إسرائيل وموقفها من الانتخابات الفلسطينية 3

نهاد ابو غوش
2021 / 4 / 29

نهاد أبو غوش
رصد آفي يسسخاروف في مقاله بجريدة معريف بتاريخ 20/2/2021 تنامي القلق الإسرائيلي من الانتخابات الفلسطينية على اثر تقدم الفلسطينيين خطوة تلو الأخرى نحو إجراء الانتخابات، فيقول أن سيناريو إجراء الانتخابات كان خياليا قبل أسابيع، لكن الفلسطينيين يواصلون التغلب على العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات ويركضون في اتجاهها بسرعة، وهو يرى أن مصلحة إسرائيل تتمثل في استمرار الانقسام الفلسطيني لأن ذلك يبعد خيار الدولة الفلسطينية ويجعل خيار حل الدولتين ضربا من الخيال. وسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن أعلن عن هذا الرأي بصراحة خلال حديث مغلق أثناء اجتماع داخلي لحزب الليكود، فقد نشرت جريدة جيروساليم بوست في عددها ليوم 12 آذار 2019، حديثا منقولا عن نتنياهو دافع فيه عن قرار حكومته السماح بنقل الأموال القطرية لحركة حماس، قائلا أن هذا جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية لإبقاء الانقسام الفلسطيني.
تصريحات نتنياهو توضح من دون مواربة سبب تسهيل وصول الأموال لحركة حماس في قطاع غزة، مقابل التخوفات الكبيرة من تعزيز قوة هذه الحركة في الضفة وما رافق ذلك من حملات تهديد واعتقالات لناشطيها، ويمكن الاستنتاج من هذه المعادلة المتشابكة، حقيقة بسيطة تكمن في أنها ليست حماس ولا فتح ولا أي طرف فلسطيني آخر حليف لإسرائيل، إنما الانقسام هو الحليف الذي تسعى إسرائيل لتعزيزه وإدامته بشتى السبل. وطالما أن الأطراف الفلسطينية المختلفة تعلن في كل مناسبة، وكما ورد في قرارات جولتي اجتماعات الحوار الوطني في القاهرة، وما سبقها من لقاءات في استانبول وعواصم أخرى، أن إنهاء الانقسام هو الهدف الرئيسي لهذه الجهود، وأن انتخابات المجلس التشريعي، ومن بعدها انتخابات الرئاسة والمجلس الوطني، ستمثل مدخلا لإنهاء الانقسام، تمهيدا لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإعادة بناء الشراكة الوطنية بين جميع الأطراف، فمن الطبيعي أن تعارض إسرائيل هذه الانتخابات وتسعى لتعطيلها سواء من خلال تحكمها بالانتخابات في القدس، او من خلال الضغوط على السلطة و"نصحها" بإلغاء الانتخابات، وصولا إلى تهديد المرشحين والحركات السياسية المختلفة وتهديد السلطة ومؤسساتها بفرض عقوبات شاملة في حال فوز حماس أو مشاركتها في حكومة وحدة وطنية.
تشير كثير من إعلانات وتصريحات القوى الفلسطينية على اختلاف توجهاتها، إلى أهمية الانتخابات في تجديد الشرعيات وفي تجديد دماء المؤسسات السياسية الفلسطينية، ولعل ذلك بالضبط هو ما لا تريده إسرائيل، التي يهمها أن تظل السلطة الفلسطينية ضعيفة ومفككة، ومنشغلة بذاتها وبمشاكلها مع خصومها الفلسطينيين، ومعتمدة على إسرائيل في تأمين أمنها واحتياجاتهاـ
وسبق للحكومة الإسرائيلية أن حاربت على امتداد السنوات السابقة، أية جهود لإنجاز المصالحة الفلسطينية، ووجهت تحذيرات مشددة للرئيس عباس بأن عليه أن يختار بين حماس والسلام، كما حصل حين حاربت تشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله والتي اعتبرت عند تشكيلها بمثابة حكومة "توافق وطني" لأنها تمخضت عن اتفاق المصالحة المعروف باتفاق الشاطىء والذي وقع في نيسان 2014. ويوثق تقرير مركز مدار الاستراتيجي للعام 2015 هذا الموقف فيورد نصا من بيان صادر عن الحكومة الإسرائيلية التي حاولت مسبقا قطع الطريق على تشكيل مثل هذه الحكومة، واعتبرت أنها ستكون في نظرها "مسؤولة عن أي هجوم ينفذ من الضفة الغربية أو من قطاع غزة"، وقد قررت إسرائيل في ذلك الوقت تقليص علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، ويورد التقرير نفسه ما يقوله نتنياهو عن الرئيس الفلسطيني بأنه "ما زال يرفض السلام ويضع يده بيد الإرهاب ويواصل التحريض على إسرائيل".
أية سلطة تريدها إسرائيل؟
ومع ان العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل تشهد كثيرا من حالات المد والجزر، والتي يتبعها في العادة إجراءات إسرائيلية انتقامية من قبيل احتجاز اموال المقاصة أو خصم جزء منها، يرصد تقرير مدار للعام 2017 أن ثمة إجماعا إسرائيليا بين السياسيين الإسرائيليين على اختلاف توجهاتهم على أهمية المحافظة على التنسيق الأمني كمكسب استراتيجي لإسرائيل، ويلحظ التقرير أن ثمة توافقا على عدم المبالغة في انتقاد السلطة والعمل للحيلولة دون انهيار السلطة لأن البديل لعدم وجود سلطة كارثي لإسرائيل، مع التمييز بين المواقف السياسية الشعبوية التي تريد كسب نقاط من خلال التحريض على كل ما هو فلسطيني، وبين مواقف الدوائر المهنية وتحديدا الأجهزة الأمنية التي تشدد دائما على أهمية المحافظة على العلاقات مع السلطة وخاصة في الجانب الأمني.
ويلخص تقرير مدار الاستراتيجي للعام 2020 الذي أعده مهند مصطفى ركائز السياسة الإسرايلية تجاه الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية ومن ضمنها مواصلة الضغط على السلطة الفلسطينية، ومحاولة تقزيم دورها السياسي والمجتمعي في الضفة الغربية، بما يتلاءم مع الدور الذي تريده لها إسرائيل في هذه المرحلة، والمتمثل في ثلاث مسائل مركزية فقط هي التنسيق الأمني، وتقديم الخدمات الأمنية للسكان الفلسطينيين، واستمرار التعاون الاقتصادي بما يخدم احتياجات السوق الإسرائيلي. وتلعب هذه المسائل دورها في تمكين إسرائيل من إدارة الاحتلال بأقل الخسائر الأمنية بعد أن نجحت في إزالة الأعباء السياسية للاحتلال عن كاهلها في السنوات الأخيرة جراء تراجع مكانة القضية الفلسطينية إقليميا وعالميا.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول