جياني فاتيمو (1936 -  )

غازي الصوراني
2021 / 5 / 2

جياني فاتيمو واسمه الحقيقي جيانتيريزو فاتّيمو، هو فيلسوف وسياسي إيطالي، درس الفلسفة الوجودية في جامعة تورينو، وفي عام 1982 أصبح أستاذاً في الفلسفة النظرية، كما كان أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات الأمريكية والألمانية.
انضم إلى الحزب الشيوعي الإيطالي وانتخب عضواً في البرلمان الأوروبي لأول مرة في عام 1999، ولولاية ثانية في عام 2009، لا يتردد عن الافصاح عن هويته المثلية والدينية باعتباره كاثوليكيًا يرحب بموت الله([1]).
" عندما يُذكر جاني فاتيمو الفيلسوف والسياسي الإيطالي، تذكُر معه مباشرة فكرة نهاية الحداثة؛ ذلك لأن كتابه الذي نشره تحت هذا العنوان “نهاية الحداثة” بالإيطالية في 1985 -وترجم إلى الإنجليزية في 1991- يُعتبر واحدا من أهم كتبه، والذي نبَّه العالم إلى هذا الفيلسوف، وواحدا من أهم الإضافات الفلسفية لموضوع ما بعد الحداثة الذي ظلَّ يشغل العقل الأوروبي بُعيد وفاة نيتشه بقليل.
اهتمام فاتيمو بالفلسفة الألمانية جاء مبكرا؛ وذلك عندما حصل على زمالة دراسية لمدة سنتين في هايدلبرج؛  حيث درس هناك فلسفة هيدجر، ليعود في العام 1964 ليصبح أستاذا مساعدا للجماليات في جامعة تورينو؛ مدينته التي ولد وترعرع فيها. وفي هذه السنة أعلن توقفه عن كونه كاثوليكيا بعد عودته من ألمانيا. وهو وإن كان أصبح مرحِّبا بفكرة موت الإله، غير أنه ظل داعيًا لاحترام كاثوليكية أكثر تسامحا ومحبة، خصوصا مع حقوق الأقليات والمهاجرين والمثليين. وهذه صفحة أخرى من حياته التي لم يكن يُخفيها، وهو كونه من أنصار حقوق المثليين"([2]).
وفي العام 1978، "انضم الحزب الشيوعي الايطالي إلى صفِّ الحكومة التي تحارب المنظمات الإرهابية المتطرفة، حيث أن الممارسات الإرهابية جعلته يقفز قفزة مُهمَّة في اهتماماته الفلسفية باتجاه موضوع ما بعد الحداثة؛ ففي خِضَّم تلك الأحداث والعنف الضاغط على إيطاليا، أدخل فاتيمو مفهوم التفكّر الضعيف الذي لاحظه في التبريرات الميتافيزيقية التي يقدمها المتطرفون؛ ومنهم يساريون من طلابه؛ ومن هذا المفهوم “ضعف التفكر” دخل على تحليل الميتافيزيقيا الغربية كتاريخ مُتراكم من الضعف في بُنى معرفية وقيمية قوية، وليتبنَّى من خلال ذلك موت الميتافيزيقيا وإعادة بناء القيم الأوروبية، وبشكل عام، دخل عالم التنظير لما بعد الحداثة من خلال مفهوم الانعتاق النيتشوي من عنف الميتافيزيقيا عبر تأصيل الاختلاف التأويلي الهيدجري للتاريخ؛ بما يُؤسِّس لفلسفة مُتجددة تمثل عُمدة تصوره لنهاية الحداثة.
لفهم فلسفة فاتيمو يلزم بالضرورة إدراك السياق التاريخي لأوروبا ما بعد الحرب؛ والصراع بين المعسكريْن الشرقي الماركسي والغربي الرأسمالي، كما يجب فهم التطورات المخيفة التي أحدثتها التكنولوجيا في المجتمعات الأوروبية من حيث تمكينها المجتمع من السيطرة الهائلة على الفرد، والتغيرات غير المسبوقة في القيم الأوروبية والتي تتوجَّت بمظاهرات الطلاب في 1968 للمطالبة بإصلاح النظام الرأسمالي، وصعود التيارات اليسارية في السبعينيات. كلُّ ذلك في ظلِّ نموٍّ غير مسبوق للأصوليات وعودة للدين كلاعب جوهري في رسم السياسات الدولية تجلى بشكل أوضح بعد سقوط جدار برلين وانتهاء حقبة الحرب الباردة، وفي ظل تشكيك حقيقي في قدرة العلم التجريبي على الإجابة عن التساؤلات الملحة، وفشل مشروعات الحداثة في اجتثاث الميتافيزيقا القديمة القادمة من القرون الوسطى؛ بل واستبدالها بميتافيزيقا لا تقل سُوءًا في إبعاد الإنسان عن ذاته"([3]).
"وكذلك يجب رَبْط هذا السياق التاريخي بالظروف الاجتماعية والشخصية والضغوطات التي كان يُواجهها فاتيمو نتيجة انخراطه في السياسة كيساري غير ثوري وثم كشيوعي ليبرالي، وتعرُّضه لتهديدات عديدة؛ أبرزها في العام 1978، عندما اضطَّر لترك مدينته تورينو بسبب تهديدات بالقتل من قبل منظمة الألوية الحمراء، وبسبب يساريته المعتدلة ووقوفه إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني وتصريحاته ضد إسرائيل والتي جعلته أمام فوهة مدافع معاداة السامية وقوتها الإعلامية الهائلة في أوروبا.
كلُّ هذه المواقف السياسية والإنسانية المتشابكة والحياة غير المستقرة لفاتيمو يجب أن تترابط مع رؤاه ومشاريعه المدنية والأكاديمية لفهم فلسفته، وبدون ذلك فإنَّ أي قراءة لفاتيمو ستكون قراءة مرتبكة إلى حدٍّ كبير"([4]).
فكرة ما بعد الحداثة عند جياني فاتيمو هي فكرة التعافي من الحداثة. وبرغم كل الجنون الذي يُمكن أن تسقطه الحداثة على من يُريد أن يتخلَّص من سلطانها؛ فإنَّ هذا يظل هو الخيار الأفضل، تمامًا كجنون نيتشه الانعتاقي، والذي عاشه في سنواته الأخيرة وهو في نفس مدينة فاتيمو؛ تورينو"([5])، وهو موقف يتناقض كلياً -من وجهة نظري- مع الرؤية الماركسية التي ترى في سيرورة الحداثة والتقدم البشري في إطار الحداثة، سيرورة متصلة حداثية لا نهائية.
كتاب فاتيمو "نهاية الحداثة" (ترجم إلى العربية 2014) "يؤسّس للقول إن ما بعد الحداثة لم تعد فقط دعوة لتجاوز أزمة الحداثة، ووضع طرائق كما هو الحال من هايدغر إلى ليوتار ودريدا، بل إنه يقول إن مرحلة الحداثة انتهت بالفعل، أو هكذا ينبغي النظر إليها قصد تصفيتها، ليجري الانتقال إلى حقبة فكرية جديدة –كما يَزْعُم فاتيمو- فالانتقال من الحداثة إلى ما بعدها، هو بحسب فاتيمو، انتقال في فهم التطوّر التاريخي، ففي الأولى هو عملية تراكم تنوير تصاعدية، وفي الثانية بتنا نعرف أن هذا التصاعد لم يعد حامياً من الارتطامات والأزمات الحادة ومن العدمية!! "([6]).
آراؤه السياسية بخصوص القضية الفلسطينية:
كان فاتيمو أحد الموقعين على عريضة نشرت يوم 28 فبراير 2009، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى إزالة حماس من قائمة المنظمات الإرهابية، ومنحها الاعتراف الكامل كصوت مشروع للشعب الفلسطيني، وفي 22 يوليو 2014 ورَّداً على الحرب الإسرائيلية على غزة، قال: "يجب "اطلاق النار على أولئك الصهاينة الأنذال" وقال "لو كان الأمر بيدي لدعوت لأكتتاب عالمي لشراء أسلحة للفلسطينيين لوقف الإسرائيليين الذين يقومون بذبح جماعي لهم" وعندما سُئِلَ عما إذا كان يود أن يرى المزيد من الإسرائيليين القتلى، أجاب: "بالطبع"، وأضاف أن إسرائيل "أسوأ قليلا من النازيين".
جيانّي فاتّيمو" حظي في بداية القرن 21 بشهرة فلسفية تعزّزتْ بعد نشره لكتابه "نهاية الحداثة"، فبفضل هذا النصّ أصبح الرجل يُحاضر في المنابر الفلسفية في أمريكا وأوروبا وفي العالم بأسره، ويتمّ دعوته للكثير من حلقات النقاش للاستماع إلى أفكاره ومقارباته الفكريّة الجديدة"([7])، وهي عندي مقاربة فكرية نقيضة للرؤية الموضوعية لصيرورة الحداثة وتطورها الدائم.
 


([1]) موقع ويكيبيديا – الانترنت - https://ar.wikipedia.org
([2]) موقع: مجلة شرق غرب – شخصيات فلسفية: جياني فاتيمو – الانترنت – 15/7/2015.
([3]) المرجع نفسه
([4]) المرجع نفسه
([5]) المرجع نفسه
([6]) شوقي بن حسن – ما بعد الحداثة: استهلاك ثلاثة أزمنة – موقع: العربي الجديد – 16 مايو 2016.
([7]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 21/10/2017

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول