جولة إستكشاف في عقل معادى .

محمد حسين يونس
2021 / 4 / 30

صدر عن مؤسسة الصحافة الحرة بنيويورك سنة 1988 نسخة باللغة الإنجليزية من كتاب صمويل سيجاف Somuel Segev ضابط مخابرات إسرائيلي . بعنوان
((المثلث الإيرانى )) أو ((ما لم يقال عن دور إسرائيل فى مسألة إيران كونترا))..
يبدأ الكتاب بتساؤل .. ماذا سيحدث لو أن العراق هزمت إيران فى حرب الخليج ؟ ..
والإجابة ، ستنقلب علينا العراق القوية والتى تبلغ قوتها العسكرية مجموع ما لدى سوريا والأردن ومصر مجتمعين
والتى تدربت جيدا من خلال حرب طويلة واكتسبت مهارات عسكرية يتعذر وجودها فى الجيوش الأخرى المحيطة
فتتضاعف قوات الجبهة الشرقية مما يمثل خطرا حقيقيا على إسرائيل .
أما إذا هزمت إيران العراق فستنقلب إيران أيضا علينا ولكن مع فارق أن الجيوش الإيرانية مهلهلة سيئة التسليح تفتقد الى قطع الغيار والتنظيم وتبعد عنا كثيرا بحيث لكى تصل إلينا لابد لها من عبور أنهار واجتياز صحارى مع افتقادها لغطاء جوى وعدم ثقة النظام السورى أو الأردنى فيها ـ أى فى الثورة الإسلامية ـ بحيث لن يسمحا لقواتها بالعبور من خلال أراضيهما ..
وبالتالى فإيران برغم صوتها العالى لن تكون قوة مؤثرة فى الصراع .
والنتيجة .. علينا مساعدة إيران للدرجة التى لا تسمح للعراق بالانتصار وفى نفس الوقت لا تسمح لإيران بتحقيق تفوق يخل بالميزان العسكرى .
بكلمات أخرى .. على النمرين أن يصفى كل منهما الآخر.. وبناء عليه .. تقرر القيادة الإسرائيلية مساعدة النظام الخومينى ..
ما جرى من أحداث تالية ( مع مطلع القرن ) جعل الأمر يبدو بأن هذا لم يكن تفكير إسرائيل فقط .. بل قد يكون السبب في إدارة معارك سياسية و عسكرية مع مطلع القرن أدت في النهاية لتدمير العراق كقوة موازنة (خطرة ) علي إسرائيل .
إن الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي - الأمريكي لم يتوقف أبدا ( حتي بعد عقد معاهدة سلام ) عن محاولة إضعاف قوى العراق ، مصر و سوريا سواء سلما أو حربا..
فلنكمل القراءة
ولكن كيف ؟ .. وكل قادة هذا النظام لا يملون من سب إسرائيل والعدوان ـ اللفظى ـ عليها بمناسبة وبدون مناسبة .
هنا يبدأ المؤلف يستعرض العلاقات التاريخية بين بلاده وإيران الشاه رضا بهلوى ... ((ذلك الحاكم الفرد الديكتاتور شديد الذكاء .. شديد التقلب والغدر والذى بدأ بإعلان عداءه السافر لإسرائيل )) .. حتى .. حازت الجيوش الإسرائيلية على إعجابه بعد معركتها الظافرة عام 1956
بعدها سمح الشاه للقادة العسكريين الإسرائيليين بزيارة إيران و إلقاء المحاضرات لاكتساب خبرتهم العسكرية ..
ثم توجت هذه الزيارات باستقباله لموشى ديان والتعامل معه على أساس أنه بطلا قوميا عظيما قاد جيشا فائق القوة والمقدرة يمتلك أفضل ما فى العصر من علم وتكنولوجيا وتفوق ..ثم السماح له بإلقاء المحاضرات لاكتساب خبرتهم العسكرية ..
يعدد المؤلف بعد ذلك أنواع الزيارات وتواريخها و أسماء الزائرين وصفاتهم وماذا قيل ؟ وماذا لم يقال ؟ ... وانبهار القادة الإيرانيون بالتقدم والعلم الإسرائيلي .. و أيادى إسرائيل البيضاء خاصة عندما هدمت الزلازل مجموعة من القرى الإيرانية وساعدت إسرائيل فى الإغاثة و إعادة التعمير .
يقول المؤلف ..(( حتى انه لم يعد هناك ضابطا واحدا من هيئة أركان البلدين أو قادة أسلحتهما لم يذهب لزيارة البلد الآخر عدة مرات)) .
ولكن ماذا جمّع شاه إيران.. على زعماء إسرائيل ؟ فى رأى سيادته أنها أهداف ( أسباب ) ثلاثة
أهمها و أولها عدائهم المشترك لعبد الناصر ورغبتهم فى تدميره ومنعه من توحيد العرب فى جبهة مشتركة تضم الهلال الخصيب ومصر .. مناوئه لإسرائيل و إيران .
ولقد حرص السيد صمويل على أن يظهر بوضوح فى أكثر من موقع مدى حقد الشاه على عبد الناصر واعتباره عدوه الأول ـ وقد يكون الأخير ـ حتى أنه لم يكن قد تبق لدى المؤلف الا أن يضع خطوطا سوداء ثقيلة أسفل العبارات الدالة على كراهية الشاه لعبد الناصر ليضمن استيعاب القارئ لها تماما .
بعد حرب 1967 أرسل الشاه و قادته لمثلائهم الإسرائيليين باقات الزهور وخطابات الإعجاب والتشجيع التى أورد بعض نصوصها .
أما الهدف الثانى فقد كان الدفاع ـ مع الدول العربية الموالية للغرب خاصة السعودية ـ ضد امتداد النفوذ السوفيتى فى المنطقة ووقف العدوى التى انتشرت كالنار فى الهشيم
خاصة أن الشاه كان يعانى من نشاط حزب " تودا " الشيوعى الإيرانى ومنظمة مجاهدى خلق الإسلامية الشيوعية .. بعد فشل حلف بغداد ومخططات أيزنهاور لملئ الفراغ فى المنطقة و إدانتهم للشاه العميل الأمريكى .
الهدف الثالث كان التبادل الاقتصادى والتكنولوجى فإسرائيل يحيطها العرب بطوق المقاطعة وهى لكى تكسر هذا الطوق كان عليها خلق علاقات حسنة مع الدول المحيطة بالكيان العربى .. أى تركيا و إيران و أثيوبيا هيلاسلاسى فضلا عن حاجتها الماسة للبترول الإيراني أقرب مصدر متوفر ـ غير عربى ـ لها

نتوقف قليلا لنذكر القارىء بأن هذا الكتاب صدر عام 1988 ..عندما كان هناك سلام بين مصر و إسرائيل .. و معاهدات .. و تمثيل دبلوماسي ..و مع ذلك وضح منه ..خطط إسرائيل الدؤوبة لمحاصرة مصر و الدول العربية..و إسقاطها من الداخل..والتي لم تتوقف منذ زمن المعارك حتي اليوم .. و أن خلق الفوضي في دول الطوق .. خصوصا سوريا و تعجيزها .. كان إستراتيجية دائمة لها سواء كان لدينا سفير لهم في بلدنا أو تقف جنودنا في المواجهه علي الحدود .
إن ما يحدث حولنا الان 2021 من تقارب مع دول الخليج ..أو حماية و دعم بناء السد الحبشي و التحكم في مياة النيل .. و عمل قناة منافسة لقناة السويس أو خطوط نقل بترول الخليج للبحر الأبيض ..كان يدبر له من نصف قرن و ما خفي كان أعظم
بينما كنا في مصر نستمتع ببلاهة وسكون و سعادة الإستقرار و نغش أنفسنا بالسلام العادل الذى حققتة الطلعة الجوية الأولي لرئيسنا عام 73 ..و نحمد المولي علي رضا أمريكا و كون إسرائيل أصبحت صديقة لا نخاف من أن تحشد قواتها للعدوان .
و لا يلفت نظرنا أو يغير موقفنا أن تقصف المفاعل ( فرنسي الصنع ) الذرى العراقي عام 1981 فتدمره .أو تشارك في معارك سوريا بقصف إسرائيلي بالصواريخ في محيط دمشق..أو تحارب في لبنان و تحتل مزارع شبعا ..أو تستولي علي أراض فلسطينية خطوة خطوة ..حتي تتقلص المساحة المخصصة لاهلها .. فتقترح أن يرحلوا لسيناء .
نكمل القراءة
على الجانب الآخر كانت إيران تعانى من فتور العلاقة مع الولايات المتحدة لانتهاك الشاه الدائم والمستمر لحقوق الإنسان خاصة فى الفترة ( الكارترية ) وهكذا كانت فى حاجة لمن يتوسط لها لدى القادة فى الولايات المتحدة وليس هناك أفضل من اللوبى الصهيونى
كما أنها كانت فى حاجة الى الدعم الإسرائيلي لها فى مجال التكنولوجيا والتسليح والعلم العسكرى والصناعة .
هذه هى الأسباب ـ فى رأى المؤلف ـ التى أدت الى أن تلتقى قيادات البلدين لقاءا حميما دافئا بالرغم من أن إيران الشاه و إسرائيل لم يتبادلا أبدا أى تمثيل دبلوماسى علنى .
وكانت العلاقة بينهما كما يقول سيادته تشبه علاقة الرجل المتزوج ـ الذى يخشى زوجته ـ بعشيقته التى يهواها ومع ذلك يقابلها فى الخفاء .
كان نتيجة هذا الحب الحرام طفلين أحدهما ما يسمى " بالسفاك " Savak أى المخابرات الإيرانية التى قامت الموساد بتشكيلها وتدريبها ودعمها ..( لا أعرف مدى صحة هذا ).
والطفل الآخر الذى ولد ناقصا فوضع فى حضانة ولم تتاح له فرصة الحياة.. كان التعاون المشترك فى إنتاج الأسلحة الاستراتيجية والصواريخ المضادة للغواصات والأسلحة البحرية .
ما يلفت النظر .. الآن.. فى كتاب المخابرات الإسرائيلية هو رصده لمرحلة الاقتراب الإيراني - المصرى وتأثيره على فتور العواطف مع إسرائيل .
فأنور السادات نائب رئيس الجمهورية الذى حضر مؤتمر القمة الإسلامي الذى عقد فى الرباط بعد حريق المسجد الأقصى بدلا عن عبد الناصر الذى كان يعانى أزمة قلبية ( هكذا يقول !! ) ...
التقى هناك بالشاه .. فحدث حب من أول نظرة .. السادات سحر الشاه بشخصيته الجذابة بعد أن تلى عليه بالفارسية أبيات من شعر ايرانى يتكلم فيها عن الأخوة الإنسانية والمحبة بين البشر فنشأت صداقة قدر لها أن تزدهر وتنمو بعد وفاة عبد الناصر وتولى نائبه الحكم .
والسادات الذى سحر الشاه من أول نظرة كان يواجه ـ فى رأى رجل المخابرات الإسرائيلية ـ نفورا سوفيتيا من أول نظرة ـ قد يكون لعدم حفظه أشعار بوشكين بالروسية !! ـ حتى أنه فى آخر زيارة له للاتحاد السوفيتى رُفضت جميع طلباته وتجاهل برجينيف ـ على غير العادة ـ توديعه فى المطار .. أى غادر الاتحاد السوفيتى شبه مطرودا .
الذى أثر فى نفسية السادات أن السوفيت فى هذا الوقت أجذلوا العطاء لسوريا والعراق ... كان نتيجة هذا أن مر السادات فى طريق عودته على صديقه الشاه و اتفق معه على أن يمهد له الطريق لدى أمريكا لينضم الى المنظومة الموالية للغرب .. و أن يضغط أيضا على إسرائيل حتى تجلو عن الأراضى المحتلة .
ولكن يبدو أن القوم قد تلكأوا فطرد السادات الخبراء السوفيت إظهارا لجديته .. ولم يغير هذا .. الموقف.
فاندفع بجيوشه ليعبر القناة فيكتسب احترام ومحبة الشاه .. وتخسر إسرائيل بجوار خط بارليفها بعض نفوذها فى إيران مع اشتعال الموجات الشعبية الإيرانية المعضدة للعرب والمعارضة للتواجد الإسرائيلي فى بلدها .
ومع ذلك يتفق الشاه ـ خطوة خطوة ـ مع القيادة الإسرائيلية على إنشاء خط أنابيب لنقل البترول الايرانى من ايلات حتى ميناء أشكلون على البحر الأبيض .( نفس الخط الجارى تنفيذة مع الإمارات اليوم )
ثم تأتى كامب دافيد ويتفق السادات وبيجين فى أمريكا ويختلف السادات وبيجين فى الإسماعيلية ويتدخل الشاه ويطلب من إسرائيل الانسحاب من سيناء وتبكى إسرائيل على بترول سيناء الذى أصبح مصدرها الرئيسى فيعوضها الشاه ببترول إيراني رخيص .
ثم يفهم القاريء في سياق الحديث .. أن إسرائيل ( خلال فترة السلم ) قد طورت صواريخها لتصل الى 350 كم وتحمل رؤوسا نووية
ويطلق نكتة على صواريخ عبد الناصر " القاهر " و " الظافر " الى لم تنطلق أبدا .. و أن إسرائيل تمتلك قاعدة تكنولوجية وعلمية تجعل الولايات المتحدة تلجأ لها فى بعض الأحيان فى برامج تطوير صواريخها المضادة للصواريخ
و أن صواريخها المضادة للغواصات تحفة فنية .. و أنها طورت الصواريخ TOW المضادة للدبابات .
و أن إيران كادت أن تشاركها هذا المجد عن طريق تمويلها لمراكز البحث التطويرية لولا أن قامت الثورة الإسلامية الخومينية هناك .
وهكذا تنتهى الافتتاحية بعد أن استغرقت خمسة فصول لتبدأ مرحلة وصف تأزم المشكلة بسلسلة من المغامرات التى قامت بها الموساد لتأمين وترحيل رعاياها وبعض يهود إيران بعيدا عن الآتون الملتهب
ويقص باستفاضة مقدار الخدمات التى قدمتها هذه المخابرات لنظيرتها الأمريكية التى (ضربت لخمة ) .. ثم .. يفقد كلاهما جميع خيوط اتصالهما مع الجمهورية الإسلامية الوليدة.

بعد ذلك يسرد تفاصيل محاولاتهما الفاشلة لاختراق الحائط ( الهمجى ) الذى يجاهر بالعداء لأمريكا و إسرائيل والذى تحتل جماهيره مكان البعثة الإسرائيلية غير الرسمية لترفع عليه العلم الفلسطينى
ويؤكد المؤلف على أن كوادر جيش الثورة ( الحرس الثورى) Pasderan قد تم تدريبها فى معسكرات الإرهاب الفلسطينية بما فى ذلك ( مجاهدى خلق ) الشيوعية
و أن المنظمات اليسارية الفلسطينية دربت كوادر حزب " تودا " الشيوعى .. ثم تكتمل الدراما بمشهد زيارة ياسر عرفات لإيران الثورة كأول مسئول عربى .. والاستقبال الحماسى الذى أعد له و أنه قال وهو يهبط فى مطار طهران بأنه يشعر أنه يهبط فى وطنه الثانى و أن تحرير إيران من حكم الشاه بداية لتحرير فلسطين من النير الإسرائيلي .
ويبدأ تعاون الإرهاب الدولى ( في رأيه ) .. إيران الخومينى مع شيعة لبنان .. وسرايا الأسد مع جناح آخر من شيعة لبنان .. وليبيا القذافى .. والمنظمات الفلسطينية على اختلاف توجهاتها ..
ثم يذكرنا المؤلف بكل الحوادث الإرهابية .. مطار روما .. ألمانيا.. اختطاف الطائرة TWA واختطاف باخرة الركاب ( أشيلى لورو ) بعد مغادرتها للإسكندرية فى طريقها لإسرائيل ..
ويقطع قلبنا على هؤلاء المساكين الذين اغتيلوا بواسطة فصائل الإرهاب العربى الإيرانى ( الإسلامي ) ثم بسرد تفاصيل اختطاف الرهائن الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين فى لبنان عن طريق حزب الله الموالى لإيران ومنظمة الجهاد الشيعية الموالية لسوريا .
فى هذه الأثناء تأتى انتخابات الولايات المتحدة ( بكاوبوى ) المعروف باسم مستر رونالد ريجان .. فيهجم على ليبيا بطائراته ( التى قدم لها الموساد المعلومات الأرضية) ويقتل ابنة القذافى بالتبنى ..
ثم يهجم على الطائرة المصرية حاملة الطاقم المستسلم الذى خطف الباخرة (أشيلى ) .. ويضرب بيد من حديد فى لبنان عن طريق تشجيع إسرائيل على تصفية قواعد الإرهاب .. ويوقف تصدير الأسلحة لإيران ويدور ويلف حول قرارات الكونجرس الأمريكى ..
ويأمر كل من هب ودب ليجد له وسيلة ما لتحرير الرهائن الأمريكيين الذين خطفوا واخذوا كرهائن في لبنان من قبل ميليشيات شيعية موالية لايران.
من ضمن من " ترجاهم " الكاوبوى ليحل له معضلة الرهائن كانت إسرائيل.
وهكذا بعد أن شرحت المخابرات الإسرائيلية وجهة نظرها فى التاريخ المعاصر فى أكثر من نصف الكتاب تبدأ وقائع (ما لم يقال عن دور إسرائيل فى مسألة إيران ـ كونترا).
إسرائيل كان لها صلة وحيدة داخل إيران عن طريق تاجر أسلحة أفاق ـ هذا هو رأى المؤلف ـ اسمه جوربا نيفار Gorbanifar عرض نفسه من قبل على المخابرات المركزية الأمريكية ولكنه رُفض هناك لأنه ( مفبرك بارع للأخبار ) ..
ومع ذلك فلقد تحركت الموساد ورجال الرئيس ريجان من خلاله !! لقد كان قدرهم وان كان يخفف من واقع هذا القدر أن فى الموساد رجال لديهم القدرة على تطويعه والحد من أكاذيبه وسوء خلقه وشراهته ـ هذا أيضا رأى المؤلف ـ تاجر الأسلحة الإيرانى الأفاق هذا .. كان على صلة حميمة وعلاقة ودودة قوية بتاجر أسلحة آخر سعودى وان كان يختلف عن نظيره الإيرانى فى كونه مليارديرا له يخوته وغوانيه وطائراته الخاصة وصلاته الوثيقة فى كل مكان .
التاجران كانا يتعاونان مع عناصر مضادة للحكم الخومينى تلتف حول الشاه الصغير الذى توج فى القاهرة بعد وفاة والده المدفون هناك ـ أي فى القاهرة ـ من أجل تزويد هذه العناصر بالسلاح الإسرائيلي ـ الذى يثق فيه وفى فاعليته التاجر السعودى ـ كذلك يتفاوضان مع نميرى السودان ليمنحهما قطعة أرض فى سودانه بتكاليف باهظة ليدربا فيها قوات الغزو توطئة لخلع الخومينى .
فى النهاية ـ وطبقا لما جاء فى الكتاب ـ يسلم الأفاق الإيراني خطط المعارضة للجانب الآخر و أسماء كوادرهم و أماكن الأسلحة فيقبض على ثلاثين منهم ويعدموا وتفشل الخطة .
هذا الأفاق أصبح لديه بهذه الخيانة ( مسمار جحا ) داخل إيران الجديدة اسمه كينجارلو Kingarlou ويعمل نائبا لرئيس الوزراء الإيراني حسين موسافى ..
سيادة النائب هذا مرتشى .. خبيث مراوغ يتقاسم أرباح صفقات الأسلحة مع صديقه الأفاق.
ويدخل بنا المؤلف فى متاهة طويلة حول رجل مخابرات إسرائيلي يدعى نير Nir وآخر من رجال البيت الأبيض يدعى نورث North وعدد آخر من تجار الأسلحة والأفاق الإيرانى ونائب رئيس الوزراء المرتشى ورئيس المخابرات المركزية وقائد الكورس مستر ماكفرين الذى وصفه ريجان بأنه ( بطل قومى)
ويدور ابتزاز طويل المدى ومتكرر لمبادلة الرهائن بالسلاح وقطع الغيار الأمريكية وتوضع نقود فى حسابات سرية ـ يذكر أرقامها مؤلفنا ـ وتتحرك وفود عبر عواصم العالم ويتم تسجيل مكالمات تليفونية ويوضع الأفاق الايرانى تحت رعاية جهاز كشف الكذب الذى يصل الى نتيجة أنه كذب فى عدد 13 سؤال من 15 وأن ما صدق فيه فقط هو اسمه ومكان ميلاده ...
وينتج عن ذلك أن تتسلم إيران صواريخ Tow المضادة للدبابات ولكنها ترفضها لأن إسرائيل أرسلت لها نماذج قديمة عفى عليها الزمن واحتفظت لنفسها بالأنواع الجديدة وتتأزم الأمور وتكاد رقاب تقطع ورؤوس أن تطير .. ثم يعاد الاتصال ويفرج عن رهينة أمريكية ثم يعاد الابتزاز الإيراني فيطلبون صواريخ هوك مضادة للطائرات وقطع غيار وتتم مغامرات لنقلها عبر البرتغال ثم عبر إسرائيل ويربح التجار ملايين الدولارات ويستمر الحال على ما هو عليه .
قائد الكورس مستر ماكفرين أحد مساعدى الرئيس ريجان راى أنه لو أنشأ صلة مباشرة مع القيادة الإيرانية فسيقطع الطريق على تجار السلاح وموساد إسرائيل ..
فيذهب الى طهران بعد مناورات وحكايات وألاعيب واختلافات واتفاقات ... يحمل معه حلويات (شكولاته ) لكى تبدأ المفاوضات وفى الفم طعم الحلاوة ..
ولكن القادة الإيرانيون الصائمون يمتنعون عن أكل الحلوى ويعاملونه معاملة خشنة وتفشل مهمته ويقول المتحدث الإيراني الرسمى رافسنجانى (( أمريكا غير قادرة على هزيمة الثورة الإسلامية .. هاهم الزعماء الأمريكيون يحضرون لنا زاحفين )).
حدوتة طويلة تنتهى بأن يستلم الإيرانيون قطع الغيار لصواريخ هوك ولا يدفعون ثمنها .
هذه الصفقة كان الملياردير السعودى مع آخرين كندين قد مولوها كعادته طمعا فى ربح سريع يصل الى ملايين الدولارات خلال أيام ..
وهكذا يخسر عشرة ملايين دولار .. ويرفض الأمريكيون تعويضه وتحل اللعنة على الأفاق الإيرانى .. وتحاول المخابرات الأمريكية فتح قناة أخرى لا تشترك فيها الموساد أو الحرس القديم فتجد القناة الأولى والقناة الثانية قد التقتا فى شخص نائب رئيس الوزراء الإيرانى المرتشى .
وهكذا تكتمل جميع عناصر القصة البوليسية لتبدأ معزوفة النهاية بتسرب ـ عامد ـ لتفاصيل المأساة لجريدة شيعية لبنانية صغيرة فى البقاع ..
ثم للجرائد الأمريكية ثم تربط الأموال الناتجة عن تجارة السلاح .. بمعاونة ثوار الكونترا .. ليطلب الكونجرس التحقيق ويجلس أبطال التراجيديا أمام لجان الاستماع يلقون بكل المسئولية على إسرائيل ..
ويصمت القادة الإسرائيليون حفاظا على علاقات الود مع ريجان ورجاله .. وعندما تتطور الأمور لتصبح (( إيران جيت )) ويبدو أن ريجان سيلحق بنيكسون صاحب ((ووتر جيت )).. يتشاور بيريز وشامير ورابين ويتصل بيريز بالمدعى العام الأمريكى ((أدوين ميس)) ويلقى بيان فى القدس يوم 25 نوفمبر 1986 يقول فيه
((حكومة اسرائيل تؤكد بأنها ساعدت فى نقل أسلحة دفاعية وقطع غيار من الولايات المتحدة لإيران بناءً على طلب حكومة الولايات المتحدة . قيمة هذه المعدات نقلت مباشرة بواسطة مندوب إيراني الى بنك سويسرى طبقا لتعليمات المندوب الأمريكى دون أن تدخل هذه الأموال اسرائيل .
وحكومة اسرائيل تبدى دهشتها لم قيل عن أن بعض هذه الأموال قد تم تحويلها لصالح الكونترا .. وهو الأمر الذى لا شأن لإسرائيل به .. ولا علم لحكومة اسرائيل بحدوثه .. وليكن من المعلوم أن اسرائيل تأبى أن تكون أو تصبح وسيلة انتقال لمثل هذه التحويلات )). نقلا عن جريدة معاريف الصادرة بتاريخ 26 نوفمبر 1986.

وهكذا أنهى السيد صمويل سجاف ضابط المخابرات الإسرائيلية كتابه المثلث الإيراني ..
إذا صبرت .. وصابرت واستكملت قراءته فستحصل على بعض الفائدة أولها فى رأيى أن أمريكا ـ هذه ـ ذات الهيل والهيلمان تقف عاجزة أمام حفنة من رجال الشيعة اللبنانية لا تستطيع اختراقهم أو ابتزازهم أو التأثير عليهم لتحرير رهائنهم .
بنفس القدر نجد أن رجال الخومينى الذين وصفهم مايسترو الأحداث مستر ماكفرين فى رسالة شفرية له من طهران أثناء زيارته
قائلا ((حاول أن تتصور أن هجوما ذريا قد حدث فأدى الى فناء كامل والى أن يتولى من تبقى على قيد الحياة السلطة فأصبح ترزيا نائبا للرئيس وشابا حديث التخرج وزيرا .. وكاتب أرشيف مسئولا عن تنظيم العلاقات الخارجية ..... هكذا هم فى إيران)).
ومع ذلك استطاعوا هؤلاء أن يلعبوا بكل المؤسسة الأمريكية العملاقة يبتزونها ويأخذون منها ما يريدون دون أن يقدموا شيئا فى المقابل .
بعد مرور 35 سنة ..الفترة من 1986 .. حتي اليوم 2021.. هل تغير الموقف .
شيعة لبنان بنفس القوة و التأثير .وامريكا لازالت محتاسة مع بتوع إيران يتلاعبون بكل الرؤساء ..
و إسرائيل ..تعبر عن عداء صريح للشيعة اللبنانية و الإيرانية و السورية ..و تخشاهم ..
و السعودية و الخليج .. يحاولون أن يجدوا حائط صد مناسب لما يتوقعونه من عدوان إيراني .. بالإلتجاء لمصر تارة و أمريكا تارة .. و الأن لإسرائيل ..
و في ام الدنيا .. تبني وتعلي الأبراج و ناطحات السحاب ..و باقي الإنجازات .. لتصبح قد الدنيا ....و لا علي بالهم أن بالشرق أعداء يحاصروننا و يحاولون كسرنا .. و بالجنوب مخاطر علي النيل قائمة وخطرة .. و بالغرب جماعات إسلامية تقودها تركيا .. و تحيا مصر ثلاث مرات . .
.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول