المهاجر و البلاد الاصلية ( 3 )

خليل قانصوه
2021 / 4 / 28

أعتقد أن المهاجر يصطدم غالبا في تفكره بمسألة " التقليد " أو ما يسمى " بعقدة الخواجة " و هي الانعكاس الملموس لأثر العلاقة التي فرضها الخواجة ، أو المستعمر ، على الانسان الأصلي في مختلف الطبقات الإجتماعية ، إلى حد أن هذا الأخير جعل الخواجة مثله الأعلى في زينته و ضبط سلوكه ، فلم ينس العادات وأساليب العيش الملائمة و حسب و أنما فقد الثقة أيضا بقدرته على التفكير و على تقييم الامور والاعتماد على نفسه في البحث عن حلول للمشاكل التي تواجهه .
مجمل القول أن الإنسان الأصلي صار كائنا غريبا يستورد " الأدوات التنكرية " ماديا ،و ثقافيا بوجه خاص في كافة المجالات . و ما لا يستطيع استجلابه من بلاد الخواجة ، يسعى إلى الحصول عليه بأية و سيلة أخرى شرعية أو غير شرعية ، ضمنا التزوير و الغش و الاحتيال والسرقة و الجريمة .
لا شك في أن " عقدة الخواجة" تمثل أحيانا عاملا مشجعا على الهجرة إلى بلاد "الخواجة " و لكن المهاجر ما يلبث أن يلاحظ في هذه الحالة أن " الحفلات التنكرية " مسألة مثيرة للسخرية و عديمة الجدوى ، فيتخلى عنها و " يتنكر" بلباس البلاد الأصلية التقليدي .
أنتقل بعد هذه التوطئة إلى الكلام عن " المظاهر التنكرية " في ممارسة سلطة الحكم التي أدت من وجهة نظر إلى عقم الدولة " وفشلها " في البلاد الأصلية ، فكان ذلك العامل الأساس في الإكراه على الهجرة . اللافت للإنتباه أن مداورة " هرج ومرج" أهل السلطة في الذهن توصلك إلى ملاحظة المغالاة المدهشة في استخدام طرائق الحكم المنقولة عن الخواجات ، مقارنة بما كان معروفا في سنوات 1950 ـ 1960 ، أي في فترة صعود المشروع الوطني التحرري على قاعدة التضاد الكامل مع الإستعمار والقطيعة الدائمة معه . يضطر الناس في ظروف معينة إلى طي صفحة الإستعمار في بلادهم بعد رحيله و لكن من غير المنطق أن يقيموا صلحا معه طالما هو إستعمار يتحمل مسؤولية الأحداث التي تسبب بها في البلاد أثناء استعماره لها .
و الرأي عندي أن من أبرز المظاهر التنكرية التي يتقمصها أهل السلطة في البلاد الأصلية هي الديمقراطية التمثيلية التي يجسدها مجلس النواب . من المعروف في هذا الصدد أن هذه السلطة تمتلك بحسب الدساتير و الإتفاقيات التي تضع الولايات المتحدة الاميركية خطوطها العريضة ، جميع الأساليب و الوسائل التي تمكنها من تجديد نفسها عن طريق صناديق الإقتراع . المفارقة هي في أن عملية التجديد لا تتضمن نقاشات حول برامج إنمائية و سياسية ، أضف إلى أنها لا تسفر عادة ، بشكل واضح عن تمايز سياسي أو عقائدي بين النواب ، كما لو أن الغاية منها في الواقع هي تضييع المسؤولية و الصاقها بالمجلس النيابي ، بما هو صاحب سلطة الظل الفعلية ، او الملاءة الديمقراطية التي يتستر بها صناع السياسات و الصفقات والمشاريع المشبوهة.
من نافلة القول ان مفهومية النظام البرلماني حيث لا توجد ديمقراطية ، غامضة جدا ، و من المعلوم أيضا أن دساتير و اتفاقيات الولايات المتحدة التي تعهد إلى المجلس النيابي بمهام السلطتين التشريعية و التنفيذية توقع البلاد في الفوضى غير الخلاقة !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية