م 2 / ف 10 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 832

أحمد صبحى منصور
2021 / 4 / 29

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 832
شهر ربيع الآخر، أوله الجمعة :
ارتفاع الأسعار بسبب الاحتكار
1 ـ ( أهل وقد ارتفع سعر القمح من أربعمائة درهم الأردب إلى أربعمائة وخمسين والشعير من مائة وثمانين درهماً الأردب إلى ثلاثمائة. والفول بنحو ذلك، وأبيعت البطة من الدقيق بمائة وأربعين درهماً، هذا والبهائم مرتبطة على البرسيم الأخضر. ومن العادة انحطاط أسعار الغلال في مثل هذا الوقت، غير أن الاحتكار على الغلال متزايد، والطمع في غلاء أثمانها كثير. ). المقريزى ينقل الخبر عن الارتفاع غير المبرر للأسعار ، ثم يوجز السبب : ( ومن العادة انحطاط أسعار الغلال في مثل هذا الوقت، غير أن الاحتكار على الغلال متزايد، والطمع في غلاء أثمانها كثير). ومفهوم أن المُحتكر هو السلطان ، وهو السبب في الغلاء .
2 ـ وتزايد الغلاء في نفس الشهر: ( ربيع الآخر ) ، يقول المقريزى : ( وفيه ارتفع القمح إلى خمسمائة درهم الأردب، وأبيع الأرز بألف درهم الأردب، بعد خمسمائة. )
3 ـ هبوط السعر :( وفي هذه الأيام: انحل سعر الغلال وانحط القمح عن خمسمائة درهم الأردب،)
فوضى العُملة
( وفي ثامنه: نودي أن تكون الفلوس بثمانية عشر درهماً الرطل، وقد كان الناس تضرروا من قلة وجود الفلوس، فإن التجار أكثرت من حملها إلى بلاد الهند وغيرها لرخصها بالنسبة إلى سعر النحاس الأحمر الذي لم يضرب . ).
نزهة السلطان
1 ـ ( وفي يوم السبت سادس عشره: وكب السلطان بثياب جلوسه ونزل من قلعة الجبل إلى بيت القاضي زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، فأقام عنده قليلا، وعاد إلى القلعة، فحمل إليه عبد الباسط من الغد ألفي دينار، وخيلاً وبغالاً . )
تعليق
قلنا إن القاضي عبد الباسط ( ناظر الجيش ) كان الأقل فسادا بين أكابر المجرمين ، ومن متابعة أخباره نفهم أن السلطان برسباى كان يثق فيه ، ولكن ليس الى درجة كافية ، بدليل أنه يقوم بمصادرته بكثير من اللُّطف ، يزوره في بيته ، ويفهم القاضي المحترم الهدف من الزيارة فيرسل ب ( الهدايا ) للسلطان الجشع الذى لا يشبع . القاضي المحترم لم يرث أمواله عن أبيه ، وإنما هي ــ كالعادة ــ من السرقات ، وهو يعطى جزءا منها للسلطان على شكل ( هدايا ) .
2 ـ ( وفي هذا الشهر: تكرر ركوب السلطان مراراً )
جشع إبن حجر قاضى القضاة ( أمير المؤمنين في الحديث )
( وفي سادس عشرينه: تقدم أمر قاضي القضاة شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر إلى الشهود الجالسين بالحوانيت للتكسب بتحمل الشهادات بين الناس أن لا يكتبوا صداق امرأة إلا بأحد النقدين، الدراهم الفضة أو الدنانير الذهب. وأدركناهم يكتبون الصداقات من الذهب والفضة التي هي الدراهم النقرة. فلما راجت الفلوس رسم قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني- رحمه الله تعالى- في سنة ست وثمانمائة أن لا تكتب صداقات النساء، وأجاير الدور، وسجلات الأراضي، وعهد الرقيق من العبيد والإماء، ومساطير الديون، إلا من الفلوس الجدد معاملة القاهرة، فاستمر ذلك إلى الآن. ).
تعليق
قاضى القضاة الشافعى هو كبير قضاة القضاة . قاضى القضاة الشافعى السابق ( جلال الدين البلقينى ) أباح عام 806 ( وكان عاما من الشدائد ) أن يدفع الناس رسوما بالفلوس ، ( النحاسية ، غير الفضية والذهبية ) . وكانت العادة وجود حوانيت ( دكاكين ) للشهود الذين يقومون رسميا بتسجيل العقود مقابل رسوم مالية ( مثل ختم النسر الآن والشهر العقارى ). في هذا الشهر من هذا العام 832 أمر ابن حجر أن يدفع الناس بالذهب أو الفضة دون مراعاة لأحوال الضّنك التي يعيشها الناس.
عودة إحتكار السُّكر
( وفي هذا الشهر: أعيد الحجر على السكر، ورسم أن لا يشتريه أحد ولا يبيعه إلا السلطان، ثم بطل ذلك . )
2 ـ ( وفي هذا الشهر: كشف عن أمر الديوان المفرد واعتبر متحصله في السنة ومصروفه، فإذا هو يعجز مبلغ ستين ألف دينار عن جميع ما يرد إليه من خراج النواحي، والحمامات، والمستأجرات، ورماية البضائع، وغرامات البلاد، فعين له مبلغ ثلاثين ألف دينار برسم المتجر السلطاني وأول ما بدأ به من ذلك تحكير صنف السكر، فلا يدولب زراعة القصب واعتصاره وعمل القند سكر ثم بيع السكر إلا السلطان، وأن توزع الثلاثين ألف الأخرى على الكشاف والولاة، ثم أهمل ولم يتم، ولله الحمد.).
تعليق
بسبب السرقة حدث عجز في الديوان المفرد . وكان الحل باحتكار السكر والغرامات وأنواع من الجباية وأن يقوم الكُشّاف ( حكام البلاد ) بسلب الفلاحين لعلاج العجز في خزينة السلطان الشخصية ( الديوان المفرد ). ولم يتمّ الأمر. والمقريزى يعبّر عن فرحته بقوله : ( ولم يتم، ولله الحمد.). ولكن المهم إن هذا معروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!
هدم بيت أوقاف قديم وبيع أنقاضه
( وفي هذا الشهر: هدم علو بيت الأمير منجك بخط رأس سويقة منعم، قريباً من مدرسة السلطان حسن، وأبيعت أنقاضه لرجل بألفي دينار، فباعها هو في الناس، وكان من جملة أوقاف صهريج منجك، وسبب هدمه أن الأمراء كانت تسكنه، ولا تعطي له أجره، فإذا تهدم فيه موضع ألزموا مباشري الوقف بعمارته، ورأى الناس أن هذا فأل رديء فإنه قيل وقع الخراب في بيوت الأمراء . ).
تحريم ركوب الخيل على المدنيين
( وفي هذا الشهر: ألزم دلالو الخيل أن لا يبيعوا فرساً لمتعمم ولا لجندي من أولاد الناس، ثم بطل ذلك . ) . ( المتعمم ) يعنى الفقهاء من القضاة والعاملين في الوظائف الدينية ( مشيخة الخوانق والمساجد ..الخ ). ( أولاد الناس ) هم ذرية المماليك الذين ولدوا أحرارا لم يمسّهم الرق . وكونهم مولودين أحرارا لم يسمهم الرقُّ جعلهم أقل درجة من المماليك الذين يؤتى بهم رقيقا . وكان بعض ( أولاد الناس ) يحترف الجندية ، ونبغ منهم مؤرخون مثل أبى المحاسن ابن تغرى بردى وابن إياس .
مصادرة الخيول بحجة الوباء
( وفي يوم السبت سلخه: كثر الإرجاف بأخذ خيول الناس من مرابطها على البرسيم بالنواحي، فسارع كل أحد إلى أخذ خيله، وقودها من الربيع إلى الاصطبلات فمنهم من نجا بها ومنهم من عوجل، فأخذت خيله وسلمت إلى أمير أخور، وسبب ذلك أن الخيول شنع هلاكها، فنفق للسلطان ومماليكه نحو الألفي فرس، ثم وقف جماعة للسلطان فأفرج لهم عن خيولهم فأخذوها . ). انتهز برسباى فرصة وباء لحق بالخيول فقام بمصادرتها .
صراع أكابر المجرمين
( وفرقت الجمال على الأمراء برسم التجريدة إلى بلاد الشام وحلب). كانت هناك قلاقل وفتن في شرق الدولة المملوكية مع الدول التركمانية المؤقتة التي ظهرت وكانت متاخمة للدولة المملوكية. وهذه مقدمة لمذبحة الرها التي ستأتى لاحقا .
( وفي سادس عشرينه: قدم الطواشي فيروز الساقي من المدينة النبوية باستدعاء،فأعيد على ما كان عليه من الخدمة.). جىء به وأُعيد ساقيا للسلطان. .
صراع أكابر المجرمين من ( المماليك والصليبيين )
خائن من ( دار السلام ) يتطوع لمساعدة الفرنجة في ( دار الحرب )
( وفيه عثر على بعض تجار العجم المنتمين إلى الإسلام وقد توجه من عند الحطي ملك الحبشة إلى الفرنج يحثهم على القيام معه لإزالة دين الإسلام وأهله، وإقامة الملة العيسوية، فإنه قد عزم على أن يسير من بلاد الحبشة في البر بعساكره، فتلاقوه بجموعكم في البحر إلى سواحل بلاد المسلمين، فسلك هذا التاجر الفاجر في مسيره من الحبشة البرية حتى صار من وراء الواحات إلى وراء المغرب، وركب منها البحر إلى بلاد الفرنج، ودعاهم للثورة مع الحطي على إزالة ملة الإسلام وأهلها، واستعمل بتلك البلاد عدة ثياب مذهبة باسم الحطي، ورقمها بالصلبان، فإنه شعارهم، وقدم من بلاد الفرنج في البحر إلى الإسكندرية ومعه الثياب المذكورة وراهبان من رهبان الحبشة، فنم عليه بعض عبيده، فأحيط بمركبه، وحمل هو والراهبان وجميع ما معه إلى السلطان. ).
تعليق :
1 ـ كان حُلم الصليبيين في الوصول الى ملك الحبشة ( الحطى ) للتحالف معه ضد المماليك أكبر قوة . تطوّع تاجر إيرانى ( يبدو أنه شيعى ) بالذهاب الى ملك الحبشة وعمل مبعوثا من عنده الى الصليبيين في شبه جزيرة ايبيريا ( اسبانيا والبرتغال ) لكى يتعاون الفريقان في حرب الدولة المملوكية صاحبة السيطرة على الحجاز. وصل هذا التاجر العجمى الى الصليبيين ، وجاء الى الإسكندرية ، وأفشى سرّه بعض عبيده ، فقبض عليه المماليك .
2 ـ المقريزى الذى يرى في برسباى سلطان الإسلام يعبر عن كراهيته لهذا الفارسى الخائن بقوله :( وفيه عثر على بعض تجار العجم المنتمين إلى الإسلام ) ( فسلك هذا التاجر الفاجر في مسيره من الحبشة البرية حتى.. ) . وفق ثقافة عصره نرى المقريزى مؤمنا بتقسيم العالم الى ( دار السلام والإسلام ودار الحرب ) يظهر هذا في قوله ( وقد توجه من عند الحطي ملك الحبشة إلى الفرنج يحثهم على القيام معه لإزالة دين الإسلام وأهله، وإقامة الملة العيسوية، فإنه قد عزم على أن يسير من بلاد الحبشة في البر بعساكره، فتلاقوه بجموعكم في البحر إلى سواحل بلاد المسلمين..).. لم يفهم المقريزى إنه صراع بين أكابر المجرمين المحمديين وأكابر المجرمين المسيحيين الصليبيين وإن كان يحمل لافتة الدين.
شهر جمادى الأولى، أوله الأحد:
من أجل المكوس ( الجمارك )
( في ثامنه: برز ركب يريد المسير إلى مكة المشرفة، صحبة سعد الدين إبراهيم بن المرة ناظر جدة، فيه جماعة كبيرة . )
محاكمة الخائن الايرانى
( وفي رابع عشرينه: استدعى قضاة القضاة للنظر في أمر نور الدين علي بن الخواجا، التاجر التوريزي المتوجه برسالة الحطي ملك الحبشة إلى الفرنج، فاجتمعوا بين يدي السلطان، وندب قاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي للكشف عن أمره، وإمضاء حكم الله فيه فنقله من سجن السلطان إلى سجنه، فقامت عليه بينة بما أوجب عنده إراقة دمه، فشهر في يوم الأربعاء خامس عشرينه على جمل بمصر وبولاق، ونودي عليه هذا جزاء من يجلب السلاح إلى بلاد العدو ويلعب بالدينين. ثم أقعد تحت شباك المدرسة الصالحية بين القصرين، وضربت عنقه. وكان يوماً مشهوداً، نعوذ بالله من سوء العاقبة.).
تعليق :
1 ـ عرف المقريزى إسم هذا الخائن ، ولم يكن يعرفه من قبل إذ ذكر وصفه في أخبار الشهر الماضى:( وفيه عثر على بعض تجار العجم المنتمين إلى الإسلام ).. وقد اعتبرها برسباى قضية شرعية ، أوكل الحكم عليه لقضاة القضاء ، وأُحيلت الى قاضى القضاة المالكى ، وأُحيل المتهم من سجن القلعة العسكرى الخاص بالجرائم السياسية الى السجن المدنى التابع للقاضي المالكى . وحكم القاضي المالكى بإعدامه ، وبعد ( تجريسه) و( تشهيره ) في الشوارع، كان قطع رأسه علنا وسط جمهور غفير. المقريزى يعلق : ( نعوذ بالله من سوء العاقبة.)..!
سلب الفلاحين
( وفي هذا الشهر: سار الأمير زين الدين عبد القادر بن أبي الفرج أستادار، إلى النواحي، ففرض على كل بلد مالاً سماه الضيافة، ليستعين بذلك على عجز الديوان المفرد لنفقة المماليك السلطانية فجبي مالاً كثيراً، فإنه كان يأخذ من البلد مائة دينار، ويأخذ من أخرى دون ذلك، على حسب ما يراه، فاختل حال الفلاحين خللاً يظهر أثره فيما بعد، والله المستعان . ) .
تعليق
هذا الاستادار يتجوّل في الريف يسلب وينهب للسلطان ليعالج النقص في خزينة السلطان . الاستادار يتفنّن في السلب والنهب فيخترع ضريبة على كل بلد سمّاها ( الضيافة )، وهو صاحب الحق في تحديدها ، واسرف في جبايتها الى درجة قول المقريزى ( فاختل حال الفلاحين خللاً يظهر أثره فيما بعد، والله المستعان . ) . نتذكر أن هذا الاستادار قد عزله برسباى وسجنه وضربه ثم أعاده للخدمة . وهو الآن يقوم بمهمته للسلطان ، وهذا السلطان عند المقريزى هو ( سلطان الإسلام ).ّ ولكن المهم إن هذا معروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي