اهمية المصاريف الاهلية و الحكومية في الاقتصاد الحر

محمد رضا عباس
2021 / 5 / 2

نعني بالمصاريف هنا هي المصاريف على الاستهلاك (الطعام , الملابس , وما يحتاجه المواطن في الاستخدامات اليومية) والاستثمارية (المكائن والمعدات والبناء) لكلا من القطاع الأهلي والحكومي. الرأسمالية الحديثة , الكنيزية , تؤكد ان مشكلة النظام الاقتصاد العالمي هي ليست مشكلة عرض السلع والخدمات , وانما هي مشكلة الطلب عليها , فكلما زاد الطلب على السلع والخدمات بجميع أنواعها , زاد الإنتاج الوطني , وتقلصت نسبة العاطلين عن العمل , وبذلك أصبحت طرق تحفيز الطلب العام على السلع والخدمات تقليدا متبعا في الدول الصناعية في محاربة الركود الاقتصادي. ففي كل مناسبة ركود اقتصادي كبير تقوم الحكومات بسلسلة إجراءات منها زيادة المصاريف الحكومية , تقليص نسبة الضرائب على الافراد والشركات , وتخفيض نسبة الفائدة. هذه الإجراءات سوية تساعد على زيادة المصاريف الداخلية , وبدورها تؤدي الى زيادة الإنتاج الوطني وانخفاض نسبة العاطلين عن العمل. كانت اخر الإجراءات الحكومية ضد الركود الاقتصادي هي الإجراءات التي اتخذتها الدول الصناعية خلال فترة وباء كورونا , حيث ان الولايات المتحدة الامريكية صرفت ما يقارب 5 ترليون دولار على شكل مساعدات مالية للمواطنين والشركات الصغيرة والمتوسطة وحكومات الولايات من اجل دعم المصاريف الداخلية يكل اشكالها ودعم الشركات التي تضررت من الوباء البقاء على قيد الحياة.
الإجراءات الامريكية نجحت بتذويب جليد التراجع الاقتصادي , على الأقل في الوقت الحاضر, وادت الى عودة الملايين من العمال الى أعمالهم , حيث وصل النمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الأول من عام 2021 نسبة 6.4%, فيما تراجعت نسبة العاطلين عن العمل الى نسبة 6.0%.
أهمية التركيز على استخدام المصاريف الداخلية لمحاربة التراجع الاقتصادي هو تأثيرها الانفجاري , المضاعف او (Multiplier) على الاقتصاد الوطني. على سبيل المثال , عندما يقوم الأهالي بصرف 100 مليون دولار على السلع والخدمات , فان تأثيرها الاقتصادي يتعدى حجمها الأساسي وهو 100 مليون دولار , ويتضخم بحسب حجم المضاعف. لتوضيح الفكرة , فلو فرضنا ان احد البقالين في احد أسواق بغداد باع ما قيمته 1000 دولار من السلع , هذه الف دولار سوف لن تبقى في قاصة محله وانما يقوم بصرفها مرة ثانية , فيذهب جزء منه الى المجهزين , وجزء اخر الى الايجار, الماء والكهرباء, العمال, وجزء اخر على المصاريف البيتية. هذه المبالغ المصروفة من بقالنا تعد دخلا للأخرين , وان الاخرين بدورهم سوف يصرفونها لتكون دخلا الى مجموعة أخرى, وهكذا الى مالا نهاية. وعليه لو كان المضاعف يعادل 3 فان تأثير ال 100 مليون دولار على الاقتصاد الوطني ستكون 300 مليون دولار.
وهكذا , عندما وافق الكونغرس الأمريكي بنانا على طلب الرئيس جو بايدن على حزمة المساعدات الحكومية التي بلغت 1.9 ترليون دولار والتي وزعت على الموطنين الامريكان لحد 1400 دولار للشخص الواحد , كان في تصور أعضاء الكونغرس ان هذه المبالغ سوف لن يدخر تحت الفراش , وانما يتم صرفه على ما يحتاجه المواطن الأمريكي من سلع وخدمات , وتصبح هذه المصاريف دخلا لمواطنين اخرين. ففي استبيان قامت بها وكالة (Bloomberg) الامريكية , كشفت ان المواطن الأمريكي صرف 30% من المساعدة على الطعام , 22% على السكن, 11% على تحسين السكن, 9% على الرعاية الصحية, 8% على الملابس , 5% على رعاية الأطفال, , 5% على السفر والسياحة , 18% على دفع لديون, و 34% للادخار.
ان صرف 30% من اصل مبلغ قدره 1.3 ترليون دولار على الطعام , او ما يساوي 390 مليار دولار , سيكون دخل لحزمة كبيرة من المنتجين والموزعين تبدء من المزارعين الى عمالهم الى شركات شحن المنتوجات الزراعية الى شركات مخازن التبريد , الى مصانع الأغذية , والى اعمال لا تعد ولا تحصى. باختصار , فان تأثير مبلغ 1.3 ترليون دولار على الاقتصاد الأمريكي سيكون ما يقارب 3.9 ترليون دولار , وهو المضاعف الأمريكي المعمول به في الوقت الحاضر.
من الطبيعي ان يزيد وينقص المضاعف حسب قدرة البلد على توفير ما يحتاجه المواطن محليا. على سبيل المثال , الولايات المتحدة تنتج ما يقارب كل ما يحتاجه المواطن الأمريكي من مواد غذائية , وعليه فان الاستفادة من حزمة المساعدات ستكون ما يقارب 100% , فيما ان الاقتصاد العراقي سوف لا يستفيد من حزمة المساعدات الحكومية الى مواطنيه 100%, والسبب في ذلك هو ان معظم ما يحتاجه السوق العراقي (حوالي 70%) يأتي من الخارج , وعليه فان المستفيد الأول من أي حزمة مساعدات هو ليس الاقتصاد العراقي وانما مواطنو الدول المصدرة للعراق , وهذ السبب اخر يدعو الحكومة العراقية الى اخذ شعار " صنع في العراق" على محمل الجد.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا