هل يجوز لأحزاب مدنية ويسارية ديمقراطية التحالف مع أحزاب سياسية طائفية ولها ميليشيات مسلحة؟

كاظم حبيب
2021 / 5 / 2

حين يجري الحديث عن الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي من جانب الأحزاب السياسية المدنية واليسارية الديمقراطية، فهذا يعني أنها تدعو إلى الالتزام الثابت بالمبادئ والأسس والقيم والمعايير السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية الديمقراطية في بناء الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع. وهذا يعني أنها:
** دولة تقوم بموجب دستور مدني ديمقراطي علماني، يستند إلى الفصل الصارم بين السلطات: بين السلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة التنفيذية ومؤسساتها، وسلطة القضاء المستقلة؛
** دولة تستند في تشريعاتها ونشاطاتها إلى مبادئ حقوق الإنسان واللوائح والمواثيق الدولية الصادرة بهذا الخصوص وتحترم إرادة ومصالحها شعبها، كما ترفض العنصرية والطائفية السياسية والتمييز بمختلف أشكاله وصور ظهوره وترفض التطرف والكراهية وأثارة الأحقاد والعنف السياسي والاجتماعي؛
** دولة تحترم استقلالها وسيادتها الوطنية وترفض التدخل في شؤونها الداخلية والخارجية من أي دولة كانت، كما ترفض التدخل في شؤون دول أخرى؛
** دولة تعتمد مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة عبر انتخابات برلمانية عامة ومحلية نزيهة وعادلة وفق قانون ديمقراطي عادل. كما تحترم قوى المعارضة السياسية وحقها في التعبير عن آراءها ومواقفها بالصيغ التي تراها مناسبة؛
** دولة تحتكر السلاح والعمليات العسكرية بموجب الدستور والقانون، وتنظم عملية حمل السلاح الفردي، وتمنع بالمطلق وجود تنظيمات أو قوات موازية أو ميليشيات مسلحة أو سلاح منفلت؛
** دولة تلتزم بالحياد التام إزاء جميع الديانات والمذاهب وتحترم اتباعها دون استثناء. وهي الدولة التي يطلق عليها بدولة القانون والعلمانية. والعلمانية ليست أيديولوجية بل قاعدة ديمقراطية في عمل الدولة؛
** دولة تلتزم باحترام جميع القوميات وتتعامل معها على قدم المساواة دون تمييز بين كبيرها وصغيرها في مجتمع متعدد القوميات وتستجيب لحقوقها ومصالحها، مع احترام الخصوصيات الإنسانية للهويات الفرعية دون تغليبها بأي حال على هوية المواطنة المشتركة والمتساوية.
** دولة تلتزم بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمساواة التامة بين الإناث والذكور، والتخلي تشريعاً وتعاملاً عن الذكورية المستفحلة في العراق ومحاسبة ممارسي التمييز ضد المرأة؛
** دولة، إذ ترفض تدخلها في شؤون الديانات، ترفض تدخل الحوزات والمؤسسات الدينية والأحزاب الدينية في شؤون الدولة الديمقراطية، لكيلا يلحق الضرر بالدولة والدين في آن واحد؛
** دولة ترفض إقامة أحزاب سياسية على أسس دينية أو مذهبية - طائفية أو عرقية، إذ لا وجود للأعراق أساساً، كما ترفض تشكيل وامتلاك الأحزاب والقوى السياسية لتنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية أو ممارسة العنف والسلاح؛
** دولة ينظم دستورها وقوانينها العلاقات في دولة اتحادية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات من حيث إقرار صياغات قوانين سليمة وواضحة وحديثة لصلاحيات وواجبات كل منها؛
** دولة تستند إلى مجلس قضاء أعلى ومحكمة اتحادية مستقلتين عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ولهما قانونيهما المستقلين.
** دولة تحترم شعبها وإرادته ومصالحه من خلال وضع موارد البلاد المالية وثرواته الطبيعية وقدرات شعبها وكفاءاته المتنوعة في خدمة عملية التنمية الاقتصادية (الإنتاجية والخدمية) والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتعمل على تنويع مصادر الدخل القومي وتخليص الاقتصاد الوطني من تخلفه وتشوهه الريعي والبنيوي وتبعيته وضمان عدالة توزيع وإعادة تويع الدخل القومي؛
**... إلخ.
إن هذا المقال مكرس لبلورة الموقف من مبدأٍ أساسيِ دستوريٍ واحد هو: وجود دولة مستقلة ذات سيادة تحتكر السلاح والعمليات العسكرية على وفق الدستور والقوانين المقرّة، كما تنظم عملية حمل السلاح الفردي، وتمنع بالمطلق وجود تنظيمات عسكرية موازية للقوات المسلحة وميليشيات مسلحة أو سلاح منفلت، كما تمنع تشكيل أو امتلاك الأحزاب والقوى السياسة لتنظيمات وميليشيات مسلحة تحت أي واجهة سياسية أو دينية كانت.
من هذا المنطلق فلا يجوز لأي حزب سياسي في العراق تشكيل ميليشيات مسلحة خاصة له، وهذا يتضمن منع وجودها وأي نشاط عسكري أو اقتصادي أو اجتماعي تقوم به باعتبارها خروجا عن الدستور والقوانين المرعية يعاقب عليه القانون، وأن وجدت قوات موازية وميليشيات مسلحة، كما هو الحال في عراق اليوم، حيث توجد عشرات التنظيمات الميليشياوية المسلحة والخارجة عن وعلى القانون والمناهضة للدولة وسلطاتها وسياساتها وإجراءاتها، والمعادية لحرية الشعب وحقوقه الديمقراطية وحياته، يستوجب حلها ومنع أي نشاط لها، وأن تَطَلَبَ ذلك استخدام القوات المسلحة الرسمية لحلها ونزع أسحتها ومحاسبة أفرادها.
استناداً إلى الدستور العراقي والقوانين المرعية لا يجوز للأحزاب الوطنية المدنية والديمقراطية، ومنها اليسارية طبعاً، التعاون بأي شكل كان مع أحزاب سياسية تمتلك ميليشيات مسلحة أو توافق على وجودها ونشاطها تحت أي ذريعة كانت، إذ إنها تدوس بذلك على بنود ومضمون الدستور والقوانين المرعية التي تحرم وجود ونشاط مثل هذه الميليشيات المسلحة.
إن الدستور العراقي يحرم قيام أحزاب على أساس عرقي، أي التي تدعو إلى الكراهية والأحقاد بين القوميات وليس إلى التآخي والاحترام المتبادل، بهذا فأن الأحزاب السياسية القائمة على أسس عنصرية أو معادية للقوميات أو قائمة على أسس دينية ومذهبية (أحزاب طائفية سياسية)، يعتبر وجودها مخالفة صريحة للدستور أولاً، والتعامل أو التحالف معها يعتبر من الناحية الدستورية مخالفة أيضاً ثانياً، ويفترض أي يتدخل القضاء المستقل منع قيام مثل تلك التحالفات السياسية المخالفة للدستور.
إن هذا الموقف المبدئي، على وفق قناعتي الشخصية، غير خاضع للاجتهاد، وهو يختلف عن إمكانية وأهمية التعاون والتعامل والتحالف مع قوى سياسية مؤمنة بهذا الدين أو ذاك، ولكنها ترفض العنصرية والطائفية السياسية وترفض تشكيل تنظيمات ميليشياوية مسلحة وتعتمد مبدأ الفصل بين الدين والدولة وقيام دولة ديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي، إذ أن الدولة الديمقراطية العلمانية ليست ضد الأديان والمذاهب، وليست ضد القوميات ومصالحها وحقوقها المشروعة والعادلة، بل هي تؤكد حيادية الدولة بين الأديان والقوميات وتلتزم الدفاع عن حقوق الجميع دون التدخل في شؤونها. كما أن هذا الموقف المبدئي لا يمنع العمل لتنوير قواعد تلك الأحزاب، التي تشكلت على أسس خاطئة ومضرة ومتعارضة مع الدستور العراقي، وكسبها على الموقف الصائب والمدافع عن مبدأ الوطن والمواطنة الحرة والمشتركة والمتساوية ورفض الهويات الفرعية القاتلة التي تحط من هوية المواطنة المتساوية والموحدة.
إن العراق الراهن مليء بأحزاب سياسية لا يستند وجودها إلى الدستور العراقي أولاً، بل هي طائفية ذات وجهة تمييزية مناهضة لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى ثانياً، وهي في الغالب الأعم تمتلك ميليشيات طائفية مسلحة ثالثاً، وتعتبر أذرعاً ممتدة في داخل العراق وتابعة لدول أجنبية، لاسيما لإيران، وبعضها القليل لدول الخليج وتركيا رابعاً. ومعنى هذا إن العمل السياسي معها أو التحالف وإياها يعتبر مخالفاً لدستور البلاد ولمضمون الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان ومصالح الشعب بجميع قومياته والوطن، إضافة إلى مخالفته للنظم الداخلية وبرامج الأحزاب المدنية واليسارية الديمقراطية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي. أتمنى أن تصل هذه الرؤية لكل القوى المدنية واليسارية الديمقراطية بأمل أن تتفهم وتغتني وتتعلم من تجارب العقود والسنوات المنصرمة في النضال الوطني الديمقراطي الجاري لتغيير واقع العراق المأساوي الراهن.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول