الوطنية السورية والفيدرالية

راتب شعبو
2021 / 5 / 2

في مقاله في "القدس العربي" بتاريخ 29 نيسان/أبريل 2021 بعنوان (نقاش سوري متجدد حول الفيدرالية)، يتناول الصديق بكر صدقي بالنقد مقالي الذي يحمل عنوان (الفيدرالية مخرجا للطغمة الأسدية) المنشور في "العربي الجديد" في 23 من الشهر نفسه.
يعرض بكر فكرة المقال بأمانة وفهم، حين يقول إن حديثي عن الفيدرالية هو حديث "في السياسية لا في المبادئ الدستورية المجردة". مقالي الذي يتناوله بكر لا يحدد موقفاً مبدئياً من الفيدرالية، بل ينطلق من ملاحظة تراجع المطلب الديموقراطي وتقدم المطلب الفيدرالي في سورية، ويقدم تفسيراً يقول إن هذا التحول يعكس تحولاً في طبيعة الصراع من كونه بين طغمة استبداد وشعب يريد التحرر، إلى كونه صراعاً بين "مركز" مستبد و"أطراف" عسكرية مستبدة، استطاعت في سياق الصراع المديد وتعقيداته وتحولاته أن تسيطر على مناطق من سورية وتحكمها على الطريقة الأسدية. والحقيقة إنه من الوهم أن ننتظر من قوى عسكرية طارئة وواقعة تحت تهديد دائم، أن تكون ديموقراطية مع المحكومين في مناطق سيطرتها، ومن الوهم أن نتوقع منها أن تكون نموذجاً جاذباً للسوريين.
أولويات سلطات الأمر الواقع في سوريا اليوم، مغايرة، بل مناقضة، لأولويات الثورة التي خرج لها السوريون. وكأي سلطة، فإن أولوية السلطات الطرفية المستجدة، مثلها في ذلك مثل السلطة المركزية، هو أن تحافظ على ذاتها وتستمر على حساب كل المبادئ. هذه الأولوية تشكل دينمو المطلب الفيدرالي الذي يتردد اليوم في سوريا، وهو نفسه دينمو تهميش المطلب الديموقراطي. مرة أخرى نؤكد أن هذا تفسير سياسي لتقدم المطلب الفيدرالي مع استمرار نظام الأسد. أي لا يحمل المقال موقفاً من فكرة الفيدرالية نفسها، ومناسبتها أو عدم مناسبتها لسوريا. على هذا، ليس في الأمر "شيطنة للفيدرالية"، إنه مجرد بحث عن النسغ المغذي لهذا الميل الفيدرالي الذي لم يكن له حضور في مطالب الثورة.
وعلى خلاف ما يقول بكر، فإن غالبية النخبة السياسية السورية العربية، حسب معرفتي، تتكلم اليوم باللامركزية التي تنوس بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية (الفيدرالية). ولا بد أن بكر يعلم أن "مبادرة سورية الاتحادية" التي أطلقت في خريف 2019، كانت مبادرة عربية أكثر منها كردية، وكان مركزها إدلب وليس القامشلي. حيثما توجد سلطات أمر واقع طرفية، سنجد مطلباً فيدرالياً. لا ينبغي أن يُجرّ نقد المطلب الفدرالي قسراً إلى ساحة مواجهة مع التطلع الكردي. صاحب هذه السطور يؤيد الحق الكردي، وحقوق كل الجماعات القومية والإثنية في سورية بكل تدرجاتها.
يرى بكر إن النتيجة التي خرجت بها في مقالي، والتي يلخصها عنوان المقال (الفيدرالية مخرجاً للطغمة الأسدية)، "فيها إفقار شديد لممكنات الواقع"، لكني لا أقصر ممكنات الواقع على نتيجتي تلك. كل ما أراد المقال قوله هو إن هذا الطرح، إذا توفرت له الحظوظ والدعم الدولي، سيكون على حساب المطلب الديموقراطي، ويمكن أن يفتح باباً لنظام الأسد ليدخل منه إلى مستقبل سورية. هذا كي نخفف من كثافة الكلام الذي يرمي كل من يتحفظ اليوم على طرح الفيدرالية، بمعاداة الديموقراطية. ينبغي أن ندرك إنه لا يوجد رابط ضروري بين الفيدرالية والديموقراطية. أما الفيدرالية المفروضة (فيدرالية الأمر الواقع) فهي غير ديموقراطية بطبيعة الحال.
سأختلف مع بكر أيضاً في فكرتين:
الأولى هي فكرته عن "تفكيك نظام الأسد"، يقول بكر إن اقتطاع أي جزء، جغرافي أو بنيوي (لم أفهم ما المقصود ببنيوي هنا)، من نطاق تحكم النظام، هو نوع من تفكيكه. الواقع أن نظام الأسد لم يتفكك مع أنه خسر في سياق الصراع الذي تلا الثورة، معظم الجغرافيا السورية، ولم يتفكك اليوم وهو فاقد السيطرة، منذ سنوات طويلة، على أجزاء واسعة منها. على العكس، يمكن للقوى التي تسيطر على المناطق التي خسرها النظام، أن تشكل مستنداً "فيدرالياً" له، إذا ما سدت في وجهه السبل الأخرى.
هذا عدا عن أن غرض المتحمسين للفيدرالية اليوم، قبل تحقيق تغيير سياسي فعلي يتضمن فك احتكار الطغمة الأسدية للدولة السورية، ليس "تفكيك النظام"، بل إنشاء "أنظمة" مشابهة تتكامل مع "النظام".
الثانية تتعلق بكلام بكر عن "أيديولوجيا الوطنية السورية". يمكن أن يكون الكلام عن الوطنية السورية أيديولوجيا، بمعنى كلام وطني يستر غايات غير وطنية، ولكن حاجة السوريين إلى الوطنية السورية ليست أيديولوجيا، بل طريق خلاص بالأحرى. الحقيقة إنه لا يوجد أمام السوريين من سبيل لخلاصهم سوى الوطنية السورية، وعلى هذا لا تبدو "إعلانات التمسك بالوطنية السورية" شيئاً عديم القيمة. ليس أمام سورية، بلا وطنية سورية، سوى التفكك، وليس في هذه الحال مصلحة لأحد، على عكس تصور ضمني له انتشار غير قليل.
يبدولي تأكيد بكر على إن الوطنية السورية تفتقد لأي مقومات في الواقع السوري، متسرع أو "عصبي"، صحيح إن خطوط الانقسام داخل المجتمع السوري ملتهبة إلى حدود قصوى، وهذا ليس عجيباً في بلد شكلت خطوط انقسامه "الطبيعية" جبهات حرب. غير أن هذا ليس جديداً في تاريخ الشعوب، وليس بعيداً عن عقل المتأمل أن مصلحة السوريين تكمن في بناء وطن، وليس في الكفر به لأنه ارتبط لعقود باسم عائلة "لاحمة" (على حد تعبير الصديق الفنان عبد الحكيم قطيفان). من باب المصلحة، وليس من باب الشعر، لا خلاص للسوريين سوى بوطنية سورية ديموقراطية. ومن باب التاريخ والمنطق السياسي لا يوجد ما يعيق السوريين من بناء وطن يحققون فيه ذاتهم كأفراد وكجماعات.
كما أن ضعف الوطنية السورية اليوم هو أدعى إلى التأمل أكثر في فكرة الفيدرالية التي من شأنها أن تزيد في إضعاف الوطنية السورية وفي تفكيك البلاد في المحصلة.
لا يوجد شعب بدون خطوط انقسام، تلتهب وتهدأ، ولا يوجد شعب بدون صراعات داخلية تكون مدمرة أحياناً، والحل الوحيد هو إيجاد آلية متوافق عليها لحل الخلافات، وتشكل الدولة الوطنية الديموقراطية ومؤسساتها المحل الذي تنتهي إليه الصراعات وتجد فيه حلولها.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا