التضامن المدني مدخلنا إلى الديموقراطية 1

راتب شعبو
2021 / 4 / 30

مقدمة
نكتشف اليوم، بعد عقد من اندلاع الثورات العربية، أن فشلنا في ترسيخ نظام سياسي ديموقراطي طوال تاريخنا ما بعد الاستقلال، لم يكن سببه أن الجيش والانقلابات العسكرية كانت أداة التغيير بمعزل عن الفعل والمشاركة الشعبية. ولعل الانقلابات كانت نتيجة أكثر مما كانت سبباً. أمامنا اليوم تجربة جديدة تقول إن الثورات الشعبية، السلمية وغير السلمية، فشلت في تحقيق ما تصبو إليه من انتقال سياسي ديموقراطي، بما فيها المجتمعات التي لم تصل فيها الثورة إلى العسكرة، واستطاعت أن تسقط طاغيتها سلمياً، مثل مصر، وأن تجري انتخابات رئاسية فعلية، ولكن دون أن تستطيع، مع ذلك، حماية هذا التحول وترسيخه، وارتدت إلى حال أسوأ من الحال الذي انطلقت منه.
نذهب في تفسير هذا الفشل إلى التراجع المزمن لعموم الناس عن الانخراط في المجال العام، بفعل غياب فكرة المشاركة في الشأن العام عن الوعي الشعبي، وبفعل انشغال النخب بالهم السياسي بمعناه المباشر (السعي إلى السلطة السياسية). سنحاول عرض والدفاع عن فكرة تقول إن السبيل الوحيد إلى الديموقراطية في مجتمعاتنا لا يكون في تسوية أو اتفاق بين نخب سياسية ، بل في المشاركة المباشرة للناس أصحاب المصلحة، وتنظيم حضورهم في المجال العام بشكل يحقق توازناً دائماً بين ميل نخب الدولة (السلطات) إلى الطغيان، وبين مصلحة الناس في حماية مصالحهم الحياتية اليومية والمباشرة، فضلاً عن مصلحتهم في حماية شروط الحياة العامة، الشروط التي غالباً ما تدوسها أقدام مصالح النخب المسيطرة والأنانية.
تاريخ شعبي نزق
دأبت السلطات المتتالية المتشابهة في طبيعة علاقتها بالمحكومين، على طرد الناس من المجال العام، جرياً على تقليد ثابت يلازم الطغيان، يقول إن المجال العام هو مجال سياسي حصراً، أي مجال اشتغال السلطة السياسية، إلى أن تكرس هذا الحال في الوعي على أنه الحال الطبيعي. أصبح ابتعاد المحكومين عن الشأن العام، عن شأنهم المباشر، عنصراً ثابتاً في تاريخنا، الأمر الذي يدفع إلى اعتبار أو، على الأقل، افتراض أن هذا العنصر مسؤول عن الحلقة المفرغة التي تدور فيها مجتمعاتنا بين استبداد وآخر.
إذا تأملنا تاريخنا منذ الاستقلال، سوف نجد أن مشاركة الشعب في تغيير السلطة السياسية كانت محدودة. البارز في تاريخنا، قبل الثورات العربية التي ملأت العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، هو الترحيب بالسلطات وليس الاحتجاج عليها . يجري حسم الصراع على السلطة بين النخب، بعيداً عن الفعالية الشعبية، ثم يرحب الشعب بالسلطة الجديدة وكأنه في هذا الترحيب يستجلب خير السلطة المنتصرة ويستبعد شرها، كما لو أنها قضاء وقدر. هناك إذن ما يسوغ الانطباع بأن تاريخ السلطات والنخب لدينا مستقل عن تاريخ الشعوب، وكأن تأثير الشعوب في تاريخ السلطات وتعاقبها يقترب من الصفر.
تاريخ سياسي طويل كرس لدى الناس وعياً سلبياً تجاه المشاركة في الحياة العامة، الأمر الذي استقبلته النخب بترحيب لأن هذا الحال يوكل للنخب أهمية وشأناً على حساب المشاركة العامة، ويجعلها صانعة للتاريخ. ولكن من جهة ثانية، لا تجد النخب السياسية الحديثة التي تطمح إلى السلطة وتعارض السلطة القائمة، من سبيل إلى السيطرة السياسية سوى الاعتماد على الحركة الشعبية، ولاسيما بعد أن أُغلقتْ سبل الانقلابات العسكرية. هكذا ينشأ توتر، غير مجد، بين علو الاعتبار الذاتي للنخب وبُعد مقاصدها "السياسية"، وبين عجزها وحاجتها إلى مصدر قوة من خارجها (الجمهور) أو مصدر قوة خارجي (أجنبي).
سوف نجد أن النخب تعلي من شأن "الشعب" حين يتوافق مع رؤيتها ومصالحها، أما إذا كان مضاداً لها ولتوجهاتها، فإنها تحط من شأنه إلى حد الشتم، حين لا يكون لدى النخب سوى القول، وإلى حد القصف والحصار والإبادة، حين تكون النخبة معززة بجهاز دولة وجيش. على الشعب إذن أن يكون خادماً للنخب وليس العكس، أكانت النخب حاكمة أم معارضة. كأن النخب كانت تقول طوال هذا التاريخ ما قاله محمود درويش في "خطاب الديكتاتور": "سأختار شعبى سياجا لمملكتي، ورصيفُا لدربي".
الحالة الناتجة هي أن ينتظر الناس، مهما شقت ظروفهم، انقلاباً إنقاذياً (الانقلابات العسكرية تحمل في الغالب تسميات خلاصية وإنقاذية وتصحيحية)، يكنس انقلاباً سابقاً ليعيد العلاقة نفسها مع الشعب. نخبة سياسية تطيح بنخبة أخرى. وفي لحظات نادرة يقتحم الناس المجال العام من بابه الأقصى، نقصد الباب السياسي، للمطالبة بتغيير السلطة. ثم يعودون بعدئذ إلى مجالهم الخاص تاركين المجال العام للسلطة (القديمة أو الجديدة) لتعيد الاستبداد دورته الأولى التي تبدو بلا نهاية.
النشاط العام للناس يقتصر، والحال هذا، على أعلى أشكاله وهو الثورة الهادفة إلى تغيير نظام الحكم. هكذا تنوس الفاعلية الشعبية بين انسحاب طويل وكامل من الشأن العام، تاركين هذا الشأن حتى أدق تفاصيله للنخبة الحاكمة، وبين لحظات من ملء المجال العام بالانتفاض ضد النخبة السياسية الحاكمة مباشرة. بين الانسحاب التام والانتفاض السياسي يبقى المجال العام محل شغل حصري للسلطة السياسية القائمة، شاغراً من الفعالية الاجتماعية المدنية، أي من الحضور الشعبي المؤثر في المجالات التي تمس حياتهم اليومية. سوف نوضح لاحقاً التمييز بين الفاعلية المدنية المقصودة وبين أعمال الإغاثة والدعم، وعن أنشطة الجمعيات أو المنظمات التي تسمى منظمات غير حكومية.
هذا التاريخ الشعبي النزق كان دائماً وعاء لبؤس مديد مستقر، حين تكون السلطة طاغية والشعب مستسلم، أو لمجازر رهيبة حين ترتد السلطة بكل ثقلها على الناس الذين تركوا استسلامهم فجأة وخرجوا ضدها. تفسيرنا لهذه الظاهرة هو عدم اهتمام النخب بالنضالات على مستويات متدنية، أو أدنى من السياسة، الأمر الذي كرس انسحاب المحكومين الدائم من الشأن العام واستسلامهم المديد أمام النخب الحاكمة، بناء على تشكل وعي يظهر فيه الشعب مجرد أداة في صراع النخب، وأن هذا الصراع لا ينجم عنه فوائد ملموسة للناس، بصرف النظر عن لون النخبة المنتصرة.
دولة حديثة لمجتمع غير محدَّث
الدولة الحديثة التي توضعت في مجتمعاتنا من خارج سياق التطور الداخلي للمجتمع، كانت مكسباً ثميناً، ليس للمجتمع بل للاستبداد الذي اكتسب أدوات أكثر حداثة. جهاز حديث يمنح من يستولي عليه قدرة هائلة على إخضاع المجتمع الذي بوغت بالحداثة ولم يطور ما يكفي من الحماية في وجه جهاز دولة حديث تحركه ايديولوجيات حديثة أيضاً تحتقر وتفكك الروابط الأهلية على أنها متخلفة، وتمنع نشوء روابط مدنية حديثة عوضاً عنها، فيبقى الأفراد عراة وفريسة سهلة للجهاز (الدولة) الذي له سلفاً في الوعي العام مكانة شبه إلهية.
يظهر من تاريخنا الحديث، وجود تكامل بين الدولة الحديثة والايديولوجيات الحديثة، بين الدولة الحديثة بقدراتها الهائلة، والايديولوجيات الحديثة التي اجتمعت على عبادة الدولة وشرعت لها الانقضاض على الروابط الأهلية، وقمع نشوء بدائل مدنية لها. تكامل انتهى في الواقع إلى صلب المجتمع على خشبة السلطة السياسية. على هذا الحال، كانت الأيديولوجيات الحديثة (القومية منها والأممية)، عدائية ضد المجتمع، وتُرك الفرد الأعزل عارياً مما يمكن أن يحميه من بطش جهاز الدولة الحديث الذي قمع بثبات أي محاولة لنشوء وسائل حماية مدنية يدافع بها المحكومون عن مصالحهم المباشرة في وجه الدولة .
على هذا، فإن الأيديولوجيات الحديثة التي غذت أحزاباً وانقلابات عسكرية، أنتجت، حين نجحت في الاستيلاء على الدولة، بيئة مناسبة للاستبداد، تمثلت في تغليب الدولة على المجتمع، بوصفها الأداة في يد "الطليعة" التي سوف تحدث المجتمع. الحداثة المباغتة وتهميش المجتمع غير المحدَّث، أفسح المجال، في الواقع، لأن تتغذى كل نزوعات التسلط والعصبيات غير الحداثية في صفوف "الطليعة" (التي صارت طغمة حكم) داخل أغلفة حديثة . هكذا نمت، مثلاً، ظاهرة التوريث داخل الغلاف الجمهوري، وكذا الحال فيما يخص العصبيات العشائرية والطائفية التي نمت ضمن أغلفة حديثة أكانت قومية أو وطنية أو أممية .. الخ. ويمكننا تلمس هذه الظاهرة (نمو العلاقات الأهلية في أغلفة حديثة) حتى في الأحزاب السياسية التي قضت حياتها في معارضة الاستبداد السياسي. كانت الحداثة عندنا إذن مجرد غلاف للتخلف، وكانت مركباً لغير ما يفترض أنها مركباً له، فلم تكن مركباً للعقلانية و"نزع السحر عن العالم"، بل بالأحرى مركباً للاستبداد.
حداثة الدولة لم يواكبها حداثة على مستوى المجتمع الذي بقي موضوعاً سلبياً للسياسة، وبقيت العلاقة بين الدولة والمجتمع وحيدة الجانب، قائمة على علاقة الإخضاع والخضوع التي تنطوي على انعدام ثقة متبادل. ولم تظهر الدولة على أنها مؤسسة عامة تحرص على الخير العام، وهكذا بقي المحكومون على مسافة اغتراب دائمة عن دولتهم.
التيارات السياسية الرئيسية نظرت إلى الدولة إما على أنها جهاز في يد طبقة مسيطرة ودعت ليس إلى الاستيلاء عليه فقط بل وإلى تحطيمه أيضاً، كبداية لإعادة بناء المجتمع "السليم"، أو على أنها جهاز ينبغي أن يكون في يد أهل الربط والحل، أو في يد الطليعة. وفي كل حال ظل الشعور باغتراب المجتمع عن الدولة حاضراً، وظلت عتبة الشعور بعمومية الدولة عالية.
هذا الواقع غير المتوازن، حيث المجتمع منسحب ولا يعكس وزنه داخل جهاز الدولة، وحيث للدولة الوزن الساحق والأثر الأهم، نقول إن هذا الواقع دفع طالبي التغيير وأنصاره للتفكير في الاستيلاء على الدولة لما لها من قدرة. وعليه تركز دائماً الصراع في المستوى السياسي وحول الدولة، الأمر الذي زاد من تهميش المجتمع. ما سبق يفترض النظر بعين جديدة للبحث عن مقاربة نضالية تعيد التوازن بين المجتمع والدولة وتفكك أو تضعف قيود الاستبداد الراسخة والمزمنة فيه.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية