قصة الولايات المتحدة (28) – توازن الرعب النووي

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 29

توازن الرعب النووي

انفجرت القنبلة بضياء يخطف الأبصار، أخضر وأبيض. في مركز الانفجار، كرة من الجحيم، تتمدد رأسيا إلى عمود من اللهب. في شكل فطر عيش الغراب الضخم، أعلاه سحابة سامة تغلي، وهي تتصاعد إلى السماء.

إنه يوم من أيام نوفمبر 1952. العلماء الأمريكان نجحوا في تجربة سلاحهم الجديد. لقد قاموا بتفجير جزيرة كاملة غير مأهولة بالسكان من جزر المحيط الهادي. إنها أول أو قنبلة هيدروجينية أمريكية.

القنبلة الهيدروجينية، قوتها التدميرية أضعاف مضاعفة لقوة القنبلة الذرية، التي ألقيت على هيروشيما. قنبلة هيدروجينية واحدة، تعادل خمس أضعاف قوة كل القنابل التي ألقيت في خمس سنوات الحرب العالمية الثانية.

بحلول عام 1953، توصل الروس أيضا لصناعة القنبلة الهيدروجينية. وفي عام 1957، توصل البريطانيون أيضا. لكن الأمريكان والروس فقط، هما اللذان يمكنهما تحمل تكاليف الاستمرار في صنعها. امتلاك الأمريكان والروس للقنابل الهيدروجينية، غير تصرفاتهما وسلوكهما تجاه بعضهما البعض لسنوات قادمة.

في نوفمبر عام 1952، أصبح دوايت د. أيزنهاور رئيسا للولايات المتحدة. الرؤساء الأمريكيون يقومون بتعيين سكرتير دولة يتولى مسؤولية تعامل الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية (وزير خارجية). أعطى أيزنهاور هذه الوظيفة ل جون فوستر دالاس.

كان دالاس رجلا ذا قناعات قوية. يعتقد بصدق أن الشيوعية شر حقيقي من عمل الشيطان. ادعى دالاس أن ترومان، لم يكن قويا وجادا بما فيه الكفاية في تعامله مع الاتحاد السوفيتي. رأيه أن الولايات المتحدة عليها البدء في سياسة الخشونة والمواجهة. بدلا من مجرد محاولة احتواء الشيوعية بسياسة التذلل والتردد.

الولايات المتحدة من واجبها العمل على انقاذ الدول من الأنظمة الشيوعية. في إذاعة موجهة عام 1953، قال إن شعوب أوروبا الشرقية، عليها الوثوق بوقوف أمريكا إلى جانبهم.

في عام 1956، وضع شعب المجر وعد دالاس في موضع الاختبار. كانوا تحت السيطرة السوفيتية منذ عام 1946. وقاموا بالتمرد ضد الحكام الشيوعيين. عندما تقدمت الدبابات الروسية لكي تسحق المظاهرات، أرسلوا نداءات يائسة طالبين المساعدة.

لكن المساعدات لم تأت إليهم أبدا. آلاف اللاجئين فروا عبر الستار الحديدي إلى بر الأمان في النمسا. "لن نثق بعد اليوم في الغرب مرة أخرى."، قال أحدهم لمراسل أجنبي.

لقد فشل دالاس في مساعدة المجريين، لأنه كان يعلم أن ذلك يعني الحرب مع السوفييت. والحرب تعني الدمار الشامل وحرب نووية. وهو ثمن باهظ لمجرد مساعدة شعوب الدول الشيوعية خلف الستار الحديدي.

الطريقة التي تعامل بها دالاس مع الاتحاد السوفيتي في وقت لاحق في 1950s، أصبحت تعرف باسم "حافة الهاوية". هذا لأنه بدا مستعدا لأخذ الولايات المتحدة إلى حافة الحرب، لاحتوائها المد الشيوعي. دعم دالاس سياسة حافة الهاوية، بالتهديد ب "الانتقام الهائل". لقد حذر دالاس بأن الأمريكان سيقومون بالرد، إذا هوجمت الولايات المتحدة أو أي من حلفائها في أي مكان. لو استدعى الأمر، فالولايات المتحدة ستسقط قنابلها النووية على الاتحاد السوفيتي والصين.

بحلول منتصف 1950s، كان لدي الولايات المتحدة قاذفات قنابل نووية، على استعداد للقيام بذلك. كانت الطائرات الأمريكية العملاقة، في حالة تأهب واستعداد للإقلاع في أية لحظة، من مطارات في جميع أنحاء العالم.

معظم الأمريكان كانوا يدعمون سياسة دالاس الانتقامية العنيفة في البداية. لكن، في 4 أكتوبر 1957، أرسل الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء أول قمر صناعي في العالم، سبوتنيك. القمر الصناعي نفسه، لم يقلق الأمريكان. لكن الصاروخ الذي حمله إلى الفضاء هو الذي أقلقهم. صاروخ قوي استطاع القيام بذلك، يمكنه حمل قنبلة هيدروجينية إلى هدفها في أي مكان.

لذلك، بدأت الحكومة الأمريكية العمل بنشاط على تطوير صواريخها. سرعان ما كان لديها مجموعة كاملة من الصواريخ، قادرة على حمل قنابل نووية. أكبرها، الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

تم الاحتفاظ بهذه الصواريخ في حصون تحت الأرض في جميع أنحاء الولايات المتحدة. هي على استعداد دائما لحمل الرؤوس النووية القاتلة إلى أهداف بعيدة في الاتحاد السوفيتي. بولاريس، صاروخ نووي آخر، تحمله غواصات تعمل بالطاقة النووية، تبحر في أعماق المحيطات.

بحلول نهاية 1950s، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لديهما ما يكفي من الصواريخ النووية للقتل كل شخص على سطح الأرض. لذلك، ليس من المستغرب أن يتحدث الجميع عن "توازن الرعب". القادة السوفييت والأمريكان، كانوا يعلمون أنه لو حدثت حرب بينهما شاملة، فلن يكون هناك فائز أو مهزوم. سيقوم كل منهما بتدمير الآخر.

أدرك هذا نيكيتا خروتشوف، الرجل الذي أخذ مكان ستالين كزعيم للاتحاد السوفيتي. قال مرة، البلدان الرأسمالية والشيوعية، سوف يتفقوا حقا، "عندما يتعلم الجمبري كيف يغني" أو كما نقول نحن بالبلدي، "في المشمش". "لكن في عالم القنابل الهيدروجينية، يجب أن يحاولوا العيش في سلام جنبا إلى جنب."، وبدلا من الحرب الباردة وأخطارها، اقترح خروتشوف التعايش السلمي فيما بينهم.

رحب الرئيس أيزنهاور بحديث خروتشوف عن التعايش السلمي. ثم دعا الزعيم السوفيتي لزيارة الولايات المتحدة. بعد ذلك، وافق الرجلان على عقد اجتماع قمة في باريس لتسوية بعض الخلافات.

لم تبدأ قمة باريس أبدا. بينما كان الزعيمان في طريقهما إلى هناك، في مايو عام 1960، أسقط صاروخ روسي طائرة أمريكية فوق أراضي الاتحاد السوفيتي. الطائرة كانت طائرة تجسس من طراز U-2، مصممة خصيصا لالتقاط صور عسكرية من الفضاء.

اتهم خروتشوف ايزنهاور، وقال إنه يخطط للحرب في حين يتحدث عن السلام. ثم عاد غاضبا إلى الاتحاد السوفيتي. لقد بدا غاضبا، لكنه ربما كان سعيدا، لأنه قد بين أن الأمريكان منافقون. في قمة باريس، انتهى الاجتماع قبل أن يبدأ.

سباق الفضاء

قال الرئيس كينيدي في مايو 1961، "أنا أعتقد أن هذه الأمة، يجب أن تلتزم بتحقيق الهدف، وهو قبل انتهاء هذا العقد، هبوط رجل على سطح القمر، وإعادته سالما إلى الأرض. "

اقتراح كينيدي بإرسال الولايات المتحدة لرجل إلى القمر، رحب به بشغف السياسيون والشعب الأمريكي. وسرعان ما بدأ العمل على برنامج أبولو، وهو اسم المشروع.

كان برنامج أبولو خطوة أخرى في "سباق الفضاء" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. كانت تكاليف هذا السباق هائلة. لكن كان هناك سببان مهمان، يفسران استعداد كل من الأمريكيين والروس على تحمل هذه التكاليف.

أولا، كان هناك مسألة الهيبة الدولية وكسب احترام بقية شعوب العالم، من خلال تحقيق شيء يبين السبق الهائل العلمي والتقني.

ثانيا، شعر كل من الأمريكان والروس بأن السماح للجانب الآخر بالسبق العلمي في برامج الفضاء، من شأنه أن يعرض أمنهم للخطر. الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، يمكن أن تستخدم في التنصت والتقاط صور التجسس. الأكثر رعبا، هو استخدامها لحمل أسلحة نووية.

حتى منتصف 1960s، كل جانب كان يحاول اللحاق بإنجازات الجانب الآخر في سباق الفضاء. لكن الأمريكان بدأوا يتقدمون. أخيرا كانوا مستعدين لوضع أول إنسان على سطح القمر عن طريق برنامج أبولو 11.

انطلقت المركبة الفضائية أبولو 11 من قاعدة كيب كانافيرال على ساحل ولاية فلوريدا. تحمل طاقما مكونا من ثلاثة رجال: نيل ارمسترونج، إدوارد الدرين ومايكل كولنز. أول اثنين من شأنهما تجريب جزء المركبة التي ستنزل لكي تسير على سطح القمر. مهمة كولينز، هي الدوران حول القمر بالجزء الآخر من المركبة.

بدأ العد التنازلي النهائي قبل خمسة أيام من انطلاق الصاروخ الذي يحمل المركبة والرواد الثلاثة في 16 يوليو عام 1969. الصاروخ يقوم بحرق 4.5 طن وقود في الثانية. وزنه 5 آلاف طن، وبدأ يرتفع رويدا رويدا، وهو يزأر تاركا قاعدته كتلة ملتهبة من النيران.

بعد ذلك بخمسة أيام، ملايين من مشاهدي التليفزيون في كل أنحاء العالم، شاهدوا أرمسترونج والدرين يخطوان على سطح القمر. أمضى الرجلان ثلاث ساعات في جمع عينات من صخور القمر، وإعداد الأجهزة العلمية على سطحه، لكي ترسل المعلومات المطلوبة إلى الأرض بعد مغادرتهم.

ثم انضموا إلى كولنز في الوحدة التي تدور حول القمر ولم تهبط على سطحه. بعد ثلاثة أيام، هبطت كبسولتهم بأمان في مياه المحيط الهادي، وتم انتشالهم بطائرات الهيلوكوبتر إلى مكان الترحيب بالأبطال.

حائط برلين

بعد منتصف ليلة الأحد 13 أغسطس 1961، تحركت الشاحنات عبر الشوارع الصامتة في برلين الشرقية. على الحدود مع برلين الغربية، نزل الجنود من الشاحنات لكي يغلقوا الشوارع بالأسلاك الشائكة.

بحلول الصباح، كانوا قد أغلقوا جميع نقط العبور الثمانين إلى برلين الغربية، فيما عدا اثنا عشر نقطة. في غضون أيام، كان العمال يصبون أسوارا من الخرسانة المسلحة مكان الأسلاك الشائكة. هكذا ولد حائط برلين، لكي يفصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية.

لفهم لماذا تم بناء حائط برلين، يجب أن نعود إلى أواخر الأربعينات. منذ البداية، كانت ألمانيا الغربية على طريقها في الازدهار وتعويض ما فاتها خلال الحرب. مع قدوم عام 1961، كان شعبها أسعد حالا من شعوب أوروبية كثيرة.

ألمانيا الشرقية، كانت أقل حظا، وعمالها أقل دخلا وأقل حرية شخصية وقدرة على التعبير. لذلك حاولت الملايين الهرب إلى ألمانيا الغربية. أسهل طريقة، هي أخذ القطار من الشرق إلى الغرب، مع نية عدم العودة.

بحلول يوليو عام 1961، عدد الألمان الشرقيين الذين هربوا إلى ألمانيا الغربية، ارتفع إلى 10 ألف في الأسبوع. العديد منهم كانوا من العمال ذوي المهارات العالية: مهندسون وأطباء وعلماء. عرف حكام ألمانيا الشرقية أن بلدهم لا يمكن أن تزدهر أبدا بدون هؤلاء الناس. لذلك بنوا هذا الجدار ليتوقفوا نزيف الهرب من البلاد.

لم يكن الرئيس كينيدي مستعدا للمخاطرة بالحرب بهدم حائط برلين. لكنه نجح في إفهام الجميع أن الولايات المتحدة لن تسمح للشيوعيين بالاستيلاء على برلين الغربية. بعد ما يقرب من ثلاثين عاما، كانت برلين عبارة عن مدينتين. وظلت كذلك حتى عام 1989، عندما هدم سكانها أسفل الجدار كخطوة أولى نحو إعادة توحيد مدينتهم.

أزمة الصواريخ الكوبية، والحصار الأمريكي.

كوبا هي جزيرة على بعد تسعين ميلا فقط من ساحل الولايات المتحدة. في عام 1959، قامت الثورة وتولى الحكم فيها فيدل كاسترو. البنوك والسكك الحديدية في كوبا والعديد من الشركات والمصانع كانت مملوكة للأمريكان. وكذلك الكثير من مزارع السكر.

كاسترو كان بحاجة للمال لإجراء تغييرات في كوبا. للحصول عليه، بدأ في الاستيلاء على الشركات المملوكة لأمريكا. في رأي الولايات المتحدة، كان هذا بمثابة سرقة ممتلكات أمريكية.

ليس هذا فحسب، بل يبدو أن كاسترو أراد أن يقيم دولة شيوعية على عتبة باب الولايات المتحدة. في عام 1960، وافق الرئيس أيزنهاور على إمداد اللاجئين من كوبا بالأسلحة والسفن لكي يقوموا بالإطاحة بنظام كاسترو. عندما جاء كينيدي، دعم الخطة هو أيضا.

في 17 أبريل 1961، جاءت قوة من 1400 من الكوبيين المناهضين لكاسترو، وهبطوا في خليج الخنازير، الساحل الجنوبي لكوبا. هناك، كان كاسترو مستعدا بالدبابات و20 ألف مقاتل. في غضون أيام، تم القبض على جميع الغزاة، أو قتلهم.

لكن كاسترو كان يعتقد أن كينيدي سيعاود الهجوم مرة أخرى. لذلك، طلب من الاتحاد السوفيتي النجدة. استجاب خروتشوف وأرسل له سفينة محملة بالبنادق والدبابات والطائرات الحربية. مما أزعج كينيدي، وجعله يأمر بمراقبة ما يحدث في كوبا.

يوم الأحد 14 أكتوبر 1962، طائرة تجسس أمريكية، U-2، طارت فوق جزيرة كوبا والتقطت عدة صور فوتوغرافية. بينت هذه الصور، أن هناك قواعد إطلاق صواريخ تبنى على الجزيرة. منذ حادثة U-2 عام 1960، كانت تهديدات خروتشوف للولايات المتحدة، تزعج الرئيس كينيدي.

بالرغم من أن الأمريكان بالفعل كان لديهم صواريخ أبعد مدى من الروس، أمر كينيدي بإنتاج 1000 صاروخ إضافي. الصواريخ الجديدة قلبت "توازن الرعب" لصالح الولايات المتحدة. عندما طلب كاسترو المساعدة من خروتشوف، رآها فرصة لمعادلة توازن الرعب كما كان سابقا. عن طريق تهديد الولايات المتحدة من قواعد قريبة منها وعلى عتبة أبوابها.

صدم كينيدي بصور U-2. "هذا هو الأسبوع الذي من واجبي أن أكسب فيه راتبي"، قال متجهما. بعض المستشارين أرادوه أن يرسل طائرات لتدمير قواعد الصواريخ. كما أنه فكر في الجيش الأمريكي للاستيلاء على هذه القواعد.

لكن بدلا من ذلك، طلب من السفن والطائرات الأمريكية إقامة حصارا على كوبا. الهدف من الحصار، هو منع السفن السوفيتية من إمداد كوبا بالمزيد من معدات الصواريخ.

طلب كينيدي من خروتشوف، إزالة الصواريخ السوفيتية وتدمير قواعدها من جزيرة كوبا. ثم حذر من إطلاق أي صاروخ من كوبا، لأنه سيعامل كهجوم سوفيتي مباشر على الولايات المتحدة. ثم أمر بتوجيه 156 صاروخا طويل المدى، في وضع الاستعداد، إلى الاتحاد السوفيتي.

لمدة عشرة أيام مرعبة في أكتوبر 1962، ارتعش فيها العالم وكان على حافة الحرب النووية. الناس كانت تنتظر الأخبار بفارغ الصبر من أجهزة الراديو والتليفزيون. لكن خروتشوف أخيرا أمر بتدمير محطات إطلاق الصواريخ في كوبا، وإعادة الصواريخ إلى الاتحاد السوفيتي.

في المقابل، فك كينيدي الحصار، ووعد بترك كوبا وشأنها. أيضا وافق على إزالة الصواريخ الأمريكية التي تقع على حدود الاتحاد السوفيتي في تركيا. بذلك تكون قد انتهت أخطر أزمة في فترة الحرب الباردة.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي