة التي تخترق جسد معين قد تقتل صاحبه وقد لاتقتله ، فالرصاصة لاتقتل بطبعها وقد كانت قبل في يد الجاني يتلاعب بها .
والآن كيف نفهم خصوصية الإله في العلاقة السببية مابينه ومابين الكون ، فإذا كان الإله ، وحسب الإمام الغزالي ، هو الذي أوجد الكون فإن ذلك لايستقيم ، أبداٌ ، إلا إذا كان الإله هو علة وجوده ، وليس سبب وجوده ، وإذا كان علة وجوده فإنه لايخلق الكون لإن المعلول لايتأخر في وجوده عن العلة ، وهكذا ، إذا صدقت فرضية إن الإله قد أوجد الكون وهي كاذبة بطبعها ، فإن الوجود كله ، الإله والكون ، يخضع لمضمون وحدة الوجود تحديداٌ في هذه الفرضية .
ثالثاٌ : يشترط الإمام الغزالي في السبب والعلة ثلاثة شروط ، أن يكون حياٌ ، أن يكون عالماٌ بما يعمل ، أن يريد ذلك ، إن هذه الشروط الثلاثة لاتنطبق ، حتى ، على الشرط الإلهي ، ومنقوض من جهتين أثنتين ، الأولى إن إرادة الإله ، بعد كمال وجوده ، إذا إتجهت إلى أي شيء فإن موضوع الإرادة ، إما إنه في الوجود الإلهي ، وإما إنه زائد عن وجوده ، في الفرض الأول ليس ثمة داع أو غاية لتكتمل إرادة الإله نحوه ، وفي الفرض الثاني يكون الوجود الإلهي وجوداٌ ناقصاٌ أو أن يكون ذلك الزائد وهماٌ وباطلاٌ وهذا لايناسب مفهوم الإله . الثانية إن هذه الشروط تفرض على الوجود الإلهي أن تكون العلية والسببية خارجاٌ عن الوجود الإلهي ، في موضوعاتها ، في أصولها ، في تأصيلها ، وإذا كانت كذلك ، وهي كذلك حسب شروط الغزالي ، فإنها مزيفة وكاذبة ، وإلا لأصبحنا أمام تناقضات وأشكالات عديدة تطعن في الذاتية الإلهية .
رابعاٌ : إن الركيزة الأساسية لدى حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي هي إن الإله قد أودع الأثر في السبب للتأثير به على المسبب ، فهل تصدق الفكرة ، لنأخذ ثلاثة أمثلة ، فكرة الهواء ، فكرة الماء ، وفكرة السكين كصناعة بشرية . في موضوع الماء ، ماذا أودع الإله فيه ، أليس تكوينه ، خصائصه ، طبعه ، فهل أودع الإله موضوع الإختناق فيه ، نحن نشرب الماء كضرورة للبقاء أحياء وهو يشكل حوالي نسبة سبعين بالمائة من جسدنا ، وإذا ماشربناه حسب المنطق والعادة فإنه بمثابة حاجة ونرتوي ونروي أنسجتنا وأعضاءنا ، فهو في الأصل مادة صحية سليمة ، أي إن الإله ، وعلى فرض صدق فرضية إن الإله قد أودع الأثر في السبب ، قد أودع فيه ماهو محمود ، ماهو مطلوب ، ماهو ممتاز لنا ، ولم يودع فيه موضوع الإختناق ، فالإختناق ظاهرة خارجة عن طبيعة وتكوين الماء في الأصل والأصالة ، وهو موضوع حدثي ، يحدث حدوثاٌ ، له حالته ، تلك الحالة التي لاتتعلق بطبيعة الماء ولا بالعناصر المكونة له . وفي موضوع الهواء ، والهواء كذلك نحن بحاجة إلى الأوكسجين وهو نسيم بليل يدغدغ أجسادنا ، وأجساد الحيوانات ، ويرطب النباتات والأشجار ، فهل أودع الإله موضوع الإقتلاع فيه ، الإقنلاع لايحدث إلا إذا وصلت قوة الرياح وسرعتها درجة معينة ، والقوة والسرعة هي مواضيع فيزيائية ، أي إن إقتلاع الأشجار ليس أمراٌ مزروعاٌ ، مغروساٌ في طبيعة الهواء . وفي موضوع السكين ، السكين كان قطعة حديد ملقاة هناك ، ثم تعرضت تلك القطعة إلى حرارة عالية فصقلت وشحذت وغدت سكيناٌ ، فهل أودع الإله القطع في تلك القطعة من الحديد ، ثم حتى السكين فهل أودع الإله القطع فيه ، فله جانبان ، جانب قد يقطع من حيث الأصل ، وجانب آخر لايقطع ، فهل أودع الإله الأثر في جانب منه وترك الجانب الآخر .
خامساٌ : إن الفكرة الإساسية لدى الإمام الغزالي والتي أستند إليها في تصوره هذا ، هي وجود الإله ، إله للكون ، وكان السؤال ، في الأصل ، لدى هؤلاء السادة ، هل ثمة إله للكون ، وذهبوا إلى تلك البراهين السخيفة والتافهة ، في حين كان السؤال ، من المفروض أن يكون ، هل ثمة كون للإله ، أي أمن المفروض أن يكون هناك كون للذات الإلهية ، تلك الذات التي يعتقدون بوجودها ، وأمن الضروري إن يخلق الإله كوناٌ له ، ولماذا يخلق الإله كوناٌ له وهو كامل مطلق لامنتهي أزلي أبدي . إن هذا التصور يخلق جملة إشكالات نذكر منها ثلاثة ، الإشكال الأول في وجه الضرورة ، الإشكال الثاني في ضرورة الغاية ، الإشكال الثالث في ضرورة الخلود .
في الإشكال الأول : هل وجود هكذا كون ضرورة للوجود الإلهي ، هل وجود أي كون كان ضروري للوجود الإلهي ، وماهو وجه الضرورة . إذا وجد إله ما بنفس تلك السمات التي ذكرناها فكيف خطر على باله أن يخلق الكون ، أن يخلقنا ، وإذا ماخلق الكون فيجب وجود ضرورة لذلك وإلا كان الخلق مجرد إتيان عبثي مزاجي سخيف ، وإذا وجدت ضرورة لعمله ذاك فإن تلك الضرورة تمتلك ، بحكم الأمر الوقائعي ، سطوة وأستبداد وسيطرة على هكذا إله ، فهي أقوى منه وتستحكم فيه وتسيره ، بل هي التي تودع في هكذا إله ، وحسب تصور الإمام الغزالي نفسه ، أسباب السببية والعلية .
في الإشكال الثاني : من الواضح ، وفيما يخص هذا الموضوع ، إن الضرورة تقتضي الغاية وإلا لكانت الضرورة نفسها تبريرية سلوكية جانبية ، فما هي الغاية يا ترى ، هنا نحن إزاء فرضين ، إما أن تكون الغاية متعلقة بالإله نفسه ، وإما أن تتعلق بالكون . في الفرض الأول تنهدم الإلوهية لإن الكون ، حسب الفرضية ، هو الذي يمنح للإله غاية هو لايستطيع الحصول عليها بمفرده . وفي الفرض الثاني ليست للغاية أي معنى ، وتحتضن مصادرة على ذاتها ، فكيف يخلق الإله الكون لغاية تتعلق بالكون نفسه ، وحتى لو وجد تبرير لهكذا فعل ، ومن المستحيل وجوده ، فإن الغاية تكون مزاجية بالكلية عبثية بالمطلق ، فارغة كاملة الفراغ في محتواها .
في الإشكال الثالث : إذا كان الإله قد خلق الكون ، كونه ، كون خاص به ، فإن هذا الكون لابد أن يكون خالداٌ مطلقاٌ كلياٌ أبدياٌ ، وإلا فإنه قد خلق كوناٌ ناقصاٌ مؤقتاٌ معيباٌ ، وهذا لايليق بعظمته ، لكن من الناحية الثانية إن الكون لم يكن أزلياٌ ، لإنه مخلوق ، وإذا كان أزلياٌ فإنه هو : وحدة الوجود ، المبدأ الذي يرفضه الإمام الغزالي .
سادساٌ : يقول الإمام الغزالي إن ثمة ثلاثة قضايا تفضي بمعتقدها إلى مجال الكفر : إنكار البعث الجسماني ، إنكار إن الإله يعلم بالجزئيات ، القول إن الأسباب تعمل بذاتها في مفهوم السببية والعلية . وسنوضح هنا إن الأسباب ، لابد ولامناص ولامحيض ، إلا أن تعمل بذاتها ، و الأسباب هي إما أن تكون صادقة أم كاذبة ولايوجد ماهو مابينهما ، فالنار إما أن تكون كاذبة أو صادقة في الإحتراق ، والجاذبية إما أن تكون صادقة أو كاذبة في الجذب ، ولايوجد ماهو مابينهما ، أي لايوجد ماهو مابين الصدق والكذب . وإذا كانت صادقة إنهدم تصور الإمام الغزالي حول مفهوم السببية ، لإن الأسباب تتصرف عندها بذاتها وبطبعها ، فالإحتراق صادق والجذب صادق ، وإذا كانت كاذبة إنهدم أيضاٌ تصور الإمام الغزالي حول مفهوم السببية ، لإن الأسباب عندها غير موجودة أصلاٌ ، فالنار كاذبة في إحتراقها والجاذبية كاذبة في جذبها . وإذا أخذنا مثال ، يا ناراٌ كوني برداٌ وسلاماٌ على إبراهيم ، سنشاهد إن النار صادقة في إحتراقها وحسب النص نفسه : لو لم تكن صادقة في الإحتراق لما تدخلت إرادة الإله في منعها من ممارسة ذاتها ، فالنار في ذهن الإله ، وفي العلم الإلهي ، وفي معرفته ، حارقة بطبعها وتعمل بذاتها ، فالإله نفسه يقر إن الأسباب تعمل بذاتها ، لذلك فإن القوم الذين قاموا بعملية الحرق كانوا متأكدين :إن النار تحرق بذاتها ، والإله الذي منع الإحتراق كان متاكدٌ : إن النار تحرق بذاتها . وإلى اللقاء في الحلقة العاشرة بعد المائة .

الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي