كولن ولسون (1931 - 2013)

غازي الصوراني
2021 / 4 / 28


فيلسوف انجليزي، ولد لعائلة فقيرة من الطبقة العاملة، تأخر في دخول المدرسة، وتركها مبكرا في سن السادسة عشر ليساعد والده، عَمِلَ في وظائف مختلفة، ساعده بعضها على القراءة في وقت الفراغ.

"نشر مؤلفه الأول (اللامنتمي) 1956 وهو في سن الخامسة والعشرين، وقدكتب ولسون كتابه هذا في المتحف البريطاني كمكان هادئ للكتابة لجأ اليه بسبب فقره، ثم كتب "سقوط الحضارة" و "رواية الشك" و"ما بعد اللامنتمي" و "طقوس في الظلام" و"طفيليات العقل" و"إله المتاهة" و "المعقول واللا معقول" وغير ذلك.

تناول ولسون في كتابه "اللامنتمي" عزلة المبدعين(من شعراء وفلاسفة) عن مجتمعهم وعن اقرانهم وتساؤلاتهم الدائمة، وعزا ذلك إلى الرغبة العميقة في ايجاد دين موضوعي وواضح يمكن له ان ينتقل إلى الاخرين، دون أن يقضوا حياتهم في البحث عنه.

" كتاب اللامنتمي يعالج بشكل عام قضية الوجود الانساني وقيمته من خلال دراسة سيكولوجية، وفكرية، لعزلة المبدعين عموماً، والانسان اللامنتمي خصوصاً، فاللامنتمي هو الانسان غير المنتمي لحزب أو لأيديولوجيا أو أي تجمع سياسي أو ديني أو طبقي ... إلخ.

يقول ناشر الكتاب: ان مشكلة اللامنتمي هي في جوهرها مشكلة الحرية في معناها الروحي العميق، واللامنتمي، يبحث عن الحرية، وينشدها، من أجل الحصول على السعادة، لكنه يتعثر في طريقه في عالَم يساومه على كل شيء، ويطلب منه مقابلاً عن ما يعطيه من سعادة، فهو أكثر حساسية من أي إنسان آخر، حيث سَلَبَتْ منه الطبيعة قدرته على الشعور بشيء ما ، ومنحته قيمة الشعور بعدم قبول الواقع كما هو، ويشعر بالحاجة إلى تعويض ما لكي يجد طريقة بنفسه، إنه يرى العالم معقولاً ولا يراه منظماً ، وحين يواجه هذا اللا منتمي البورجوازيين يواجههم بألفاظ بذيئة، ليس لأنه يشعر بالرغبة بعدم الاحترام، ولكن لأنه يشعر بالكآبة وبضرورة قول الحقيقة، حتى لو لم يكن هناك أي أمل، فهو انسان يسعى في طلب الانتماء والانخراط في العالم المحيط بصورة طبيعية، ولكنه يتراجع حينما يرى أنه قد لا يُسمح له ان يُثْبِتْ ذاته في موضع يُمَكِّنه من تأدية دور خارج عن الرتابة وهو الدور الذي يتقنه اللامنتمي"([1]).

وعلى هذا الأساس "يعيش اللامنتمي إرادة حائرة بين ما يريده وبين واقع الناس من حوله، مما يقوده إلى الانسلاخ أكثر بسبب شعوره بالغربة التي تدفعه إلى مزيد من المعرفة لمواجهة الايديولوجيات والتطورات الهائلة المرتبطة بمظاهر الاستغلال وغياب السعادة وفقدان الانتماء للايديولوجيا والدين والامة وكل الشعارات الديماغوجية التي هي موضع ازدراء اللامنتمي أو المثقف المغترب، وهذا هو الألم الحقيقي الذي يشعر به عبر هذه الدوامه المجتمعية التي تخلق حالة الاغتراب والتميز لدى اللامنتمي أو المثقف عن عامة الناس الذين يمكن ان يتهموه بالجنون أو الغربة، وبالتالي اللامنتمي كما يقول ولسون هو نبي مستتر حتى عن ذاته، والحقيقة انه كلما ازداد وعي الانسان معرفياً فوق المنسوب السائد في مجتمعه يصبح في حالة من الاغتراب والقلق واللا انتماء، وهذا هو سبب غربة المثقف أو المبدع.

فالعلة الوجودوية عند الانسان المعاصر، لم تعد محصورة كما كانت في القرون السابقة، بهموم التساؤل عن ما قبل الحياة أو ما بعدها، هذه الاسئلة العينية جعلت المفكرين يتمردون عن الشعور بانعدام قيمة الحياة والتمرد عليها، كما هو الحال مع نيتشه وكافكا وسارتر وفان كوخ.. إلخ ، كما نراها في بعض الروايات.

أما القرن العشرين أو العصر الحديث، فقد اتسم بانكشاف الغطاء عن وجودنا الضعيف في عالم متسارع احتلت فيه التكنولوجيا والصراعات وانقسام العالم إلى معسكرين.. إلخ، كل هذه الاحداث أدت إلى خلق انسان تابع لكل هذه الأوضاع، ومسلوب الحرية في هذا الوجود، فالحرية كما يراها ويلسون، هي الارادة –كما يقول يوسف حسين- "التي تحفز الفرد على تحقيق ذاته، وعلى الفهم الانساني الحضاري، وليست الحرية ان يفعل الانسان ما لا يريده أو ما لا رأي له فيه، بتأثير الانتماء الطبقي الذي فرضته الايديولوجيات والاديان وبقية مظاهر العالم التكنولوجي والطبقي الرأسمالي في القرن العشرين، فلا يوجد في هذا العالم سوى حرية مزيفة، وبالتالي فإن الحرية المطلوبة هي الحرية التي لا تضع اية قيود على الانسان عموماً والانسان اللا منتمي المبدع والمثقف خصوصاً، وذلك لإلغاء أي شعور بالاضطهاد أو الاغتراب أو المعاناه ، بما يوفر لهذا الانسان الخروج من القطيع نحو ذاته وسعادته والتخلص من لا انتمائه لحساب ذاته المتحررة التي لا تندمج بالذات الجمعية او المجتمعية إلا بقراره الذاتي الحر".

نستخلص مما تقدم، ان اللامنتمي هو ذلك الانسان الذي فقد معاني السعادة في العالم الرأسمالي وتطور التكنولوجيا في القرن العشرين، وبالتالي شعوره بالتيه في هذا العالم أو البقاء وحيداً بسبب حساسيته الفائقة وقلقه الدائم، حيث يرى سعادة الآخرين سعادة مزيفة، مما يخلق لديه صراعاً بين الفردانيه والمجتمع، بين رغبته في الاندماج بالبشر وبين حاجته المستمره للعودة إلى ذاته للانفراد بها بعيداً عن هموم الناس"([2]).

حقق كتاب "اللامنتمي" "اصداء نقدية قوية، وجعل من الشاب الفقير كولن نجما في دوائر لندن الثقافية، وصارت أخباره الخاصة تتصدر اعمدة النميمة الصحفية، اثر ذلك على كولن كثيرا وصار يتخذ موقفا من الصحفيين والنقاد، الذين سرعان ما بادلوه نفس الموقف، وهاجموا كتابه على أساس انه "مزيف " وملئ بالنفاق. "رغم ذلك، لا يزال ينظر للكتاب على انه ساهم بشكل أساسي في نشر الفلسفة الوجودية على نطاق واسع في بريطانيا"([3]).

لكن كتابه الثاني (الدين والتمرد) 1957 قوبل بهجوم شديد من النقاد الذين كرروا وصفه بالمزيف والكذاب، كذلك ظل النقاد مع معظم كتبه التالية، لكن الرواج التجاري ظل ملازما لمعظم كتبه التي نالت هجوم النقاد أو لا مبالاتهم، لكن "ولسن" واصَلَ الإنتاج المعرفي دون اهتمام لهجوم النقاد، وقد تنوعت موضوعات كتبه بين الفلسفة، وعلم النفس الإجرامي، والرواية. في الفلسفة اكمل سلسلة اللامنتمي :عصر الهزيمة 1959، قوة الحلم 1961، اصول الدافع الجنسي 1963 ما بعد اللامنتمي 1965 في الرواية كتب عدة مؤلفات روائية منها : طقوس في الظلام 1960، ضياع في سوهو 1961، رجل بلا ظل 1963، القفص الزجاجي 1966، طفيليات العقل 1967 يربو عدد مؤلفات كولن ولسن الآن على المائة كتاب.و قد الفت عنه عدة مؤلفات نقدية.

أخيراً، أشير إلى أن كتب كولن ولسون لم تحقق انتشاراً واسعاً في أوساط المثقفين في بلداننا العربية، على الرغم من أنها لاقت اهتماماً وقبولاً من نخبة ضيقة جداً من المثقفين العرب.

من أقواله:

- الإنسان اللامنتمي : إنسان ينساق بتأثير قوى روحية قسرية إلى حيث يجد حريته والتي قد تفضي به إلى طريق يتناقض ومتطلبات مجتمعه .. تقوده إلى ضالته في الراحة ورضا من تبعه. - كولن ولسون.

- إنني موقن أن اللامنتمي إذا تعلم ليعرف نفسه وشد العزم ليسيطره على حياته بدلاً من أن ينجرف ورائها لانتهى رائداً في سلم الحضارة بدلاً من أن يكون رافضاً لها. - كولن ولسون

- نرى في الحياة السرية أن اللامنتمي منفصل عن الآخرين بذكائه الذي يحطم قيم الآخرين بلا رحمة، ويمنعه عن التعبير الذاتي (فرض نفسه) لعدم استطاعته استبدال تلك القيم بقيم جديدة، فمشكلته إذن هي مشكلة ايكليزياستس: لا شيء يستحق بذل أي مجهود. - كولن ولسون

- الضجر أو الفراغ يسمحان للعقل بان يمتلىء بطاقة غير مستخدمة فيتولد بذلك احساس مؤلم ويتم توليد حالة من الوعي المسرف والمفرط بالذات .. ويؤدي هذا الى النتيجة المعتادة بمنع الغرائز من القيام بعملها الهادىء الذي لا يعترضه عائق وتتجمد الاحاسيس وتصبح الرغبة في احاسيس قوية احتياجاً جارحاً مؤلما. - كولن ولسون

- الحرية مدمرة إن لم تصحبها المعرفة والشعور بالمسؤولية. - كولن ولسون






([1])يوسف حسين – محاضرة في اليوتيوب– الانترنت.

([2])المرجع نفسه

([3])موقع ويكيبيديا – الانترنت - https://ar.wikipedia.org

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول