الصراع و الغدر مع حكم الاتابكة .

محمد حسين يونس
2021 / 5 / 2

((أطلق لقب أتابك ( كرتبة عسكرية كبيرة ) في زمن المماليك على من تُعهد إليه إمارة العسكر))
بدائع الزهور في وقائع الدهور .. موسوعة محمد إبن إياس .. كنز لمن يحتمل قراءة حوالي 3500 صفحة ..إهتم المؤرخون و المستشرقون والباحثون في العصر الحديث بها ..و كلفت جمعية المستشرقين الألمانية مجموعة من الباحثين التاريخيين في مصر بتحقيقها.
الدكتور محمد مصطفى قام بهذا التحقيق من سنة 1960 لسنة 1975 ،..وطبع الكتاب في 6 مجلدات،. ثم أعيد طبعة بواسطة مركز تحقيق التراث الهيئة المصرية العامة للكتاب.
في المختصر المقتطع التالي .. سوف أقدم أول سلطان من المماليك البرجية ( الجراكسة )، الذى تولى الحكم في الفترة من (1382 - 1389) .م ..كنموذج لما كانت علية الحياة في مصر و الشام و شبه الجزيرة العربية تحت حكم مماليك ذلك الزمن .
((.. وكان الأمير بركة والأمير برقوق متحابين أعظم من الأخوة الأشقاء .. فدخل بينهما التحاسد وطمع كل منهما بتدبير الملك على انفراده )).. حتى دبر برقوق مكيدة فجعل..((العامة ينهبوا بيت الأمير بركة كل ما فيه من قماش و أثاث حتى أخذوا الرخام من الحيطان و أخذوا الأبواب)). .
(( وكان بين عسكر برقوق وعسكر بركة وقعة مهولة عند قبة النصر وقتل فيها من الفريقين جماعة كثيرة من مماليك وغلمان ومتفرجين))..
ثم أنه نادى للعامة بأن (( من قبض على مملوك من مماليك بركة فله لبسه وفرسه ولنا روحه)). .
فى النهاية قبض أمراء برقوق على الأمير بركة ثم سجن بالإسكندرية وخلى الجو لرئيسهم .
الأتابكى برقوق قضى بعد ذلك على عدد لا حصر له من الأمراء (( وقبض على مماليك بركة و أصحابه و ألزامه وحاشيته فانقرضت دولة الأتراك بأسرها )).
(( وقد صار غالب الأمراء جراكسة من أتباع الأتابكى برقوق فانتشت أظهار دولة الجراكسة))
هذه الفوضى الناتجة عن صراع المماليك أدت إلى أن (( طائفة من العربان نحو خمسة آلاف إنسان هجموا على دمنهور وكان كبيرهم يقال له بدر بن سلام ففتك فتكا ذريعا بها ونهب أسواقها و أخرب بيوتها وقتل جماعة من أهلها )) .
فعين الأتابكى برقوق تجريده عظيمة تخرج إلى العربان .... التجريده أنشأت معسكرا قرب الجبل حاول العربان مهاجمته ليلا ولكن أحدهم خان و أبلغ الأتراك فأخلوا المعسكر وكمنوا للمهاجمين
(( هجم العربان على خيام المعسكر فلم يجدوا أحد فاشتغلوا بالنهب فردت عليهم الأتراك من الأكمنة و أحاطوا بهم فلم ينج من العربان إلا من طال عمره ))
العرب لم ييأسوا فهم بعد ذلك
((تحالفوا على العصيان وخرجوا عن الطاعة ونهبوا المغل من البلاد )) .. (( نائب الإسكندرية جمع من العربان الطائعة وتوجه إلى البحيرة واتقع مع العربان فكسرهم وشتت شملهم فهربوا من وجهه إلى برقة))
برقوق هاجم العربان أينما وجدوا فقطع رؤوس البعض وسبى النساء والأطفال حتى كمنوا(سكنوا )
كل كلمة أوردها إبن إياس بهذا الخصوص تستحق التأمل .. الصراع بين المماليك و بعضهم .. و الصراع مع قبائل العرب المستوطنة في مصر ( العربان ) و التي خفت صوتها أثناء حكم المماليك .. و لكنها عندما يبدى من المماليك ضعفا .. يتحولون لوحوش تنهب و تقتل .. و تتأمر .. أمورلم تتوقف عبر تاريخهم الإستيطاني و دامت حتي اليوم .. حيث تجد ما تبقي من قبائلهم ملتفة حول القرى أو المدن تقوم بالسرقة و النهب و تجارة المخدرات و إرهاب المسالمين .. خصوصا مع رخاوة السلطة المركزية .
أما السلطان المنصور على فقد توفى عام 783 هـ بالطاعون على فراشه (( وكان عمره اثنتى عشرة سنة وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية خمس سنوات وثلاثة أشهر وعشرين يوما وليس له من السلطنة إلا مجرد الاسم فقط ))
(( بعد وفاة السلطان لم يجسر الأتابكى برقوق أن يتسلطن بعده فأخرج من الحريم سيدى أمير حاج فسلطنه عوضا عن أخيه وكان له من العمر يومئذ إحدى عشر سنة ليصبح آخر سلاطين دولة المماليك الأتراك ويمهد الطريق لدولة جديدة يحكمها المماليك الجراكسة )).
((الملك الصالح زين الدين أبو الجود أمير حاج حاجى ابن الأشرف شعبان بن الأمجد حسين بن الناصر محمد بن قلاوون كان السلطان الرابع والعشرون من ملوك الترك و أولادهم بالديار المصرية))
و
((الأتابكى برقوق عن طريق العنف والقسوة سيطر على الحكم فى البلاد حتى أنه كان يمكن أن يأمر بإغراق وزير .... فتوجهوا به إلى الجزيرة الوسطى ووضعوه فى البحر وهو مكتف من يديه ورجليه بحبل فأقام فى الماء نهارا كاملا حتى شفع فيه بعض الأمراء من التغريق ... )) أو (( يقع فى حق القضاة والفقهاء بما لا يليق بعد ما كانت القضاة والفقهاء عند الأمراء والأكابر يبجلونهم ويعظمونهم إلى الغاية وقد انحط قدر القضاة والعلماء ... حتى صار أقل الناس من الأرزال يخاطبونهم بكل قبح وقد ذلوا أنفسهم فى طلب الدنيا وحب المناصب ....)) أو (( بالقبض على كاشف الوجه البحرى وضرب ضربا مبرحا بين يدى الأتابكى برقوق وسلمه إلى حاجب الحجاب ))
أنا لم أؤلف هذا .. إنه إبن إياس يصف عصرة عندما حكمه الأتابك .. كما لو كان يعيش بيننا .. اليوم يصف حالنا بعدما حكمنا الأتابك المعاصرين .
ولقد حاول بعض المماليك قتله فنبهه أحدهم ((وإذا بأيتمش الخاصكى قد دخل عليه فلما رآه برقوق قام إليه وضربه بقوس كباد كان بجانبه فأرماه إلى الأرض وداس عليه برجله وقال له ( يامرا ) ( يا علق ) الذى يريد قتل الملوك يقع على الأرض من ضربة واحدة ))
اللة علي الأدب و التهذيب الذى كان علية الأتابكي قائد العسكر .. الذى أصبح بعد ذلك سلطانا .
عندما (( قوى حلف الأتابكى برقوق وصار له عدة مماليك من الجراكسة جلبوا له من بلاد جركس ... وصار ما على يده يد ... )) .. ((وكان قد ضعف أمر دولة قلاوون وصار غالب العسكر مماليك جراكسة وانحط قدر الترك )) .فان برقوق (( أخذ فى أسباب إظهار سلطنته وقد لاح له لوائح النصر )).
فجمع الخليفة والقضاة وقال لهم
(( يا مولانا أمير المؤمنين ويا سادات القضاة إن أحوال المملكة قد فسدت وتزايد فساد العربان فى البلاد من الشرقية والغربية والصعيد وقد خامرت النواب وخرجوا عن الطاعة والأحوال غير صالحة وان الوقت محتاج لإقامة سلطان كبير من الأتراك تجتمع فيه الكلمة ويردع العربان ويمهد البلاد ويسكن الاضطراب ويقمع أهل الفساد فان السلطان الملك الصالح صغير السن ))
فالتفتت القضاة إلى أمير المؤمنين وقالوا له (( إن من الرأى أن يتسلطن الأتابكى برقوق )) .
فخلع السلطان الصالح أمير حاج من السلطنة ودخل إلى دور الحرم عند إخوته فكانت مدة سلطنته سنة وسبع أشهر و أيام و به زال الملك عن بنى قلاوون وقد أقامت المملكة فى قلاوون وأولاده مائة سنة وثلاث سنين
لا تعليق .... علي هذا المشهد المتكرر عبر تاريخ مصر .. السابق و الحالي ..
((قام الفريق أول عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 الموافق 24 شعبان 1434هـ ،بإلقاء بيان أمام إجتماع ضم المؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة، و الدكتور محمد البرادعي وممثلي المرأة وشباب تمرد، وحزب النور، والقضاء، أعلن فيه ( خلع ) عزل الرئيس المصري محمد مرسي وعطّل العمل بالدستور وقطع بث عدة وسائل إعلامية.. وكلّف رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور برئاسة البلاد مؤقتا .. وصدرت أوامر باعتقال 300 عضو من الإخوان المسلمين.)) .

(( كان أصل الظاهر برقوق جركسى الجنس ولد بضيعة يقال لها .. (كسا) .. فلما كبر و صار صبيا سرق من بلاده و أبيع ببلاد القرم فاشتراه الخواجا فخر الدين عثمان بن مسافر وجلبه إلى مصر فاشتراه منه الأتابكى يلبغا العمرى وكان اسمه ( الطنبغا ) فسماه يلبغا ( برقوق ) لفتور كان بعينه ثم أن يلبغا أعتقه وجعله من جملة مماليكه الأجلاب .
فلما قتل يلبغا وقبض على مماليكه سجن برقوق بسجن الكرك فأقام به مدة ثم أفرج عنه فتوجه إلى دمشق وخدم عند الأمير منجك نائب الشام فلما طلب الأشرف شعبان مماليك يلبغا وقربهم حضر برقوق معهم إلى مصر وصار فى خدمة الأسياد أولاد الأشرف شعبان حتى قتل)). .
ة هكذا.. تابعنا صعود برقوق أثناء حكم السلطانين على و أمير حاج حاجى وانتقاله فى مناصب الدولة رغم أنه لم يكن تركيا حتى أصبح المتحكم فى الدولة ولم يجد الخليفة والقضاة بديلا عنه لتولى السلطنة باسم ( الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق ابن آنص العثمانى ) .. سنة 784 هـ .
((أبو برقوق آنص العثمانى هذا كان أيضا عبدا جركسيا أحضره الخواجا عثمان لمصر مع ارتقاء ابنه فى سلم السلطة فاستقبله العلماء والأمراء و أكابر البلد استقبالا شعبيا ))
ثم أخلع برقوق على الخواجا عثمان الذى اشترى والده وجلبه من بلاد جركس ثم بذل للخواجا عثمان مالا جزيلا ... وكان آنص جركسيا مغلق اللسان لا يعرف كلمة بالعربى .. )).
وهكذا حكم مصر عبد ابن عبد مجلوب لا يعرف لغة البلاد ليبدأ دولة المماليك الجراكسة
((بالقوة .. فانه كان من غير بيت المملكة ولم يكن يستحق لذلك لكن ساعدته الأقدار على بلوغ الأوطار فقويت شوكته واستضعف أمر بنى قلاوون ونزع أيديهم من الملك واستقل به )).
(( فلما تم أمره فى السلطنة وثبتت قواعد دولته أخذ فى أسباب أمر النفقة على العسكر قاطبة فأعطى لكل مملوك مائة دينار ذهب ... ثم أخذ فى أسباب القبض على جماعة من الأمراء فقبض عليهم و أرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية ثم أنه رسم بالإفراج عن جماعة من الأمراء فعند ذلك استقام أمره فى السلطنة وخضعت له الرقاب)).
كنت اريد أن أتوقف عند هذا الحد ..و لكن المصير الذى لاقاة الديكتاتور المفترى .. مغر .. بإستمرار عرض سيرته و كيف أدار الحكم في زمنه .
فالسلطان برقوق بعد توليه الحكم وجد نفسه منغمسا فى شتى أنواع المؤامرات والدسائس ومحاولات الطموحين للسلطة والمال سواء فى ذلك من جاءوا من الخارج .. كالفرنجة الذين هجموا فى فترات متتالية على ثغور مصر الإسكندرية ودمياط ورشيد.. أو التركمان الذين أقلقوا نواب الشام .. أو من الداخل كالعربان الذين هاجموا قوافل الحجاج وكون أحدهم (( جماعة من العربان لا يحصى عددهم ونهب نواحى الفيوم .... )) أو عصابات اللصوص (( فقد أشيع أن دخل القاهرة منسر نحو ستين رجلا ... فنهبوا سوق الجملون العتيق ..)).. أو المماليك الذين حاولوا اغتياله لأكثر من مرة .
لذلك أحاط السلطان برقوق نفسه بالجواسيس وشجع الوشاة والدساسين لينقلوا له الأخبار وكان بالغ القسوة على من يسوقه حظه العاثر ليصبح عرضة لوشاية بحيث لم ينجو من قسوته هذه أحد حتى أمير المؤمنين الخليفة المتوكل الذى تسببت دسيسة فى عزله وسجنه وقيده بالأغلال .

وهكذا أصاب السلطان برقوق ما يصيب الطغاة من أمراض البغى فكان يحلو له استعراض قوته وتجربة نفوذه حتى أنه كان يأمر نصرانيا ((بأن يسلم غصبا .. فلما أسلم خلع عليه )) أو يوافق على فك قيود الخليفة بعد أن ((باس رجل السلطان على اللحم نائب السلطة سودون تشفعا لأمير المؤمنين المغلول )).. أو يأمر بسجن أمير عندما يعلم(( أنه قد اجتمع نساؤه فى داره لفرح عندهم وعليهم اللؤلؤ والجواهر والذهب والثياب الحريرية ما يجل قيمته )) .. أو يقبض على سبعة من مماليكه (( المماليك السلطانية وسبب ذلك أن بلغ السلطان أن هؤلاء يقصدون الفتك به فبادر إليهم وقبض عليهم وضربهم بالمقارع ثم رسم نفيهم )). .
أما مماليك الأشرفية فعندما بلغه أنهم سيهجمون عليه وهو بالميدان (( قبض عليهم وضربهم وقبض على أميرهم ورسم بتسميره بالمسامير الحديد هو ومن قبض عليهم وأركبوهم على جمال و أشهروهم فى القاهرة ثم وسطوهم فى بركة الكلاب ... ثم بعد ذلك بأيام قبض على ستة عشر مملوكا .. ورسم بنفيهم هم ومن بقى من المماليك الأشرفية))
فإذا ما تغير خاطر السلطان على شخص ما فالويل له سيضربه بالمقارع مهما كان مقامه وسيصادر أمواله وينفيه وقد يسجنه أو يسمره بالمسامير
((غضب السلطان على القاضى تقى الدين ناظر الجيش ( وزير الحربية ) فأمر بضربه بين يديه فضرب نحو ثلاثمائة ضربة بالعصى وكان ترفا رقيق الجلد ... فلزم فراشه حتى توفى)). .
تغير خاطر السلطان على أحد الأمراء (( فضربه بالمقارع و أخذ منه ما يقارب الثلاثمائة ألف دينار )) .
(( تغير خاطر السلطان على قضاة حلب فعزل الأربعة فى يوم واحد )).
(( تغير خاطر السلطان على سعد الدين بن البقرى فاحتاط على موجوده وقبض على نسائه وغلمانه وحاشيته وقرر عليهم الأموال الجزيلة .... واستمروا فى الترسيم حتى جلبوها )) .
أما العامة
فان السلطان رسم بإبطال ما كان يعمل فى يوم النيروز ـ وهو أول أيام السنة القبطية ـ من قديم الزمان فى أيام القبط ....
((فلما كانت دولة الجراكسة وتسلطن الملك الظاهر برقوق أمر بإبطال ما كان يعمل فى هذا اليوم ورسم للحجاب ووالى القاهرة بأن يتوجهوا إلى أماكن المفترجات ويقبضوا على من وجدوه من العوام .. فقبضوا على جماعة كثيرة منهم وضربوهم بالمقارع وربما قطعوا أيدى جماعة منهم )) .
والفرنج
((أرسل الأمير الطنبغا عشرين مركبا شوانى إلى دمياط وقد شحنها بالعدد والسلاح والمقاتلين لتغزو الفرنج ... وقد أسروا خمسة وثلاثين رجلا وقتلوا منهم جماعة كثيرة وغنموا منهم غنائم عظيمة ... فلما حضروا إلى بولاق توجهت الناس إلى الفرجة عليهم وخرجوا أفواجا أفواجا .. ثم فى الغد عرضت الأسرى على السلطان فى الميدان فقطع رقاب جماعة منهم و أبقى منهم جماعة )) .
والسفراء
( فلما قرئ كتابهم ظهر أنهم رسل متملك بلاد القرم فانحط قدرهم عند السلطان وقطع راتبهم ثم أخرجوا من الميدان إلى مكان بالقلعة فأقاموا به أيام )) .
أما المهندسون
((اقترح على المهندسين أن يصنعوا له القبة بالحجر النحت فصنعوا له ذلك وكانت القبب القديمة كلها خشب ويجعلون فوقها رصاص )) .
التركمان أيضا
(( قدم البريد من حلب برأس الأمير خليل بن قراجا بن دلفادر أمير التركمان وقد قبض ـ أيضا ـ على أخيه عثمان بن قراجا وعلى ابن أخيه إبراهيم وحز رأسه أيضا وقد أخذوا غدرا)) .
هذا هو السلطان برقوق غارق في ملذاته و سلطاته .. لم يحركه حتي
(( خبر من ماردين باستيلاء تيمور لنك على مدينة تبريز وقتل أهلها وخرب بيوتها وقد استولى على عدة بلاد من بلاد الشرق فلما تحقق السلطان ذلك تنكد لهذا الخبر )) .
فى القاهرة
((كملت عمارة مدرسة السلطان التى أنشأها بين القصرين فكان خان الزكاة .. فجاءت ليس لها نظير فى الحسن ولا بنى فى القاهرة لها مثال من الحسن والزخرفة فنزل السلطان من القلعة ومد هناك سماط عظيم أوله عند المحراب و آخره عند فسقية المدرسة حفل بأنواع الأطعمة الفاخرة من الإوز والدجاج والخراف الرمسان حتى لحوم الخيل والغزلان والنعام والأسماك ...
ثم بعده سماط ثانيا به مجامع الحلوى ومشنات فاكهة و ملأ فى ذلك اليوم الفسقية التى فى صحن المدرسة سكرا وماء ليمون وصارت الناس تملأ منه بالكاسات فلا يمنعهم أحد ))
بعد ذلك
(( نقلت رمة الأمير آنص العثمانى والد السلطان ونقل رمم أولاد السلطان أيضا وهم خمسة أولاد فدفنوا فى القبة التى عمرت بالمدرسة )).
فى دمشق
((أحضر أربعة فقهاء وهم فى الحديد وقد بلغ السلطان عنهم أنهم قالوا : ولاية السلطان لا تصح لأنه أفشى الظلم فى أيامه وحصل منه للرعية غاية الضرر و أنه لا يقوم بأمور المسلمين كالملوك العادلة )).
فى مكة
(( وثب عليه فداويان فضربه أحدهما بخنجر فى جنبه وضربه الآخر بخنجر فى عنقه فخر الشريف محمد ميتا فترك نهاره ملقى على الأرض .. وكان الشريف كبيش واقفا عن بعد فلما قتل الشريف محمد أمير مكة فر كبيش فلما جرى ذلك اضطربت الأحوال فى مكة وكادت العربان أن تنهب أسواقها ورجالها فلبس أمير الحاج آلة السلاح و ألبس من كان معه من المماليك السلطانية فأقاموا على ذلك سبعة أيام و أحوال مكة فى اضطراب)) .
أما فى الشام
فقد ((أظهر العصيان الأمير يلبغا الناصرى فالتف حوله العديد من الأمراء والمماليك المناهضين للسلطان))
فأرسل لهم تجريده تأديب ..انكسرت أمامهم .. وزحف على أثرها يلبغا ومنطاش فى اتجاه مصر وكان كلاهما يكره برقوق الذى كان قد
(( قبض على يلبغا وقيده و أرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية ثم أفرج عنه وقبض عليه مرة أخرى واستقر به نائب حلب ))
أما منطاش فقد كان عبدا اشتراه برقوق صغيرا ورباه ثم أعتقه و أكرمه ولكن عندما
(( ظهر منه ( أى منطاش ) الفساد فى الديار المصرية قبض عليه وضربه علقة قوية ونفاه إلى البلاد الشامية)).
وكان الجمع كلما تقدم فى طريقه إلى مصر انحاز إليه المزيد من المؤيدين رغم محاولات برقوق لاسترضائهم (( بكل ما يمكن حتى يستمسك قلوبهم ويكونوا معه قاطبة ))..
فى مصر اقتتل عسكر يلبغا وعسكر برقوق
(( فبانت الكسرة على برقوق وصارت المماليك تتسحب من عنده وتتوجه إلى يلبغا ))..
مما جعل برقوق يهرب ليلا ويختفى عند واحد من تلاميذه
فيحتل يلبغا القلعة ويحضر الخليفة والقضاة الأربعة فيخلعون برقوق ويبايعون ((أمير حاج بن الملك الأشرف )) .. الذى كان برقوق قد خلعه وحل محله منذ ست سنوات وثمانية أشهر وعشرين يوما بعد أن (( حكم الديار المصرية أتابكا وسلطانا إحدى عشر سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما )) .
هذه السيرة تطرح علينا سؤالا.. هل هو قدر أن ما حدث في القرن الرابع عشر .. يتكرر في القرن الحادى و العشرين ..أم أن إنها طبيعة حكم الأتابك .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول