قصة الولايات المتحدة (29) – حرب فيتنام

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 30

حرب فيتنام

واحدة من معالم واشنطن العاصمة، هو مبنى ضخم من الرخام الأبيض. شيد كنصب تذكاري ل "أبراهام لينكولن". بالقرب، ومختفي في العمق تقريبا، يقف نصب تذكاري آخر، ليس لرجل واحد ولكن لمجموعة. إنه جدار طويل من الرخام الأسود المصقول، عليه آلاف الأسماء المنحوتة للشباب الأمريكي الذين لقوا حتفهم في حرب فيتنام.

فيتنام في جنوب شرق آسيا. كانت من قبل تحكم بفرنسا. لكن في عام 1954، قام جنود زعيم شيوعي يدعى هو تشي مينه بطرد الفرنسيين. على غرار كوريا، انقسمت فيتنام بعد ذلك إلى قسمين. الحكم الشيوعي في الشمال، وغير الشيوعي في الجنوب.

الخطوة التالية، كان من المفترض أن تشكل حكومة واحدة للبلد كلها. لكن الانتخابات لم تتم أبدا. السبب هو خشية حكومة جنوب فيتنام من فوز الشيوعيين بقيادة هو شي منه. في نفس الوقت، أراد هو شي منه، توحيد فيتنام بالحرب. لذلك أمر بأعمال التخريب والإرهاب.

كجزء من الخطة الشاملة لاحتواء الشيوعية، كان الأمريكان يساعدون فرنسا ضد هو شي منه. الآن، هم يدعمون فيتنام الجنوبية بالسلاح والمستشارين.

كان الاحتواء مهما بشكل خاص للأميركيين في فيتنام، هذا بسبب نظرية الدومينو التي كان يراها الرئيس أيزنهاور. نظرية الدومينو تقول، إن آسيا بها العديد من الدول التي لم تحزم أمرها بعد. إذا سقطت واحدة منها، فيتنام على سبيل المثال، ووقعت في براثن الشيوعية، سيتبعها آخرون. سيسقطون الواحدة تلو الأخرى. مثل صف من قطع لعبة الدومينو.

كان الأمريكان مرعوبين، بصفة خاصة من الصين الشيوعية، لأنها قد تحاول السيطرة على جنوب شرق آسيا. كما فعل الاتحاد السوفيتي مع دول أوروبا الشرقية.

لذلك نجد في 1950s، وحتى أوائل 1960s، أيزنهاور أولا ثم كينيدي، يغدقون الأموال والسلاح على فيتنام الجنوبية. وقام كينيدي بإرسال الجنود أيضا، لا لتقاتل، وإنما لتقديم المشورة والتدريب.

مع ذلك، بحلول أوائل الستينيات، كان من الواضح أن حكومة جنوب فيتنام تخسر الحرب. كان لدى هو شي منه، جيش معد لحرب العصابات، قوامه 100 ألف رجل، يقومون بالقتال في جنوب فيتنام في ذلك الوقت.

تلك العصابات كانت تسمى الفيتكونج. معظمها من شيوعي الشمال، الذين تسربوا إلى الجنوب عبر مسارات سرية في الغابات. بحلول عام 1965، البلد التي تدعمها الولايات المتحدة، كانت على وشك السقوط.

الآن، لدى الولايات المتحدة رئيس جديد، ليندون جونسون. واجه جونسون خياران صعبان. كان يمكنه الانسحاب والسماح للشيوعيين بالاستيلاء على كل فيتنام، أو يقوم بإرسال الجنود الأمريكيين في محاولة لوقف ذلك.

كان جونسون قلقا جدا من تطبيق نظرية الدومينو، وفخورا جدا بأن بيده الخيار. لقد أمر بالفعل، طائرة أمريكية بقصف السكك الحديدية والجسور في الشمال فيتنام. الآن يقوم بإرسال جنود أمريكيين.

بحلول عام 1968، كان هناك أكثر من نصف مليون أمريكي يقاتلون في جنوب فيتنام. الروس والصينيون، هم أيضا قاموا بإرسال المزيد من الأسلحة والإمدادات إلى هوشي منه. آلاف إضافية من جنوده الشيوعيين كانوا يزحفون جنوبا لملاقاة الأمريكان.

حرب فيتنام كانت حرب كر وفر، كمائن وهجمات مفاجئة. بعد هجوم الفيتكونج، يتبخرون كشبورة الصباح، ويختفون بعيدا في عمق الغابات، أو يتحولن بقدرة قادر إلى قرويين مساكين غلابة. براءة الأطفال في عيونهم، ولم يروا سلاحا قط في حياتهم.

القروي العادي، عادة ما يساعد ويحمي الفيتكونج. في بعض الأحيان يفعلون هذا بدافع الخوف. في أحيان أخرى بدافع العطف والانتماء لنفس الوطن. الناس مثل الماء، وجيوشنا مثل السمك، الذي يحتاج الماء لكي يعيش فيه." قال أحد قادة الفيتكونج.

حرب عصابات مثل هذه، تعني أن الأمريكان لم يكن لديهم جيشا يحاربونه. لكي تجد فيتكونج، كأنك تبحث عن قطرة من الدموع في كوب ماء.

المقاتلون الأمريكان أصبحوا غاضبين ومحبطين. قاموا برش مساحات شاسعة من المزارع والغابات الفيتنامية بالكيماويات القاتلة لكي يقطعوا خطوط تمويل الفيتكونج.

أحرقوا قرى بكاملها، كانوا يظنون أنها تأوي أو تمد الفيتكونج بيد المساعدة. لكن الغارات والهجمات كانت مستمرة. استمرت حتى بعد أن صعّد جونسون الحرب، وأخذ يقذف مدنا في شمال فيتنام، لإجبار الشيوعيين على السلام.

عرضت التقارير والأفلام السينمائية المعاناة وويلات الحرب في فيتنام على شاشات التليفزيون في جميع أنحاء العالم. لأول مرة في التاريخ الانساني، يرى الناس وهم في بيوتهم بعيدين عن أي قتال، الرعب والقسوة التي تسببه الحروب الحديثة. الملايين بدأت ترى قسوة الأمريكان وتنمرهم الوحشي.

تسببت الحرب في خلافات مريرة في الولايات المتحدة نفسها. عدد لا يحصى من الأسر، فقدت أبناءها وإخوانها وأزواجها في فيتنام. بحلول نهاية 1960s، العديد من الأمريكيين كانوا مستائين وخجولين من القتل والتدمير الذي يحدث في فيتنام. أحد المتظاهرين الأمريكان، هتف يقول وهو يوجه كلامه للجيش الأمريكي: "كم طفلا قمتم بقتله اليوم؟".

رأى الرئيس جونسون أنه بإرساله الجيش الأمريكي لكي يحارب في فيتنام، قد أوقع الجيش الأمريكي في الفخ. الحرب كانت تدمر سمعة البلاد الطيبة في جميع أنحاء العالم. لقد قسّمت الشعب الأمريكي بين مؤيد ومعارض. في عام 1968، أوقف جونسون قصف فيتنام الشمالية، وبدأ البحث عن طريقة لصنع السلام.

في عام 1969، تم انتخاب ريتشارد نيكسون لكي يحل محل جونسون كرئيس. مثل جونسون، أراد أن ينتهي حرب فيتنام. لكن دون أن يبدو كمن قد هزم شر هزيمة.

وضع نيكسون خطة لتحقيق هذا الهدف. شرع أولا في تعزيز الجيش الفيتنامي الجنوبي، حتى يبدو كقوة كافية للدفاع عن جنوب فيتنام دون مساعدة. هذا أعطاه ذريعة للبدء في سحب الجنود الأمريكان من فيتنام.

ثم أرسل نيكسون هنري كيسنجر، مستشاره للشؤون الخارجية، إلى محادثات سرية مع الفيتناميين الشماليين والقادة الروس في موسكو، لبحث وقف إطلاق النار.

عندما كانت فيتنام الشمالية بطيئة في الاتفاق، بدأ قصف مدنهم مرة أخرى، هذه المرة لإجبارهم على السلام. ثم أخيرا تم التوصل إلى ما يشبه الاتفاق على وقف إطلاق النار في يناير عام 1973. بحلول مارس من نفس العام، ترك آخر جندي أمريكي فيتنام الجنوبية.

الوفاة في ولاية كينت

جامعة كينت تقع في مدينة كينت بولاية أوهايو. في عام 1970، بعد أعمال الشغب هناك احتجاجا على الحرب في فيتنام، تم حظر المظاهرات. عندما قامت مجموعة من حوالي 1000 طالب، تعترض على الحظر، أطلقت الشرطة عليهم النار. عشر ثوان من إطلاق النار، أسفرت عن مقتل أربعة طلاب وإصابة عشرة آخرين.

أظهرت مأساة جامعة كينت مدى عمق مأساة حرب فيتنام، وكيف كانت تقسم الشعب الأمريكي.

"بعد كل شيء، تم إطلاق الرصاص على مجموعة من الطلبة العزل"، قال أحد الطلاب. وقال آخر، "هذا كثير يا صديقي، كثير جدا". لكن عندما سؤل أحد المارة، لماذا كان يرفع يده بأربعة أصابع مفرودة، قال إنه يعني أن "هذا الوقت قد حصلنا على أربعة منكم أيها الأوغاد. في المرة القادمة سوف نحصل على المزيد".

"وابل من الرصاص قد أدى الغرض منه"، قال كاتب في صحيفة محلية، "لقد فضت أعمال الشغب، وأنا أقول نفس الطريقة، يجب أن تستخدم مرارا وتكرارا."

"أذكر أنني، كشاهد عيان، كنت أدرس دراسات عليا في جامعة نيويورك في ذلك الوقت، وكنا بالقرب من نهاية الفصل الدراسي. فجاءت الأوامر بغلق الجامعات وانهاء الفصل الدراسي خوفا من تطور الأمور. فقام أساتذة المواد بتقدير الدرجات وفقا لأعمال الطلاب خلال الفصل الدراس."، كاتب المقال.

لكن معظم الأمريكان صدموا بعمليات القتل، وشعروا بالخجل. كانوا يتفقون مع والد إحدى الطالبات القتلى، وهي فتاة تدعى أليسون كراوس، عندما تساءل بمرارة، "هل نحن قد وصلنا في هذا البلد إلى درجة، إطلاق النار على شابة، لا تتفق بعمق مع تصرفات حكومتها؟"

لكن النهاية الحقيقية لحرب فيتنام، جاءت في مايو 1975. عندما تدافع الفيتناميون الموالين لأمريكا بالهرب واللحاق بطائرات الهليكوبتر والسفن الأمريكية قبل فوات الأوان. أما الدبابات الشيوعية المنتصرة، فكانت تزحف في اتجاه سايجون، التي تغير اسمها إلى مدينة هو شي منه.

في كوريا، قبل عشرين عاما، كان يدّعي الأمريكان أنهم قد نجحوا في احتواء الشيوعية هناك. أما في فيتنام، فهم يعترفون بأنهم قد هزموا وفشلوا فشلا ذريعا.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي