قصة الولايات المتحدة (31) – نهاية الحرب الباردة

محمد زكريا توفيق
2021 / 5 / 2

نهاية الحرب الباردة

هاجم الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونج سياسة التعايش السلمي مع الغرب. واتهم القادة السوفييت بتحريف الشيوعية وتغيير أهم مبادئها. ثم قال إن الطريقة الوحيدة للتعامل مع الرأسمالية الأمريكية، هي المواجهة، وأن تكون مستعدا لمحاربتها حتى الموت.

لكن الكثير من الجدل حول ما إذا كان الروس أو الصينيون أفضل شيوعيا وأقرب إلى أصولها، هو مجرد ستار دخان يخفي الخلاف الحقيقي بينهما، وهو امتلاك الأرض.

يدعى الصينيون أن ما يقرب من مليون ميل مربع من مساحة الاتحاد السوفيتي، كانت في الحقيقة ملكهم. وكانت جيوش بأعداد كبيرة تقف تراقب، وفي بعض الأحيان تقاتل على الحدود بين البلدين.

العداء بين الصين والاتحاد السوفيتي، كانت له آثار هامة على علاقة كلا البلدين مع الولايات المتحدة في أوائل السبعينيات. العلاقة التي تتمثل في استمرار تعايش الولايات المتحدة السلمي مع الاتحاد السوفيتي، وبدايته مع الصين.

في مايو 1972، طار الرئيس نيكسون إلى موسكو للتوقيع على معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT) مع الروس. الفكرة هي إبطاء وتيرة سباق التسلح، وتوفير الأموال وتقليل احتمالات الحرب بينهما. ولقد وافق كل طرف على عدد معين من الصواريخ من كل نوع، مسموح للطرف الآخر بامتلاكها، وعدد معين من الغواصات التي تطلقها، وهلم جرا.

أول بادرة لاهتمام الصين بالتعايش السلمي مع الولايات المتحدة، جاءت في عام 1970. لسنوات، كان من الصعب على أي شخص من الدول الغربية زيارة الصين. لكن في عام 1970، دعت الصين فريق تنس طاولة أمريكي لزيارتها واللعب هناك.

أخذت الحكومة الأمريكية هذه الدعوة محمل الجد، واعتقدت، وكانت محقة في ذلك، أنها إشارة إلى أن الصينيين يريدون تسوية خلافاتهم مع الولايات المتحدة.

الرجل الذي كان يقف وراء الخطوة الصينية، هو شواين لاي، رئيس وزراء الصين. كان يعتقد شواين لاي أن الصين تحتاج إلى أصدقاء على الساحة الدولية، وخاصة عندما كان الاتحاد السوفيتي غير ودي جدا. لقد أقنع ماو تسي تونج بمحاولة إنهاء العشرين عاما عداء مع الولايات المتحدة.

طار مستشار الرئيس نيكسون، هنري كيسنجر، إلى الصين لعقد اجتماعات سرية مع شواين لاي. بعدها، وافقت الولايات المتحدة في عام 1971، على انضمام الصين الشيوعية إلى الأمم المتحدة. وهو أمر كانت تستخدم أمريكا حق النقض ضده لسنوات.

في فبراير 1972، طار نيكسون إلى الصين لتلبية دعوة ماو تسي تونج. ماو كان لا يزال يشك في الأمريكان، لكن السنوات التي تلت، تم عقد اتفاقيات هامة بين الصين والولايات المتحدة، للتجارة وغيرها من المسائل، وخاصة بعد وفاة ماو في عام 1976.

كلما تقاربت الصين من الولايات المتحدة، وصارت العلاقات بينهما أكثر ودية، زاد التوتر مرة أخرى بين الروس والأمريكان. الروس ما زالوا يخشون من أن الولايات المتحدة تريد محو الشيوعية من العالم، والأمريكان لا يزالون يخشون رغبة السوفييت في قهر العالم.

ازدادت المخاوف الأمريكية قوة، عندما غزت الجنود الروس، جارتهم أفغانستان في ديسمبر 1979. بسبب هذا الغزو، رفض الكونجرس تجديد اتفاقية الحد من الأسلحة المبرمة بينهما.

من ثم، استمر كلا من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، في تطوير أسلحة نووية جديدة أكثر فتكا، وصناعة صواريخ عابرة للقارات، خلال سنوات التعايش السلمي.

كانت هناك محاولات للإبطاء من هذا السباق المحموم، لكن أيا منهما لن يتوقف إذا شعر أن الآخر يسبقه في التسلح. في بداية الثمانينيات، كان يبدو أن التعايش السلمي بينهما قد توفاه الله وأصبح في خبر كان.

هنري كيسنجر

في عام 1938، هرب صبي يهودي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما من ألمانيا في رفقة والديه، خوفا من هتلر. ذهبت العائلة للعيش في الولايات المتحدة.

هناك، حصل الصبي على وظيفة في مصنع لفرش الحلاقة. لقد كان ذكيا دؤوبا على العمل. واصل الدراسة بجد ونشاط، إلى أن تخرج من جامعة هارفرد. بعد التخرج بثلاثين سنة، أصبح وزيرا لخارجية أمريكا. اسمه هنري كيسنجر.

في 1970s، لعب هنري كيسنجر أساسيا في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية. ساعد في رسم سياسة الحكومة في السنوات الأخيرة من حرب فيتنام. وساعد على التعايش السلمي بين الولايات المتحدة والصين. كما ساعد في إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، حليفة الولايات المتحدة.

بعض الناس يعتقدون أن طفولة كيسنجر وصباه في ألمانيا، قد لعبت دورا هاما في تشكيل أفكاره ونظرته إلى العالم، الذي أراد أن يغيره كوزير خارجية أمريكا. أحد معارفه قال عنه:

"أعتقد أنه قد خرج من عالم مضطرب في ألمانيا، وكان بحاجة ملحة للنظام. الناس الذين يمرون بمثل هذه التجارب، غالبا ما تكون لديهم ذاكرة مشوشة، مشحونة بالعنف والقسوة، مثل العالم الذي تركوه من قبل. لكن كيسنجر، كان يعرف أن وجود عالم مضطرب هو شيء لا يحتمل."

رأى منتقدو كيسنجر، أن به شيء استعراضي. انجازاته تبدو أكبر من قيمتها الحقيقية. لكن المعجبين به، يرون أنه كان واحدا من أكثر السياسيين فاعلية في القرن العشرين.

بدأ صعود كيسنجر عندما جاء ريتشارد نيكسون رئيسا للولايات المتحدة عام 1969. كان مستشار نيكسون الشخصي، يتعامل باسمه مع بقية العالم. في عام 1977، أصبح كيسنجر رسميا وزيرا للخارجية. وهو المنصب الذي شغله حتى مجيء جيمي كارتر كرئيس عام 1977.

بحلول منتصف الثمانينيات، كان الرئيس ريجان قد دعم القوة العسكرية الأمريكية لدرجة كبيرة، وكان على استعداد لبدء الحديث بجدية عن خفض سباق التسلح. الاتحاد السوفيتي كان مستعدا ايضا. في عام 1985، كان في الاتحاد السوفيتي زعيم جديد، هو ميخائيل جورباتشوف.

جورباتشوف كان يعتقد أن سباق التسلح تكلفته ضخمة جدا، كادت أن تشل اقتصاد الاتحاد السوفيتي، وكان حريصا على الحد منه.

في ديسمبر 1987، سافر جورباتشوف مع زوجته إلى الولايات المتحدة. هناك، في واشنطن، وقع مع الرئيس ريجان، معاهدة للحد من الصواريخ النووية. بمقتضاها، وافقت القوتان العظمتان على تدمير كل القواعد الأرضية للصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة.

ثم أهدى ريجان الرئيس جورباتشوف بزوج أزرار أكمام بهذه المناسبة. على الأزرار صورة سيوف تتحول إلى محاريث. وهو رمز يعني وجوب تخلي الدولتان عن سياسة الحرب الباردة، وتقبل التعايش السلمي.

في مايو 1988، بدأ جورباتشوف في سحب القوات السوفيتية من أفغانستان. السنة التالية كانت التغييرات أكبر وأعظم. في جميع أنحاء أوروبا الشرقية، انهارت النظم الشيوعية التي فرضها ستالين بعد الحرب العالمية الثانية.

حدث ذلك دون تدخل الاتحاد السوفيتي بقيادة جورباتشوف. دول مثل المجر، بولندا، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، أقامت كلها أنظمة سياسية واقتصادية جديدة متعددة الأحزاب، وسمحت بانتخابات حرة نزيهة لا تتدخل فيها الحكومات الحاكمة.

أيقظت هذه التطورات الآمال في التعايش السلمي من جديد بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. " أعتقد أن الأجيال القادمة سوف ترى أن هذا الوقت، يمثل نقطة تحول في تاريخ العالم"، قالت رئيسة الوزراء البريطانية، مارجريت تاتشر، بعد زيارتها لواشنطن عام 1988.

"لقد انتهت الحرب الباردة". بحلول عام 1990، معظم الناس أصبحت تعتقد أن رئيسة الوزراء البريطانية كانت على حق. وفرص السلام العالمي قد أصبحت أفضل.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي