ابن باديس في ذكراه: قراءة من زاوية أخرى

سعيد هادف
2021 / 5 / 3

مع ذكرى وفاته يوم 16 أبريل، أثار رواد شبكات التواصل الاجتماعي نقاشا حول سيرة الشيخ عبد الحميد بن باديس ومشروعه الإصلاحي.
بعضهم حاول النبش في علاقة أسرة بن باديس بالعثمانيين مستدلا على جودة تلك العلاقة مستعرضا لائحة من المعطيات حول المصاهرة التي كانت بين عائلة بن باديس والعائلات العثمانية البارزة.
وهناك من عاد إلى علاقة هذه الأسرة بالوسط الفرنسي، وبعض أفكاره حول الاندماج والإسلام والعروبة والقومية الجزائرية. وهناك من أثار الذكرى عبر تناوله لشخصيات عاصرت الشيخ، أمثال مالك بن نبي وحمودة بن ساعي أو اهتمت بسيرته وأنشطته أمثال عمار طالبي واحميدة عياشي. تدوينات ومنشورات تمجد تاريخ الشيخ وأخرى تسعى إلى النيل من سمعته ومن كفاءته الفكرية، وأخرى تدعو إلى قراءة مسار الشيخ بعين الموضوعية.
في غمار الحراك ظهر تيار سعى إلى التوفيق بين أفكار بن باديس الإسلامية ذات النزعة السلمية وبيان أول نوفمبر الذي انتصر إلى العنف الثوري ضد فرنسا، اشتهر التيار بالنوفمبري الباديسي. وقد سعى البعض إلى إغراق الحراك في جدل أيديولوجي عقيم وعنيف وفي صراع عصبي بين أطراف غامضة بعضها تبنى الدفاع عن عروبة الجزائر ضد "الزواف" والبعض الآخر تبنى الدفاع عن مزوغة الجزائر ضد "الغزاة العرب"، واتسع الجدل إلى الفينيقيين والإغريق والرومان والعثمانيين والأقباط، كل طرف يريد الظفر بحجة يفحم بها خصمه بالضربة القاضية.
فمن هو ابن باديس؟
مع العقد الأخير من القرن التاسع عشر كان ميلاد ابن باديس (1889)، بعد وفاة الأمير عبد القادر بستة أعوام. عاش إرهاصات الحرب العالمية الأولى وعاصر مجرياتها (1914-1918)، كما عاصر شخصيات سياسية جزائرية كان لها أثر بالغ في النضال التحرري، ومازالت مثار جدل حتى اليوم: الأمير خالد (1875-1936)، مصالي الحاج (1898-1974) وفرحات عباس (1958- 1961)، وشخصيات "نادي الترقي" الذي تأسس في العاصمة عام 1927. كما أنه ابن قسنطينة مدينة أحمد باي (1786-1850) أحد أبرز المقاومين للوجود الفرنسي. وتفيد المعطيات البيوغرافية أن أسرته اشتهرت منذ القدم بإنجابها للعلماء والأمراء والسلاطين.

كان والده مندوبا ماليا وعضوا في المجلس الأعلى ومستشارا بلديا بمدينة قسنطينة ووشحت فرنسا صدره بوسام الشرف، وقد احتل مكانة مرموقة بين جماعة الأشراف، ويعود إليه الفضل في إنقاذ سكان منطقة واد الزناتي من الإبادة الجماعية سنة 1945 على إثر حوادث 8 ماي المشهورة، وقد اشتغل بالإضافة إلى ذلك بالفلاحة والتجارة، وأثرى فيهما.
كان عبد الحميد الابن الأكبر لوالديه، بدأ مشواره الدراسي بقسنطينة، في الكتّاب القرآني وتلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية. وفي سنة (1908) التحق بجامع الزيتونة. عام 1913 قام برحلة طويلة امتدت إلى الحجاز ثم الشام ومصر. تفيد المعطيات البيوغرافية أن بن باديس كان يرغب في الإقامة بالمدينة المنورة لكن هناك من نصحه بضرورة العودة، ومن هناك عاد إلى الجزائر مشبعا بفكرة النضال، واستقر في مدينة قسنطينة، وبدأ طريق نضاله بإلقاء الدروس في المساجد، حيث كان يرى أن لا طريق لتحرر البلاد من المستعمر دون تحريرٍ للعقول، فشرع في العمل التربوي، والإعلامي ثم الجمعوي عبر الأنشطة الثقافية والرياضية والحرفية. ومثلما حرص على تعليم الشباب وتكوينهم في مجالات مختلفة، حرص ابن باديس في بداية طريقه على تعليم البنات ودعوة آبائهم لإرسالهن للجمعيات التعليمية وضمان مجانية التعليم لمن لا تستطيع منهن دفع التكاليف.
عام 1924 أصدر جريدة "الشهاب" التي تطبعها المطبعة الإسلامية الجزائرية التي أنشأها عبد الحميد كذلك ثم أطلق بعدها بسنة واحدة جريدة "المنتقد" التي حملت شعار: "الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شيء".
مع 1930، وتزامنا مع مرور قرن على الاحتلال الفرنسي، ظهرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الوجود؛ جمع الشيخ عبد الحميد حوله كثيرا ً من الفاعلين في الحقل الديني والثقافي من مختلف جهات الجزائر، وحرص أن تكون الجمعية جامعة ً لمختلف المذاهب والآراء، وأصبح للجمعية عام 1932 فرع بتلمسان يرأسه البشير الابراهيمي.
ويبدو أن الشيخ عاش وضعا صعبا حتى في وسطه العائلي، حيث تكشف المعطيات البيوغرافية، أنه بعد انخراطه في الفعل النضالي ساءت علاقته بوالده، "قاطع والده من أجل الجزائر حيث طلب منه ترك الحركة وعند رفض ابن باديس لترك النضال قام والده بطرده من البيت وبعدها بفترة تم استدعاؤه من قبل الحاكم الفرنسي وفوجئ بوجود والده في المكتب حيث ساومه الحاكم بترك النشاط السياسي مقابل العفو عن ديون والده للبنك الفرنسي فجاء رد ابن باديس بالرفض ونتيجة ذلك تم طرده من البيت بصفة نهائية، وقد كتب ابن باديس رسالة حول ذلك للشيخ الطيب العقبي قال فيها إن والده أصر عليه ان يترك الحركة وقد خرج من البيت ولا يملك شيئا وطالبه بإرجاع المبالغ المالية التي أقرضه إياها وقال إن الواجب الوطني والديني يدعوني إلى ان أثبت وأصر على الحركة ومسيرتي. وفي تأكيد لهذه المعلومات قال الدكتور عمار طالبي إن عمر بن شيكو شارك في لجنة سرية لتسديد المبلغ الذي استدانه، ثم بعد ذلك غادر البيت رفقة زوجته بعيدا عن والده الذي يملك نياشين وأملاكا كثيرة (عمار طالبي)".
من هو ابن باديس في المرآة الجزائرية؟ كلما تم ذكر ابن باديس تعالى شعاره الشهير: الجزائر وطننا، الإسلام ديننا والعربية لغتنا، ومنذ بداية الاستقلال خصصت السياسة الجزائرية مقاما مرموقا للشيخ، وقدمته المدرسة الجزائرية في صورة البطل الذي عادى فرنسا وناضل من أجل جزائر عربية مسلمة، وكانت قصيدته "شعب الجزائر مسلم" من أكثر النصوص القومية شهرة لدى الجزائريين بعد نشيد السلام القومي "قسما". وتكريما له قررت الدولة الناشئة أن يكون تاريخ وفاته يوما قوميا للعلم. ولم يكن الطالب الجزائري يعرف عن الشيخ سوى تلك القصيدة والجمعية التي أسسها. أما التيار الإسلامي (في تعدده) الباديسي والصوفي والإخواني وغيره، كان شريكا في بناء النسق السياسي ككل التيارات اليسارية والليبيرالية، سواء عبر شراكته في الريجيمات السياسية المتعاقبة أو عبر مناصب مهمة في الحقل الديني والثقافي والتربوي.
لا أعرف بالضبط الصورة التي رسمها التيار المحافظ عن ابن باديس، ولا الصورة التي رسمها عنه التيار اليساري والفرنكفوني (شخصيا لم أقرأ أي كتاب نقدي جاد يتناول مسيرة الشيخ). هناك قراءات أيديولوجية صنفت الشيخ إما في خانة الأصولي المتعصب لدينه أو في خانة البرجوازي الموالي لفرنسا.
يستند أصحاب الأطروحتين على بعض مقالاته المجتثة من سياقها، فأصحاب الأطروحة الأولى ينتقون بعض أقواله على غرار: "إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية".
أما أصحاب الأطروحة الثانية يتهمون ابن باديس بالخضوع لفرنسا استنادا على بعض أقواله على غرار: "بالعلم الفرنسي المثلث الألوان، والمتحدين مع الفرنسيين اتحاداً متيناً لا تؤثر عليه الحوادث الطفيفة أو الأزمات السطحية، نعيش مع الفرنسيين، عيش الأصدقاء المخلصين، نحترم حكومتهم وقوانينهم ونطيع أوامرهم ونواهيهم".
وكلا الأطروحتين رغم اختلافهما، فهما تتأسسان على براديغما أيديولوجية واحدة، وهي براديغما فشلت في فهم الشروط السياسية التي حرمت ابن باديس من بلورة مشروع فكري واضح المعالم، ذلك أن ابن باديس عاش تحت ضغط مضاعف: تحت تأثير الفكر النهضوي (الطهطاوي، الأفغاني ومحمد عبده) الذي ظل مرتبكا ومترددا، تحت تأثير المذهب الوهابي الذي كان واضحا وصارما ونافذا في المنطقة المغاربية، وتحت ضغط الثقافة الجزائرية المحافظة، وتحت ضغط المقاربة الأمنية الفرنسية.
هناك أطروحة ثالثة تدعو إلى تجاوز الأطروحتين، وتقترح مقاربة تاريخية علمية بعيدا عن الصراعات الأيديولوجية. وفق هذه الأطروحة، كان ابن باديس رجل إصلاح، آمن بالقيم الإنسانية والعلمانية وسعى إلى خدمة شعبه في إطار ارتباطها بالأمة الفرنسية، دون التنكر للهوية الجزائرية.
ويبدو لي أن مسيرة الشيخ لا يمكن قراءتها إلا في السياق التاريخي العالمي الذي ترتب عن عصر النهضة الأوروبية، وهو السياق الذي مازلنا نعيش تحت تداعياته. ففي الوقت الذي كانت أنشطة الشيخ تتسع وتتقوى، كانت القوى الكولونيالية، معززة ببقايا القوى المعادية للثورة الفرنسية، تنفذ سياسة مناقضة لمبادئ الثورة.
ولم يكن هدف هذه القوى أن تجعل من الجزائر "جزءا ً لا يتجزأ من فرنسا" كما توهم البعض، بل كان هدفها أن تجعل من الجزائر مجرد مجال حيوي للأنشطة الإمبريالية ومخططها المعادي للمد الحقوقي، الديمقراطي والعلماني الذي بدأ يتقوى في فرنسا بعد كومونة باريس (1871). هذه القوى ظلت تعتمد المقاربة القمعية الأمنية/العسكرية في مستوطنتها الأولى الجزائر [الأمر سيختلف مع تونس (1881) والمغرب (1912)]. تلك القوى عملت بكل قواها على حرمان "الأنديجان" من حرية التعبير عن مشاكلهم وتطلعاتهم.
مع بداية القرن العشرين نبغ جيل جزائري جديد استوعب روح العصر، واقتنع أن الثورة الحقيقية لن تكون إلا بالنضال السلمي، وتمرّنت نخبة هذا الجيل على طرق جديدة في النضال السياسي. فبادرت إلى تأسيس نواد ثقافية ورياضية ومنابر إعلامية وأحزاب سياسية وانخرطت في الحياة السياسية بالطرق الشرعية.
كانت هذه الثورة السلمية في الجزائر صدى وامتدادا لروح الثورة الفرنسية التي بدأت تحقق بعض مقاصدها في معقلها بباريس، ومن ثمة كانت عدواها تنتقل إلى الجزائر، وهو الأمر الذي أزعج جبابرة الرأسمال الفرنسي، فسعوا إلى التضييق على كل نشاط مدني سياسيا كان أو ثقافيا، حتى وإن كان منفتحا على الأفق الفرنسي. ما كان يهم تلك القوى هو أن تبقى الجزائر مجالا محصنا ضد أي تجاوب مع الثورات الحقوقية وضد أي انفتاح على العالم حتى تبقى ثرواتها لقمة سائغة.
تلك هي الثورة السلمية التي كان ابن باديس أحد روادها إلى جانب فرحات عباس ومصالي الحاج والأمير خالد، غير أن المخطط الإمبريالي عمل كل ما في وسعه للحد من فاعليتها، وحين فشل في تجفيف منابعها، عمل على تفخيخها بالعنف.
قبل الإعلان الأممي عن نهاية الحرب العالمية الثانية بأربعة أشهر، كان لا بد من نقطة ارتكاز لضرب مستقبل العلاقة الفرنسية الجزائرية، ونقطة انطلاق تؤسس للحرب ولعداوة مزمنة بين الشعبين، ولم يكن يوم 8 مايو عشوائيا، في هذا اليوم (8 مايو عام 1945) انتهت الحرب في أوروبا بغزو الحلفاء لألمانيا، وسيطرة الاتحاد السوفييتي على برلين والاستسلام الألماني غير المشروط؛ وفي هذا اليوم بالذات حدثت مجزرة قالمة خراطة سطيف، ومن هناك بدأ الحراك القومي الجزائري يجنح إلى العنف ضد فرنسا من جهة وما بين الجزائريين من جهة ثانية، وذلك المشهد مازلنا نعيش على إيقاعه حتى اليوم. فمن هي الجهة التي كانت وراء مجازر 8 مايو؟
وفي الختام أود أن أقول، هناك عدة أسئلة، من وجهة نظري، يجب طرحها على الشيخ ابن باديس، وعلى سبيل التمثيل لا الحصر: ما هو موقفه من المذهب الوهابي؟ وكيف قرأ رموز عصر النهضة العربية؟ وهل كان له رأي في مقاومة أحمد باي والأمير عبد القادر؟ وهل كان له موقف واضح من الثورة الفرنسية؟ وكيف تمثل هوية الأمة الجزائرية، لاسيما أنه هو من كتب التقديم لكتاب الميلي "تاريخ الجزائر القديم والحديث"؟

الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي