الله والفيلسوف

سعود سالم
2021 / 4 / 30

أركيولوجيا العدم
٣٩ - الفلسفة في مواجهة الدين

أسطورة الطوفان، تبدو لنا لأول وهلة مجرد حكاية مسلية تدور حول غضب الإله الكبير تجاه البشرية، ومحاولة تصحيح الخطأ الذي أرتكبته بعض الآلهة - الغير حكيمة - في صناعة هذا الإنسان ليقوم بالإعمال الشاقة على الأرض ليريح الآلهة من الدرجة الثانية - الشغيلة - من هذه الأعمال اليومية وليترك لهم الوقت الكافي للراحة والإستمتاع بإمتيازاتهم الإلهية والمقدسة. وهذا الخطأ لا يكمن في فكرة خلق هذا الإنسان، وإنما في تصميمه وماهيته، حيث أن البشر تكاثروا بسرعة وأحتلوا الأرض، بالإضافة إلى أنهم كانوا يصدرون الكثير من الأصوات المزعجة والضجيج والصخب والزحام الذي لا سبيل لإحتماله، مما يمنع الإله العظيم من النوم ويسلبه الراحة التي ينشدها، فقرر بكل بساطة التخلص من هذه المخلوقات المزعجة بإغراقهم. وهذا يؤكد أن فكرة " الثواب والعقاب" لم تكن واردة في البداية فيما يخص الديانات الأولى المعروفة لدينا، فالطوفان لم يقصد به عقاب البشر، كما هو الحال في التفسيرات اللاحقة، يهودية أوعربية، إنما القصد الأولي كان حل مشكلة أرق الإله الكبير وأن يتمكن من النوم دون أن تزعجة الأصوات البشرية. وتدريجيا تحولت هذه القصة إلى تعبير عن القلق الأخلاقي والوجودي وأصبح الطوفان "عقابا" للإنسان لعدم طاعته للقوانين المقدسة. ولكن الذي يجب ملاحظته في أسطورة الطوفان، هو المعنى الذي تشير إليه ضمنيا، وهو عرضية الإنسان ولا ضرورته في هذا العالم : خلقته الآلهة لهدف معين، ثم أكتشفت أن ضرره أكثر من فائدته، فأغرقته وأبادته. ووعي الإنسان السومري بهذه الحقيقة، عدم ضرورة الكينونة البشرية، هي بالتأكيد مصدر لقلق وجودي متأصل ناتج عن الإحساس بالإنفصال والوحدة والغربة.
والأديان السماوية والتوحيدية، والتي تأسست على المعطيات الأساسية السومرية ثم الفرعونية، ساهمت بطريقة ما في تبخيس الحياة وإعتبارها مجرد محطة للمرور إلى عالم آخر أكثر ثباتا وأكثر دواما، وأضافت فكرة العقاب والثواب والجنة والنار ..إلخ. وفكرة أن الحياة لا قيمة لها ولا تساوي شيئا مقابل الحياة الآخرة، هي فكرة ساهمت كثيرا في نشر الإحساس بالقلق والعبث واعتبرها نيتشة أحد أسس العدمية التي انتشرت في أوروبا ودليلا على "إنحطاط" هذا المجتمع وثقافته. ونيتشة لا يدين فقط الثقافة المسيحية، والتي يسمسها "أخلاق العبيد"، ولكنه يدين أيضا الفكر الفلسفي العقلاني الذي يصل لنفس النتائج بخصوص عدم قيمة الحياة، ويتخذ من سقراط مثالا على هذا الشطط العقلي المبالغ فيه لدرجة تقبل الموت دون مقاومة، ويعتبر لجوء سقراط إلى العقل بطريقة عبثية علامة عن "المرض" الذي يعاني منه الفيلسوف، وأن تجرعه للسم في نهاية الأمر كان الدواء الوحيد لمرض سقراط المزمن. بطبيعة الحال، نحن لا نعير إهتماما كبيرا للأحكام النيتشوية القاطعة، خاصة وأنه كتب هذه التهويمات قبل قليل من سقوطه صريعا نتيجة مرضه الحقيقي هذه المرة.
الإحساس بالضياع وأن الإنسان مخلوق فقد وجهته وضاعت منه خارطة الطريق وفقد إتصاله بدليله الوحيد الذي يمكن أن يرشده، هذا الإحساس ما هو إلا خدعة دينية وفكرة طارئة تطورت وتضخمت على مر العصور لتصبح في نهاية الأمر مع نيتشة وأدب بداية القرن العشرين كارثة وجودية تسمى "العدمية". الإحساس بالضياع وسط فراغ سديمي بلا قواعد ولا أسس وبدون مبرر هو الذي يبدو ظاهريا كسبب مباشر لما يمكن تسميته مؤقتا بـ"القلق"، أي أن الإحساس بالعدم والعبث واللامعنى والشك والخواء وكون الإنسان "شكل بلا هوية، ظل بلا ألوان، قوة مشلولة، إيماءة جامدة" هو إحساس ناتج عن تغييب العقل والشك في قدرة الإنسان على مواجهة إشكاليات وجوده في العالم. والفلسفة بطبيعة الحال هي الأداة الوحيدة ولا نقول السلاح الوحيد القادرة على مواجهة هذه الإشكاليات وصياغتها وفهمها.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب