آلان باديو (1937 -  )

غازي الصوراني
2021 / 5 / 3


3/5/2021

"ولد آلان باديو بالرباط (المغرب) في 17 يناير 1937، ويعتبر اليوم أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين وأبرزهم، وقد كتب أيضا روايات ومسرحيات عديدة، وهو إضافة إلى ذلك مناضل سياسي، عُرف بموقفه الصريح ضد الاحتلال الصهيوني، يصنّف ضمن أقصى اليسار، وقد درّس الفلسفة بالجامعات الفرنسية وبعدّة معاهد وكليات.
من أعماله الفلسفية: "نظرية التناقض" 1975- "الكائن والحدث" 1982 – "بيان الفلسفة" 1989 – "العدد والأعداد" 1990 – "بيان الفلسفة الثاني" 2009-02-15 وله عدّة أنشطة في مجال البحث الفلسفيّ والأدبيّ"([1]).
برز "آلان باديو" في المشهد الفلسفي الأوروبي، "بعد أن قدّم إنجازين مرِموِقين هما "الكائن والحدث" (1988) و"منطق العوالم" (2006)، وزاد من شهرته، قبل سنوات، كتاب سياسي نقد فيه حالة ساركوزي، رئيس جمهورية فرنسا الأسبق، ونقد فيه الليبرالية الجديدة، التي انتهت إلى غير ما وعدت به، غير أن ما جعل من "باديو" حالة خاصة بين الفلاسفة، يتمثل في مساره الفكري وأشكال الكتابة المختلفة التي تعامل معها.
حاول هذا الأستاذ الجامعي، الذي دخل إلى الحياة الثقافية لامعاً ومشاكساً، أن يؤسس حزباً ثورياً، بعد ثورة الطلبة عام 1968، مستلهماً القائد الصيني ماو تسي تونج، وأشرف على سلسلة كتب فلسفية منحها عنواناً مستجلباً من الصين: يينان. لكن لغته النظرية الصعبة، كما مزاجه الشخصي، عطّلا مشروعه قبل ولادته"([2]).
"الفلسفة عند "آلان باديو"، هي كما كان يقول به أستاذه لوي آلتوسير: "الفلسفة صراع طبقي داخل النظرية"، يقول باديو: "الفلسفة هي الفعل الذي يعيد تنظيم جميع التجارب النظرية والعملية، اعتماداً على منظور قوامه قسمة الظواهر، يقلب النظام الفكري القائم ويوقظ قيماً جديدة تتجاوز القيم السارية، فالفيلسوف يعلم تماماً أن لمعشر الشباب الحق في التصرف بحياتهم وأنهم مؤهلون غالباً لقبول مخاطر التمرّد المنطقي".
 استعار باديو مفهوم الفصل الباتر بين الظواهر الاجتماعية من مرحلة الشباب الفلسفية، القائلة إن كل ما هو قائم في المجتمع والحياة عرضة للانقسام، وانجذب إلى منظومة القيم خلال صحبته الطويلة للفلسفة الأفلاطونية، التي أقنعته بتماثل الشعر والثورة، وبقي وفياً لذاته وهو يتحدث عن "تمرّد منطقي" لازمه من أيام الشباب إلى سبعيناته المطمئنة.
فبعد مرحلة رفع فيها راية التمرد والثورة، وصل إلى مرحلة تمزج التمرد بالشعر، وتضع الحب والثورة في مرتبة واحدة، وهو في الحالات جميعها رهين المحتمل، الذي تدعو الفلسفة إليه، من دون أن تعرف عن طبيعة "المحتمل" المرغوب الشيء الكثير، لذا يلجأ باديو، الذي يجمع خياره الأخلاقي بين آلتوسير وجان بول سارتر، إلى كلمة "الرواية المتخيّلة"، التي تحتضن فعلاً نقدياً وأملاً فاعلاً وإجابة فلسفية مؤجلة، لم يستطع الفيلسوف العثور عليها"([3]).
"لا غرابة أن تكون "البطولة" من مواضيعه الأثيرة، وأن يكون مفتوناً ببطولة القرن العشرين، قرن الثورات المتنوعة الكبيرة، وأن يضع عنه كتاباً عنوانه: "القرن"، ترجم إلى لغات كثيرة. فعلى خلاف "فلاسفة" اختصروا القرن العشرين إلى الهتلرية والستالينية وما يقبل بالاشتقاق منهما، بحق وبغير حق، رأى باديو فيه الثورة الروسية والصينية والفيتنامية، وثورات كاندينسكي في الرسم وإيزنشتاين وتشابلن في السينما، وفرويد في التحليل النفسي وأينشتاين في الفيزياء، وكافكا في الرواية، الأمر الذي عيّن "القرن" سيّداً على الأزمنة.
ينطلق الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، في حواره مع البطولة، من زمن مأزوم، كما يقول، ذلك أن الزمن الذي نعيش ضل اتجاهه، ملغزاً المسافة بين القيم والهدف، فلا ثورات ولا ما يشبه الثورات، بل أن في "الزمن التقني" المسيطر ما يعطّل الأمل، التي تنتظر تفتّح الإمكانية الإنسانية المشبعة بالبطولة في كل مكان من هذه الأرض، ولعل فكرة الأمل التي تعطف الحاضر على مستقبل لا ظلم فيه، هي التي جعلت باديو يحتفل بالربيع العربي في كتاب صدر باللغة الإنكليزية، يضمّ دراسات عدة وعنوانه "التاريخ يولد من جديد".
نثر باديو فوق صفحات كتابه السؤال التالي: "إذا كان زمننا، الذي يعطّل البطولة، بحاجة إلى جندي مجهول جديد يصوّب مساره، فما هي ملامح بطل الزمان المنتظر؟ الجواب ماثل، ربما، في "ميدان التحرير"، كما يقول، والجواب ماثل في ملامح الفقراء، الذين يخرجون إلى التظاهرات رافعين "النعوش"، قبل أن يضمهم نعش جديد، والبطولة ماثلة في إسقاط الخوف، ذلك أن من يقتل الخوف يفعل ما يريد. بطل هذا الزمان إنسان بسيط، يعي مصالحه قافزاً فوق رجال الأمن والتضليل الإعلامي وفوق البلاغة الورعة، التي تتحدّث عن جميع الأزمنة ولا تعترف بالرغيف"([4]).
تميز بمواقفه الثورية الراديكاليه، وفي هذا السياق يقول ألان باديو في مقابله حواريه أجرتها صحيفة ليبيراسيونLiberation بتاريخ 27 يناير 2009 :
"أنا لم أتغيّر منذ السبعينات، تلك الفترة التي كانت فيها الراديكالية السياسية تحمل صورة الثورية في حالة جيّدة، وفي الثمانينات كثيرون تخلّوا، وأنا بقيت وفيّا، لماذا أصبح هذا الوفاء شيئا ملموسا (مرئيا) وإعلاميا، تفسير ذلك يجب البحث عنه بداهة في فراغ اللعبة السياسية. هناك أزمة سياسية، هناك أزمة دولية، الهوّة بين حياة الناس وما يفعله الحكم، أو ما لا يريد أن يفعله، تكبر شيئا فشيئا، هذه الأزمة السياسية، وهي أزمة أيديولوجية أيضا تساعد على تنامي الأفكار التي تحاول المضيّ إلى أصل الأشياء.
وفي اجابته على السؤال: هل تتهم اليسار تحبيذه الإصلاح على الثورة؟ يقول: "لم نعد نعيش هذه الثنائية، الثورة أصبحت اليوم مفهوماً مفرغاً من محتواه، وحتى الحزب الجديد (ANP المعادي للرأسمالية لا يحضّر للثورة، ولكي نقيم مقارنة تاريخية أقول إنّنا في وضعية شبيهة بتلك التي كانت في سنوات 1840: الرأسمالية تركّزت، وهي في أوج اندفاعها وتوسعها، فكرة الثورة بدت وكأنها قُبِرت نهائيا، وتتحدث بالتالي عن روبسبيركما نتحدّث اليوم عن ماو ولينين، أمّا بالنسبة للجمهوريين الذين يمثلون اليسار، فهم تماما كاشتراكيي اليوم، منشغلون باللعبة البرلمانية، ونحن نعلم اليوم كيف سرق نابليون انتصارهم سنة 1848.
ولكنّ الأهمّ –كما يضيف ألان باديو- في تلك الفترة هو إعادة الهيكلية الثقافية مطعّمة بتجارب سياسية عمالية معزولة: الشيوعية الطوباوية، بيان ماركس، ولكنّ هذا التفاعل مرّ كالمعتاد دون انتباه يُذكر"([5]).
وعن سقوط الأنظمة الشيوعية والاتحاد السوفياتي، يقول ألان باديو:
"لنذكّر بدءاً أنّ هذه الأنظمة لم تسقط تحت تأثير انتفاضة شعبية، أو بثورة عارمة، وإنّما بقرارات من حكامها، إرادة الشعوب لم تكن محدّدة، كان من الأفضل لو حدثت انتفاضات شعبية: كان يمكن عندها أن تولد أفكار ما، وأن تظهر مطالب ناتجة عن تحوّلات داخلية من صلب الشيوعية، أمّا عن الحصيلة بحدّ ذاتها، إذا كانت تحاسب التجارب الشيوعية من خلال معياري: النجاعة الاقتصادية والحريات السياسية، فإنّ الخسارة مضمونة مسبقا، لأنّ هذين المعيارين هما بالتحديد معيارا العالم الغربيّ، المعيار الذي حدّدته هذه التجارب الشيوعية يختلف تماما وجوهريا، إنّه معيار خلق وإحياء واقع جماعيّ لا يرتكز بتاتا على الملكية الفردية، وكان واضحا أنّ الأساليب المتوخّاة كانت كارثية.
هل يعني ذلك أن نتخلّى عن المشروع في حدّ ذاته؟ بالعكس–يقول ألان باديو- يجب أن نتمسّك بشدّة بفكرة مجتمع لا يكون محرّكه الأساسيّ الملكية الفردية، والأنانية والشراسة، إننا نرى اليوم أنّ مديري البنوك وحرفاءهم الأساسيين هم رهائن الجشع والربح. هذا الربح كمحرّك للحياة الاجتماعية هو ما يريد المشروع الشيوعي تخليص البشرية منه"([6]).
بالنسبة لمواقفه تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان يقول ألان باديو:"أنا مع دولة الحقوق، ومع حقوق الإنسان، إذا لم يتمّ اتخاذها كذريعة إيديولوجية لتغطية التدخلات العسكرية أو الفوارق المجحفة أو الإقصاءات بتعلّة الدمقرطة الثقافية. والحقيقة أنّ الديمقراطية لم تستطع أن تخفّف حدّة العنف داخل المجتمعات الغربية إلا بواسطة تحويل هذا العنف إلى الخارج.
يقول أيضا: "الولايات المتحدة الأمريكية هي في حالة حرب شبه دائمة منذ قرن ونصف، حرب كوريا، حرب فيتنام، العراق، الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.. دون أن ننسى الحروب الثانوية حيث تتدخل الديمقراطيات كَيَدٍ ثانية (نحن نعرف حتى الآن ماذا فعلت فرنسا في رواندا) إنها لكذبة أن نقول انه بفضل الديمقراطيات نحن نعيش في عالم بلا عنف، فالديمقراطية لم تنه العنف بل صدّرته إلى الخارج لأنّه، إذا كانت ساحة ديمقراطية خاضعة للرأسمالية تريد البقاء، عليها أن تكون ساحة رخاء نسبيّ.
كما "إنّ مسارات الديمقراطية كما هي لا تكفي لاحتواء الصراعات والصدامات الطبقية الناجمة عن الفوارق الاجتماعية، ولكي لا يتحوّل ذلك إلى عنف، يجب إيجاد نوع من الرخاء يظهر وكأنه لا يوجد في أماكن أخرى. ويجب حماية هذا الرخاء.. هكذا يولد مفهوم الحماية، القوانين ضدّ المهاجرين الأجانب، التدخّلات العسكرية… إنّ العنف صاحب عملية تراكم الرأسمال البدائي وظهور الديمقراطيات، أمّا الازدهار الرأسمالي فقد كان على حساب شعوب، منها التي أفنيت تماما (شأن الكراييب…) وقد وقعت حروب ومجازر لا حصر لها، وهذا العنف مازال مستمرا، ولا يمكن له إلا أن ينمو ويتسع في ظروف كهذه…إذا لم يتمّ استخدام مبادرات جديدة سياسية وشعبية، فإننا نسير نحو حروب مروّعة"([7]).
وأضاف قائلاً: "إنني عائد من إسرائيل وفلسطين حيث رأيت هذا الجدار الذي يمتدّ على طول الضفّة.. ما الذي لم نفعله تجاه حائط برلين؟ والآن نبني جدرانا في كلّ مكان، فلسطين، المكسيك… وبعدد من القتلى يضاهي قتلى الشيوعية.. إنّ الستار الحديديّ (نسبة للعالم الشيوعي السابق) كان يمنع الناس من الخروج.. والجدران الأمنية الحالية تمنعهم من الدخول.. الأنظمة الاشتراكية تورّد العنف للداخل، والديمقراطية تصدّره…أن تكون جلاد شعوب أخرى عوضاً عن شعبك بالتحديد، هل هذا أمر محبّذ فعلا؟؟"
وعن سؤال الافتراض الشيوعي، ماذا تقصد بما أنك تدافع عن هذا الافتراض؟
يجيب ألان باديو: "تقريبا ما يراه ماركس، إنّها خطوة للوراء ضرورية لفصل الشيوعية عن واجهة الحزب – الدولة، والرجوع بها إلى طبيعتها الأولى كفكرة فلسفية. مجتمع لا تكون فيه الملكية الفردية هي المحرك، ويكون قادرا على الالتزام بمسار مساواتي يوجِد مفهوماً جديداً للحقوق، الصعوبة الكبيرة التي نواجهها تظلّ سلطة الدولة، ماركس يتوقّع اضمحلالها. والأنظمة الشيوعية على العكس من ذلك، ركّزت دولاً خارقة القوّة، ما هي الحدود التي على الدولة أن لا تتجاوزها الآن؟ نحن لا نملك نظرية واضحة بهذا الصدد، لهذا على التجربة السياسية اليوم، أن تخضع الدولة لحقل عملها، لا أن تكون خاضعة لها"([8]).
أما عن برنامجه يقول ألان باديو: النقطة الأساسية هي المساواة وهذا يمرّ عبر إجراءات حيويّة ضدّ الرأسمالية، وإعادة تنشيط الخدمات العامّة كي تكون الدولة دولة الجميع بالفعل، وبناء علاقة جديدة بين التعليم والعمل وابتكار جديد للعالمية، ولكنّ كلّ هذا يتبلور في الميدان لا عبر برنامج تجريدي.
وعن رأيه في الحزب الجديد المناهض للرأسمالية في فرنسا([9])، يقول:
" أتمنّى أن يحقق 10% في الانتخابات القادمة، لأنّ ذلك يسبّب بعض الإرباك المضحك في اللعبة البرلمانية، ولكن سيكون بدون صوتي، لأنني لا أصوّت منذ ماي 1968. إنّ هذا المزج بين الشكل القديم للحزب (تحت مبرّرات ماركسية) واللعبة السياسية التقليدية (المشاركة في الانتخابات، إدارة السلط المحلية، التنويط داخل الانتخابات…) تذكر وبكلّ بساطة بالحزب الشيوعي العتيق منذ الأربعينات، اليوم العمل النضالي يجب أن يحترز من أمرين: بداية، يجب تحديد موقف من الدولة، لأننا حتما سنعود إلى (الشكل – الحزب) بعد ذلك الدخول في لعبة الانتخابات، ذلك أنه لا ينبغي علينا أن ندعم الديمقراطية بشكلها “الرأسمال – برلماني” لأنه منذ أن نترشّح لانتخابات ما فإننا نسعى أن ننتخب، ثم أن يعاد انتخابنا، ثم يصبح لنا كتلة برلمانية، ثم نتمتع بمنح وقروض رسمية… الآن المهمّ هو ممارسة التنظيم السياسي المباشر في أوساط الجماهير الشعبية، وتجربة أشكال جديدة من التنظيم.. يجب أخذ المسافة اللازمة في نفس الوقت عن الشكل –الحزب والدولة"([10]).
 
آلان باديو والموقف من العنف المستشري عالمياً ([11]):
ما الأطروحة التي يدافع عنها آلان باديو؟ وكيف يقارب موضوع العنف المستشري في كل بقاع العالم؟
بداية يقدم لنا الفيلسوف تصوره لبنية العالم المعاصر كالآتي:
لا نزاع حول الانتصار الهائل للرأسمالية المعولمة، فهي عادت إلى طاقتها الأولى وحيويتها التي توقفت جراء الكبح الشيوعي، وهذه الرأسمالية أصبحت كبنية ضخمة تشتغل بمنطق كاسح، وتتجاوز منطق الدول، لتدار بمنطق العصابات، فالعالم باتَ يَعُجُّ بالشركات العابرة للقارات التي أصبحت كوحوش ساحقة ورساميل بعضها يتفوق على الدول، وغدت في كثير من الأحيان عائقاً نحو الاستثمار، مما جعل البنية الرأسمالية تعمل على إضعاف وإهلاك الدول وإفشالها لترك سريان الاجتياح والالتهام يشتغل دونما قيود، بل والأكثر من ذلك، فهي أصبحت تسعى نحو التدمير المنهجي لكل التدابير ذات الأبعاد الاجتماعية وكل الإجراءات التي تصب في الخير العمومي.
كما يؤكد آلان باديو على أن: "منطق رأس المال أصبح منفلتاً" فـ"الليبرالية قد تحررت" خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ونحن نتفرج ونقف مكتوفي الأيادي، فحتى الشيوعية التي كانت تُعَدُّ بديلا أصبحت من الهوان والمرض إلى درجة الخجل من ذكر اسمها، بل هي محرمة على المستوى العام.
ويضيف آلان باديو قائلاً: "إن الرأسمالية بمخالب شركاتها، أصبحت قادرة على تمزيق الدول وشل كل مقاومة محتملة، وجعل كل شيء سلعة وبيع وشراء، فحتى "داعش" كانت مجرد قوة تجارية بالنسبة لها، فهي تبيع في النفط والقطن، وبالتالي فإن هذه الرأسمالية المعولمة صنعت لنا بحسب الفيلسوف باديو تقسيمات طبقية عالمية جديدة وهي([12]):
أولاً: طبقة "أوليغارشية" قليلة العدد وتسيطر على النسبة الكبرى لثروات العالم وهي المحركة لبنية الاكتساح وهي جشعة ومتوحشة وتستعمل كل الوسائل للحفاظ على مصالحها.
وثانياً: طبقة متوسطة ينعتها بالذات الغربية وهي تتقاسم الفتات من ثروات العالم أي نسبة 14 في المائة وهي المتمركزة في أوروبا وبعض البلدان النامية وهي معتدة بنفسها وفي الوقت نفسه تعيش خوفا من ضياع ما لديها، إذ تقتطع منه الأوليغارشية كل مرة، ناهيك على تشبثها بآيديولوجيات تبريرية لضمان لقمة عيشها القليل ولكن الأمن، إلى حد أن الديمقراطية بحسب الآن باديو لم تعد سوى إدارة خوف هذه الطبقة.
وثالثاً: نجد الحشود الهائلة من البشر والتي لا مكان لها في العالم الرأسمالي الجديد، لأنها لا هي من فئة الإجراء ولا من فئة المستهلكين، فهي خارج السوق العالمية، هذه الحشود تنقسم بدورها إلى ذاتين هما: ذات راغبة في الغرب وتتوق إليه وتشتهي التملك والمشاركة في كل ما يعرض من مغريات وصور في كل الأمكنة للرخاء الرأسمالي، وذات عدمية انتقامية ومدمرة، عجزت عن الحصول على ما لدى الغرب فانقلب الحب كرهاً وحقداً وحسداً.
 
إذن بحسب الفيلسوف الآن باديو، -كما يقول محسن المهدي- "ليس الإسلام هو سبب العنف والتفجيرات والمذابح التي نراها في العالم، بل هي سلوكيات تعبر عن الرغبة في الانتقام من السيطرة الرأسمالية العاملة على الإقصاء ووضع الملايين من البشر خارج النعيم الاستهلاكي. أما الإطار المقدس والنزعة الماضوية فهو غطاء آيديولوجي يوظف لتبرير القتل، فما المخرج من هذه القبضة المحكمة للرأسمالية المعولمة؟ يقترح الآن باديو حلا يتمثل في ضرورة تشكيل بروليتاريا مترحلة تَجْمَع كل العاملين والمثقفين بالكون وتعمل بنفس منطق الرأسمالية الحالي وهو العبور في كل القارات، مجتهدة في خلق مقاومة وبدائل تصب في الخير العام ليستفيد كل البشر من ثروات المعمورة، وهو ما يوفر على البشرية الكثير من الألم والعذاب"([13]).
 
 


([1]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013
([2]) موقع المعرفة – الانترنت https://www.marefa.org .
([3])المرجع نفسه 
([4])المرجع نفسه 
([5]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013
([6]) المرجع نفسه.
([7]) المرجع نفسه.
([8]) المرجع نفسه.
([9]) حزب ماركسي فرنسي، تميز بنشاطه الواسع في أوساط العمال والمثقفين أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
([10]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013
([11]) محسن المهدي – جريدة الشرق الأوسط – 26 / 7/ 2018.
([12]) المرجع نفسه .
([13]) محسن المهدي – جريدة الشرق الأوسط – 26 / 7/ 2018.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول