الدين داء أم دواء ؟

سعود سالم
2021 / 5 / 3

أركيولوجيا العدم
٤٠ - الدين أفيون الشعوب
لا أحد يستطيع أن يدعي اليوم أن قصيدة بارمينيس ونصه المؤسس للفلسفة "في الطبيعة"، ولا الفلسفة اليونانية بأسرها، ولا نقد كانط ولا ديالكتيك هيجل، ولا فكر شوبنهاور أو فويرباخ، ولا هايدجر ولا سارتر ولا ميرلوبونتي، ولا العشرات من الفلاسفة الذين واجهوا هذه الإشكالية ووجدوا بعض الحلول والمعادلات الصحيحة لفهم الكينونة والزمان والعدم، لا أحد يدعي أن ذلك له تأثير ولو ميكروسكوبي أو حتى نانوني على إنحسار القلق والإحساس بالعبثية والخواء وعدم ضرورة الحياة والوجود. ومن جهة أخرى نرى الأديان، بصورة عامة تقدم حلولا جاهزة ونهائية، تقضي على القلق والضياع وتعطي للإنسان سببا للحياة وهدفا بعد الموت، وتزوده بالخرائط اللازمة لمواصلة الطريق بثقة وأمان. ومع ذلك، فإن القلق لا يختفي نهائيا، لأن هذا الحل الديني يتطلب من الإنسان أن ينسلخ عن العقل وأن يضعه بين قوسين مؤقتا أو نهائيا، مما يسبب قلقا من نوع جديد.
كنا نعتقد أنه قبل ظهور الفلسفة اليونانية، كان العالم الذي يعيش فيه الإنسان كائنا عينيا صلبا لا شك في واقعيته، بعواصفه وبراكينه وزلازله وبرده وحرارته، الإنسان كان يعاني ويختنق من كينونة الظواهر الطبيعية ولم يكن له الترف أو إمكانية الشك في وجودها. العالم كان هنا كما كان الإنسان ذاته، بلا مبرر وبلا هدف. ومع تطور الإنسان وتطور قدراته العقلية أصبح يميز بينه - أي الإنسان ـ وبين الحجر الذي بدأ يستعمله، بينه وبين النار التي تمكن ما تطويعها ليستدفأ بها في الليالي الباردة، وبينه وبين الشمس والقمر والريح والمطر .. لقد بدأ ينفصل تدريجيا عن العالم وبدأ في تكوين ذاته وهويته الجماعية كقطيع من البشر يحاول أن يظل حيا في عالم شرس يعج بالفخاخ والمصائد والمطبات. وعندما أكتشف الإنسان عملية الإنفصال، وبأنه لم يعد جزءا مما يحيط به من الأشجار والأحجار والبحار والأنهار، بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلبه وبدأ "الشيطان" يوسوس في صدره ويزرع الشكوك في حواسه. وهنا بدأت بضاعة الدين في الظهور، وإنتشار تجارة الآلهة كبضاعة بلا منافس. ويجب القول بأنه في تلك الظروف المعرفية، ربما لم يكن لهم حل آخر. الآلهة أو الأنظمة الدينبة، كانت بضاعة رائجة لأنها كانت لها وصفة سحرية، بل وصفات متعددة فيما يتعلق، ليس فقط بالظواهر الطبيعية ولكن أيضا بالظواهر النفسية والشعور بالخوف وبالموت. نعرف اليوم بأنه في ثقافة ما بين النهرين، والثقافة الفرعونية، وثقافة أمريكا الشمالية والجنوبية قبل إبادة الهنود، بأن "الكلمة" أو "الصوت" له "معنى" حسب الموقف والظروف والمكان والزمان، وأن الكلمة لها تأثيرها الفعلي على الأشياء، ومن هنا جاءت التراتيل والأناشيد والتضرعات والصلوات التي تستعمل الكلمات لتغيير أو التأثير في الظواهر الطبيعية. وبدأ الشك في وجود الأشياء ذاتها وفي حقيقة ما نراه حينما اكتشف الإنسان محدودية الحواس وضعف إمكانياتها وقدراتها المعرفية وكذلك إكتشافه لقدرة الخيال على صياغة الواقع وإكتشافه مبكرا لقوة الأحلام والقوة الإيحائية للظلال. ويبدو كأنه هناك نقطة مظلمة وغير مرئية أو غائبة عن التحليل والإستقصاء في تاريخ الفكر الفلسفي، فيما يخص أسباب الشك والإرتيابية في إمكانية العقل الإنساني لمسائلة الكينونة دون اللجوء للقوى الميتافيزيقة الخارقة، ويمكن أن تكون هذه الزاوية المظلمة هي إكتشاف الإنسان لـ "فرديته" وبالتالي لوحدته الأصلية المطلقة والمغلقة والغير قابلة للإنفتاح، وبالتالي إحساس مؤلم بالغربة والإنسلاخ. هذه الغربة الوجودية التي تغوص جذورها بعيدا في الوعي الإنساني، ترجع بدون شك إلى سقوط "الوجود الجماعي" والذي يمثله إنصهار الوعي الفردي في وعي جماعي كلي، وتحوله إلى "كينونة جماعية"، غير واعية بذاتها. نتيجة هذا السقوط أو التحول métamorphose - μεταμόρφωσις هو ذوبان هذه الكينونة الجماعية وتحولها تدريجيا إلى كينونة فردية واعية بذاتها وتكوين الآخر، الكينونة المنفصلة، ونشوء فكرة الفرد المعزول في قلعته الذاتية وجزيرته الخاصة. ويجد الإنسان نفسه منفصلا عن "القطيع" الذي كان جزءا حيويا منه، ويصبح نواة فردية تائهة في فراغ بلا حواف، ضعيفا، هزيلا، قابلا للسقوط والهزيمة والموت في كل خطوة وعند أول هبة ريح أو عاصفة.
يمكن تتبع أول الإشارات المسجلة والمكتوبة والتي تصور هذا الوعي الفردي بالقلق والخوف تجاه ظاهرة الموت منذ بداية الكتابة في حضارة ما بين النهرين، ونعني بذلك شخصية جلجامش التراجيدية، ورحلته الأسطورية الكبرى، هربا من وحدته وبحثا عن شجرة أو نبتة الخلود. كان جلجامش ملكا سلطويا وطاغية يفعل ما يشاء بشعبه، تقوده الرغبة في التسلط وإذلال رعاياه مستعينا ومفتونا بقوته الخارقة، حتى أكتشف الصداقة والحب في شخصية إنكيدو الذي جاء ليحد من طغيانه وتسلطه متحديا إياه بقوة مماثلة. غير أن إنكيدو سرعان ما سقط مريضا وفارق الحياة ليترك جلجامش وحيدا ومهزوما يأكله الخوف والقلق من مصير مشابه. ولم يكن لجلجامش من حل آخر، للتخلص من القلق والخوف الذي يسكن قلبه سوى ترك ملابسه الحريرية وفخامة قصره ويلبس ملابس إنكيدو البسيطة وينطلق بحثا عن حياة أبدية خالية من الموت. رحلة جلجامش الطويلة كانت للتخلص من القلق المزمن الذي اجتاح حياته بعد "غياب" إنكيدو، وإكتشافه للموت الفردي في عقر داره كما يقال، كحد أقصى للحياة البشرية ونهاية كل الرحلات وكل المغامرات وكل المشاريع، ليتحول الإنسان إلى جسد ساكن ينخره الدود .. ثم يوضع في صندوق نقفله وندفنه تحت التراب، ويختفي إلى الأبد.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب