ليست شوفونية .. و لا تبشير بدين مصرى.

محمد حسين يونس
2021 / 4 / 28

من حقك أن تؤمن بما تشاء أو حتي تخترع لنفسك تاريخا لا يوجد ما يدعمة إلا في مخيلة قومك ..و لكن عندما تتحدث عن الأخرين وتؤلف عنهم روايات..لا سند لها ..تجعل منك الأعلي ،الأفضل..و المنتصر فإن هذا يؤدى إلي طرح علامات إستفهام كثيرة حول تماسكك النفسي و العقلي.أو قدراتك المعرفية .
ومع ذلك فهذا شأنك .. حتي تصدق ما تحكي عنه .. و تبدأ في تلقين الأحفاد بإنتصارات أجدادك الوهمية و تتحدث عنها كما لو كانت حقائق مفروغ منها . .. هنا تصبح في حاجة لعلاج نفسي .
أما أن يصدقك احفاد من تدعي أنك إنتصرت عليهم ..و ينكسرون مرددين خلفك تهاويمك .. فلقد وقعت بذلك الواقعة التي يجب أن نتوقف عندها قليلا و نرفض ما تدعية .و ما يرددونه .. وونعود للوثائق الصحيحة .. التي تثبت العكس .
المشكلة إن
كل البشر علي وجه البسيطة .. يتعاملون .. اليوم ..بحب .. و إحترام .. وتسامح تجاه تاريخهم ..و اساطير الجدود .. وما يحتويه من حواديت .. و أعياد .. و أرباب ..و أبطال .. حقا لا يؤمنون بما أمن به الأجداد .. و لكنهم يعتبرونه جزءا لا يتجزأ من النسيج الثقافي و الحضارى الذى يعيشون في ظله .. يربط الماضي بالحاضر في تواصل إنساني .. يمنح الهوية و السمة لاصحابة ..ويجعلهم تمثلون الحكمة التي كانت للأجداد
إلا علي هذه الأرض
لم نر يوناني أو سويدى أو روماني أو هندى أو صيني معاصر يسخر من حواديت السالفين ..يتجاهلها أو يطالب بهدم معابد القدماء أو تشويه تماثيلهم ..أويحاسب (كسرى أو قيصر ) بمقاييس العصر عن ما إرتكب بالامس .. لكن نرى مصريا و سوريا و عراقيا و سعوديا .. ينفر من تاريخ أجدادة و يعادية و يتجاهلة ويراه كفرا ..ويدين( نمرود أو فرعون ) و يحاول نفي ما تبقي من صلات معه و تشوية أو إفناء ما تركوا من أثار و حواديت و أساطير و قيم و عقائد و إحتفالات . . وفي أحسن الأحوال يجعل من أوزيريس .. إدريس ..أو يدعي أن أرباب القدماء بالأمس كانوا رسلا سماوية .. و أنهم كانوا ..مؤمنين.. بما جاء بعدهم بالاف السنين
لا يوجد تاريخ أو ثقافة تم إغتيالها .. و نفيها و سرقتها و تسخيفها .. مثل ذلك الذى حدث للمصريين و الكنعانين و الفينيقيين و الأشورين و البابليين ..
وذلك بسبب إنهيار مجتمعاتهم قبل الميلاد بحوالي خمسمائة سنة .. و ضياع لغتهم المسموعة و المكتوبة ..ثم إضطهاد الغزاة لدياناتهم ..و أساطيرهم .. و حواديتهم .. و شعائرهم .
العيب ليس عيب القدماء .. و لكنه مأساة المعاصرين ( مسلمين و مسيحيين ) .. الذين بإمكانهم اليوم فك الطلسمات .. و قراءة ما سطره الأجداد .. و تعليم و تدريب الأبناء علي الفخر به و التعلم منه .. وإستكمال العمل لكشف المستور..
و لكنهم بدلا من هذا .. يزدرون .. و يدمرون و يسرقون الأثار ولولا أنها مطلوبه من الأغراب و تتسبب في جني الأموال لهم .. سواء بالبيع أوبتنشيط السياحة .. لما ترددوا في تدميرها و خسفها كما فعل المسيحيون المبكرون بمعابد أمون .. ورع ..في مصر ..و المسلمون الأوائل مع ديانات من سبقهم سواء في شبه الجزيرة العربية .
لا اريد أن أدخل في جدال ديني ..بين ما يؤمن به البعض.. عن علاقة أنبياء اللة إبراهيم و ذريته بالبابليين و المصريين و الكنعانيين ..أو مصداقية ما جاء بكتبهم المقدسة علي أساس أنه تاريخ ..
فهو أمر غير مجد.. كما لا أتخيل أن أخرين سيفهمون أن ما سأقتبسه من حواديت مصرية هو تبشير بدين القدماء .,
و لكن علينا أن نقرا.. و نفهم .. و نستوعب و نتمثل حواديتهم ليكون جزء من نسيجنا الثقافي .. فلا نرتكب جرائم .. من حولوا جثث الأجداد إلي مهرجان ( باراد ) مقزز أو يخططون لعمل زفة بلدى لنقل أثار توت عنخ أمون من مقرها الحالي للمتحف الجديد .. بهدف جذب السياح الذين لن يزدادوا بواحد لرؤيه هذا السفة في الإنفاق و هذا الإسفاف تجاه القدماء .
و هكذا سيكون حديثي اليوم عن قطره مما وصل إلينا موثقا .. و مترجما عن اللغات القديمة ..من حواديت و أساطير المصريين.. حفظتها لنا وثائقهم .. رغم التدمير المريع الذى حدث لها عبر جميع العصور .. و حتي يومنا هذا و سنكتشف دون عناء.. أنه قد تم إستخدامها دون خجل
1 - قصة الأخوين ((محفوظة بالمتحف البريطانى))
((يحكى أن بيتًا واحدًا يضم أخوين كبيرهما متزوج ويسمى "إنبو" وصغيرهما غير متزوج ويسمى "باتا"، وقد وصفت القصة "باتا" الصغير بآيات القوة والإخلاص والوفاء، وصورته مؤيدًا بقوة ربانية، وروت أنه عرف منطق الحيوان، ونسبت إليه المهارة المطلقة في شئون الزراعة والرعي. واعتاد "باتا" أن يخرج بماشية أخيه مع الفجر فيحرث أويحصد ويرعى قطيعه، ثم يعود في المساء محملاً بخيرات الحقل وألبان البقر ويقدمها راضيًا بين يدي أخيه وزوجته. وبعد أن يتناول عشاءه ينطلق إلى حظيرة الماشية فينام فيها وحيدًا قانعًا فإذا اقترب الفجر أعد إفطار أخيه وقدمه إليه، ثم أخذ إفطاره معه وساق ماشيته إلى الحقل والمرعى وكان يحدث أحيانًا أن تتهامس الماشية فيما بينها بأن الكلأ في مكان بعينه وفير نضير؛ فيفهم "باتا" قولها ويحقق لها رغبتها وينتجع بها ما توده من العشب.
وفي يوم كان الأخوان يزرعان في الحقل فاحتاجا إلى بعض البذر، وذهب الأخ الأصغر إلى البيت ليحضره، وكانت زوجة أخيه الكبير تمشط شعرها، فما رأته يحمل قدرًا كبيرًا من البذور على سواعده حتى راقها جماله، وأعجبت بقوته، فراودته عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ودعنا نمرح ساعة ونضجع، فذلك خير لك ولسوف أخيط لك ثيابًا حسانًا،
وفوجئ الفتى وأجفل وبدا في هيئة فهد الصيد الغضوب وأربد وجهه من سوء ما دعته إليه، وقال لها: "اسمعي أنت بالنسبة لي في منزلة الأم وزوجك في منزلة الأب لأنه أكبر مني وقد تعهدني ورباني فلم هذا العار الذي تدعينني إليه؟ إياك أن تفاتحيني فيه مرة أخرى ولك من ناحيتي ألا أخبر أحدًا به أو أدعه يخرج من فمي إلى أحد". واحتمل "باتا" حمولته، وانصرف إلى المزرعة، فلما بلغ أخاه استأنف العمل كدأبه دون أن ينبس ببنت شفة.
هذا وقد أضمرت المرأة في نفسها الكيد لهذا الفتى وقابلت زوجها في المساء متمارضة متباكية متظاهرة بالألم، وادعت أن أخاه الأصغر راودها عن نفسها، فصمم الأخ الأكبر على قتله عندما يعود بالماشية واختبأ وراء الباب لهذه الغاية،
وما إن قرب الصغير من البيت حتى أخبرته بقرة من التي كان يسوقها بما دبر له، ففر "باتا" وتبعه "إنبو" بسلاحه وتطلع "باتا" في محنته إلى ربه رب الشمس رع حور آختي وناجاه: "مولاي الكريم، أنت الذي تفرق بين الآثم والبريء"
فاستجاب رع لدعائه وفصل بينه وبين أخيه بنهر عظيم ملأته التماسيح فعجز "إنبو" عن اللحاق به وجرت بينهما محادثة برّأ "باتا" فيها نفسه، وأبان عزمه على الرحيل إلى وادي الأرز وأنه سيضع قلبه على زهرة في أعلى إحدى أشجاره وعين له علامة إذا حدثت كانت دليلاً على وفاته،
وعلى الأخ الأكبر حينئذ أن يذهب إلى وادي الأرز ويبحث عن قلبه ويضعه في الماء؛ فتعود الحياة إلى"باتا" ثانية وينتقم لنفسه من القاتل.
وبعد هذه المحاورة رجع "إنبو" إلى قريته فقتل زوجته انتقامًا لأخيه. أما "باتا" فقد ذهب إلى وادي الأرز ولما رأته الآلهة وحيدًا في هذا الوادي أشفقت عليه وجعلت الإله خنوم يسوي له زوجة، وقد خالفته هذه الزوجة فذهبت إلى البحر رغم تحذيره لها من هذا العمل فأراد البحر أن يختطفها ولكن "باتا" أنقذها منه وكل ما استطاع البحر أن يأخذه منها خصلة من شعرها طفت على وجهه حتى وصلت إلى مصر وهناك فاح شذاها وانتشرت رياها، فشغف الفرعون بصاحبتها وأرسل إلى وادي الأرز في طلبها فحضرت زوجة "باتا" مع الرسل وصارت محظية عند الفرعون.
ولما كانت تخاف بأس زوجها أغرت الفرعون بقطع شجرة الأرز التي تحمل قلبه فسقط قلبه بسقوطها ومات؛ وعندئذ حدثت العلامة التي كان قد ذكرها لأخيه ليعلم بها أمر موته - وهي فوران إبريق من الجعة - فسعى في الحال إنبو إلى وادي الأرز لينقذ قلب أخيه.
وبعد سنين وجده في صورة فاكهة فأعاده إلى الحياة بوضعه في الماء ثم صير باتا نفسه ثورًا وحمل أخاه إلى مصر وأفصح لزوجه عن شخصه فأغرت الفرعون بقطع الشجرتين وصنع أثاث لها منهما ففعل وأثناء صنع الأثاث تطايرت شظيتان من الخشب دخلتا فم الزوجة فحملت وأنجبت صبيًا صار وليًا للعرش وعند وفاة الملك نصب هذا الصبى خلفًا له ملكًا على البلاد، ولم يكن ذلك الصبي إلا "باتا" نفسه فانتقم لنفسه من زوجته الخائنة بقتلها جزاء غدرها.
هذا تلخيص شديد للوقائع التي لو قرأت كاملة بالحوار .. فسنجد أدبا جميلا .. و مخيلة خصبة .. أخذ منها الجيران الكثير و نسبوه إلي أنفسهم .

2- الكاهن المصرى يشق البحر من بردية (( باو إف رع)) محفوظة في متحف برلين
(( في أحد الأيام شعر الملك (سنفرو) بأنه لا يعرف كيف يتخلص من الضيق والضجر الذى يملأ صدره، فطلب من علاجاً لضيقه، فاقترح عليه الساحر «جاجا إم عنخ» أن يقوم بنزهة في مركب بصحبة عشرين فتاة جميلة.
وبالقطع لم يكن في هذه النصيحة أي أثر للسحر، ووجد "سنفرو" أن ذلك الأمر ممتع للغاية، ولكن سرعان ما عكر صفوَ الرحلة حادثٌ مؤسف، فقد فقدت إحدى المجدفات الجميلات حلية ثمينة كانت تزين شعرها، وأصابها حزن شديد، لدرجة أن الطاقم بأكمله قد حزن لحزنها.
ولم يعجب ذلك الفرعون، فأرسل في طلب الكاهن "جاجا إم عنخ" لعله يستعيد بسحره تلك الحلية لتسترد المجدفة الجميلة بهجتها.
ولما جاء الساحر نطق ببضع كلمات سحرية أدت إلى وضع أحد نصفي مياه البحيرة فوق النصف الآخر، ووجد الحلية التي كانت راقدة فوق شقفة، وتوجه لإحضارها من أجل إرجاعها لصاحبتها،
وقد بلغ ارتفاع الماء في أحد نصفي البحيرة 12 ذراعاً، وأصبح لا يقل عن 24 ذراعاً، حيث إن البحيرة قد طويت على نفسها...
ثم نطق الساحر ثانية بتعويذته، فرجع الماء إلى ما كان عليه، فعادت الابتسامة إلى وجه الجارية الجميلة، وكذلك لرفيقاتها، وأثلج ذلك قلب الملك "سنفرو" إلى حد كبير.
3 - قصة رع و سخمت و هلاك البشرية
سجلت جدران مقبرة، سيتى الأول، أعظم ملوك الأسرة التاسعة عشرة، قصة «هلاك البشرية».. وأيضًا مقبرة رمسيس الثالث من الأسرة العشرين، سجلت نفس القصة، كما نُقشت على «ناووس الملك توت عنخ أمون» الخشبى .
فالإله أمون رع، أبو الأرباب فى طيبة، أصيب بحالة من الكآبة والغضب عقب معرفته بمضمون مؤامرة عدد كبير من البشر للتخلص منه، فقرر أن يستعين بالإلهة «سخمت » إبنته لمعاونته فى القضاء على كل الرعية من البشر، والتخلص منهم ومن مؤامراتهم، ونكرانهم للجميل..!!
((الإله الذى أوجد نفسه بنفسه وأصبح أبو الآلهة والناس جميعًا، فوجئ أن عددًا كبيرًا من البشر قد دبّروا له مؤامرة، وقد كان جلالته وقتئذٍ طاعنًا فى السن، وصارت عظامه من فضة، ولحمه من ذهب، وشعره من اللازورد الحقيقى.. وفطن أبو الأرباب لهذه المؤامرة الوقحة، وقال لحاشيته: تعالوا ونادوا إلى عينى، وكذلك الآلهة «شو» و«تفنوت» و«جب» و«نوت»، ومعهم الآباء والأمهات الذين كانوا فى صحبتى عندما كنتُ لا أزال فى المحيط الأبدى، «نون».. ويجب عليكم أن تحضروهم سرًّا حتى لا يراهم البنى آدمين، إلى القصر العظيم حتى يمدونى بنصيحتهم)).
بمعني جمع تاسوع هليوبليس فيما عدا ( أوزيريس و إيزيس و ست .. ونفتيس )
(( واستجابة لطلب أمون رع، حضر الآلهة، وخروا له ساجدين، ولمست جباههم الأرض، ووقفوا بين أيديه، يستمعون لكلماته، فى حضرة أكبر الآلهة سنًا، الإله «نون»، وقالوا لجلالته: تحدَّث إلينا حتى نسمع حديثك.. فقال أمون رع: يا أيها الآلهة الأقدمون، انظروا إلى بنى البشر الذين أتوا للوجود بعينى، يدبرون الآن مؤامرة ضدى، فأخبرونى ماذا أفعل، فأنا لازلت أفكر وأبحث عن حل، ولن أذبحهم حتى أسمع رأيكم فى ذلك.
رد الإله «نون»: أنت أيها الإله العظيم، ابقَ حيث أنت، فإن الخوف منك سيكون عظيمًا، إذا التقت عينك بمَن تخيل لك سوءًا.. فقال الإله أمون: انظر، إنهم قد هربوا إلى الصحراء لأن قلوبهم فى وجل مما قالوا.. وطالب باقى الألهة من أبو الأرباب أمون، أن يرسل عينه لتذبحهم.
وطلب الإله أمون من حاشيته أن يحضروا له كل الرسل، وأيضًا ملك الوجهين القبلى والبحرى، وعندما وصلوا جميعهم، طلب منهم أن يسرعوا إلى الفنتين «أسوان»، ويلجأوا إلى المكان المرتفع، والأمن، وعند وصولهم جميعا، قرر أبو الألهة أمون رع، أن يتخلص من كل البشر، فجرا، ))
ثم أنه طلب من عينة ( سخمت ) أن تعاقب البشر .. فنزلت إلي أرضهم و ظلت تفترس و تذبح دون تمميز .. حتي أصبحت الدماء بحورا .. ملأت النيل و فاضت حولها ليغرق كل ما كان موجد .
و هنا توجه الالهة إلي رع يطلبون منه أن يوقف الماساة ..و لكن عينة لم تتوقف.. فأحضر نبات مسكر(مخدر ) من جزيرة الفنتين لونه أحمر .. و أمر الألهة بصبه علي بحار الدماء .. فشريت منه سخميت .. و نامت ..و نجا البشر من الفناء .
( النص بالكامل بالهيروغليفي و ترجمته العربي في كتاب ألهة المصريين لبدج .. من ترجمتي )


4 - نص .. قصة سنوهيت (( أو سنوحي المصرى )) محفوظ جزء من البردية في المتحف المصرى .
الخادم سنوهيت يقص :
((كنتُ خادمًا يتبع سيده، وخادم نساء الملك يخدم الأميرة، صاحبة الثناء العظيم، زوجة «سنوسرت» الملكية في بلدة الهرم المسماة «خنم-أسوت»، والابنة الملكية «لأمنمحات» في بلد الأهرام «كانفرو» المسمَّاة «نفرو» المحترمة.
واتفق أنه في السنة الثلاثين، في اليوم التاسع من الشهر الثالث من فصل الفيضان، دخل الإله أفقه (مات).. فطار الملك «أمنمحات» إلى السماء، واتحد مع قرص الشمس، وامتزج جسم الإله بجسم خالقه،
وعندئذٍ صمت القصر، وامتلأت القلوب حزنًا، وأُغلِق البابان العظيمان،
وجلس رجال القصر ورءوسهم على ركبهم، وحزن القوم.
وكان قد أرسل جلالته جيشًا إلى أرض «التمحو»(( أهل الصحراء الليبية ))
وكان بكر أولاده «سنوسرت» الطيب ضابطًا فيه، وقد كان في هذه الأثناء عائدًا بعد أن استولى على أسرى من «التحنو»،( الليبيون ) وكل أنواع الماشية التي يخطئها العد.
وأرسل أمناء القصر إلى حدود غرب «الدلتا» ليخبروا ابن الملك بالحادث الذي وقع في البلاط، وقد قابَلَه الرسل في الطريق ولحقوا به عند الغروب، فلم يتأخر طرفة عين.
إذ طار الصقر ( حورس ) مع خادمه، ولم يعلم بذلك الجيش، ورغم ذلك فقد أُرسِلت رسالة
إلى أولاد الملك الذين كانوا معه في الجيش وطلب واحد منهم. وتأمل!
لقد وقفت وسمعت صوته حينما تكلَّمَ؛إذ كنت عن كثب.
وعندئذٍ كان قلبي يتحرق، وخارت ذراعاي، واستولت الرعدة على جميع أعضائي، فقفزت باحثًا عن مكان أختبئ فيه، فوضعت نفسي بين أيكتين لأفسح الطريق للمسافر فيها.
ثم ( هرب مش عارف لية ) ..سرت نحو الجنوب، ولم يكن غرضي الوصول إلى مقر الملك؛ لأني فكرت أن الشجار قد يقوم هناك، ولم يكن يهمني أن أعيش بعده، وعبرت ماء «موتى» القريب من «الجميزة»ووصلت إلى جزيرة «سنفرو»،
ومكثتُ هناك في الحقول المكشوفة، ثم أخذتُ في السير مبكرًا، وعندما طلع النهار، وقابلتُ رجلًا اعترضني في طريقي، وقد أظهر الرعب مني وخاف، ولما جاء وقت العشاء كنتُ قد اقتربتُ من بلدة «جو»، فعبرت في معبر بدون سكان،
وبمساعدة نسيم ريح الغرب، ومررت إلى الشرق من المحجر الذي في إقليم «سيدة الجبل الأحمر»، ثم أسلمت الطريق إلى قدمي متَّجِهًا نحو الشمال، ووصلت «جدار الأمير الذي كان قد أُقِيم لصد الآسيويين والقضاء على سكان الصحراء،
وقد أخبأت نفسي في خميلة؛ خوفًا من أن يراني الحارس الذي كان رابضًا فوق الجدار ليل نهار.
وقد استأنفت السير ليلًا، ولما طلع فجر النهار وصلت إلى «بتن» ووقفت عند جزيرة «قمور»،
وهنا أُغمي عليَّ حتى سقطت من الظمأ، وكنت صاديًا، وحنجرتي تحترق، وقلت: «هذا هو طعم الموت.» ولكني رفعت قلبي، وجمعت أعضائي؛ لأني سمعت صوت غثاء الماشية وخوارها، ورأيت بدوًا، وقد عرفني الشيخ الذي كان بينهم،
وقد كان فيما مضى في مصر، فقدَّمَ إليَّ ماءً، كما كان يعطيني لبنًا، وذهبت معه إلى قبيلته، وقد عاملوني بشفقة.
ثم أسلمتني أرضٌ إلى أرضٍ ثم استأنفت السير إلى «جبيل»، وتابعت السير إلى «قدمي»، وقضيت هناك نصف عام، ثم أخذني «ننشي» بن «آمو» أمير «رتنو العليا»
وقال لي: «إن حالك معي سيكون حسنًا؛ لأنك تسمع هنا كلام مصر.» وقال لي هذا لأنه عرف صفاتي، وسمع بحكمتي، وقد شهد لي المصريون الذين كانوا معه هناك.
وقال لي: «لماذا أتيت إلى هنا؟ هل حدث شيء في مقر الملك؟»
فقلت له: «إن الملك «سحتب أبرع» قد ذهب إلى الأفق، ولا يعرف أحد ماذا تم في هذا الأمر.»
وقلت ثانيًا متعاميًا: «إني أتيت من حملة أرض «التمحو»، وقد أخبرت الخبر فارتعدَتْ فرائصي، ولم يَعُدْ قلبي يستقر في جسمي، وقد أقصاني على طريق القفار،
مع أنه لم ينم عليَّ أحد، ولم يبصق في وجهي إنسان، ولم أسمع كلمة قذف، ولم يسمع اسمي في فم المنادي، ولا أعرف ماذا أتى بي إلى هذه الأرض، فكأنه القضاء والقدر.»
وعندئذٍ قال لي: «وكيف يكون حال تلك البلاد من بعده، ذلك الإله المحسن، الذي كان مُهَابًا في كل الأراضي مثل «سخمت» في عام وباء؟»
ولكني قلت له مجيبًا إياه: «في الحق إن ابنه قد دخل القصر وأخذ إرث أبيه، وهو الإله المنقطع القرين الذي لا يفوقه أحد، وإنه رب الحزم المتفوق في النصيحة، والحازم في إعطاء الأوامر، والرواح والغدو تحت إرادته، وهو الذي أخضع الأراضي الأجنبية، في حين كان والده جالسًا في القصر ليتلقَّى أن ما قد أمر به قد نفذ.
وإنه القوي الذي يحرز «النصرَ» بساعده القوي، البطل الذي لا نظير له عندما يُشاهَد منقضًّا على العدو، أو مقتربًا من حَوْمَةِ الوغى، وهو الذي يثني القرون ويضعف الأيدي، وأعداؤه لا يمكنهم تنظيم صفوفهم.
وإنه لمنتقم، محطِّم للجباه، ولا أحد يجسر على الوقوف بجواره. وهو الواسع الخطى، المهلك للهارب، ولا نهاية لمَن يولي ظهره له (أي إن الهارب لا يصل إلى غايته سالمًا)...شجاع القلب عندما يرى الجموع، ولا يسمح لقلبه بأية راحة... الجسور عندما ينقضُّ على الشرقيين، وسروره أن يأسر «الربدتو» — العدو.وهو يقبض على درعه، ويدوس تحت القدم «العدو»، ولا يعيد ضربته ليقتل (أي لا يضرب إلا ضربة واحدة قاتلة).وليس هناك مَن حوَّل سهمه «عن هدفه»، وليس هناك مَن حنى قوسه.. و«شعب الأقواس» يهرب أمامه كما يهرب أمام قوة «الآلهة العظيمة».وهو يحارب بدون نهاية، وهو لا يبقي ولا يذر.وهو رب الرشاقة، غني في عذوبة، وبالمحبة قد تغلَّبَ على قلوب الناس.
ومدينته تحبه أكثر من نفسها، وهي تبتهج به أكثر من إلهها.والرجال والنساء يمرون أمام قصره فرحين به...وهو ملك قد فتح وهو لا يزال في البيضة (أي طفلًا) وقد كانت وجهته أن يكون ملكًا منذ ولادته.
وهو الذي يكثر عدد مَن وُلِدوا معه، وهو نسيج وحده، ومنحة من الله... وإن تلك الأرض التي يحكمها تبتهج به، فهو الذي يمد الحدود.وسيفتح الأراضي الجنوبية، ولكنه إلى الآن لم يلتفت إلى الأراضي الشمالية.ومع ذلك فقد خُلِق ليضرب «على أيدي» البدو، ويحطِّم سكان الرمال.
أرسل إليه، دعه يعرف اسمك، ولا تنطقنَّ بلعنة ضد جلالته، وهو لا يفوته أن يعمل خيرًا إلى أرض ستكون مسالمة له
ثم قال لي: حقًّا إن مصر سعيدة؛ لأنها تعرف أنه يفلح «في حكمه»، ولكن تأمَّلْ! إنك هنا وستسكن معي، وسأعاملك بشفقة.
وقد جعلني على رأس أولاده، وزوَّجَني من كبرى بناته، وقد جعلني أختار لنفسي من بلاده أحسن ما في حيازته على حدوده إلى بلاد أخرى، وقد كانت أرضًا جميلة تُسمَّى «ياء»، وكان فيها التين والكروم، ونبيذها أكثر من مائها، شهدها غزير، وزيتونها كثير، وكل الفاكهة محملة على أشجارها، وكان فيها الشعير والقمح، وماشية يخطئها العد من كل نوع،
وكذلك كان نصيبي عظيمًا بسبب ما نلت من الحب (حب الناس). وقد نصبني حاكم قبيلة من أحسن قبائل بلاده، وقد كان يضع لي الخبز لأكلي اليومي، والخمر لشرابي اليومي، وكذلك اللحم المطبوخ والدجاج المشوي، هذا فضلًا عن صيد الصحراء؛ لأن ذلك كان القوم يصطادونه، ويضعونه أمامي خلافًا لصيد كلابي، وكان يضع لي كثيرًا من الحلوى، ويحضر اللبن بكل الأشكال.
وقد قضيت سنين عدة، وقد نما أولادي، وأصبحوا رجالًا أشداء كلٌّ يحكم قبيلته، والرسول الذي كان يأتي من قِبَل مقر الملك شمالًا أو جنوبًا، كان ينزل عندي، وقد أعطيت ماءً للظمآن، وهديتُ إلى الطريق مَن كان ضالًّا، وخلصت مَن كان قد نهب،
ولما أخذ البدو يخرجون عن الطاعة، ويقاومون رؤساء الصحاري كبحت جماحهم؛ وذلك لأن أمير فلسطين قد جعلني عدة أعوام رئيس جيشه، وكل بلاد سرت إليها قد طردتها من مراعيها وآبارها، ونهبت ماشيتها، وأسرت أهلها، وحملت طعامهم، وذبحت القوم فيها بساعدي القوي، وبقوسي وهجماتي وتدابيري الحسنة، وقد حزت بذلك الحظوة لديه، وأحبني، وقد جعلني على رأس أولاده عندما شاهَدَ كيف تتفوق يداي.
وقد جاء رجل قوي من فلسطين ليبارزني في معسكري، وقد كان بطلًا منقطع النظير، أخضع كل فلسطين، وقد أقسم أن يحاربني، وقد دبَّر سرقتي، وتآمَرَ على أن يأخذ ماشيتي غنيمةً بمشورة قبيلته،
وقد تكلَّمَ معي هذا الأمير فقلت له: أنا لا أعرفه، وفي الحقيقة لست محالفًا له، ولا من الأفراد الذين حاموا معسكره، ومع ذلك هل فتحت بابه قطُّ أو اخترقت سياجه؟ كلا، إن ذلك حقد؛ لأنه يرى أني أنفذ أوامرك،
والحق أني كثور الماشية في وسط قطيع غريب، وثور الأبقار يهاجمه، والثور صاحب القرن الطويل ينطحه؛ وهل يوجد رجل خامل الذكر يكون محبوبًا في منزله سيدًا؟ وليس هناك بدوى يحالف رجلًا من الدلتا؛
إذ ما الشيء الذي يمكن أن يربط البردية بالصخرة؟ هل يحب الثور النزال، ويريد من ثور أقوى منه أن يعلن تقهقره؛ خوفًا من أنه ربما كان مضارعًا له في القوة؟! فإذا كان قلبه مصمِّمًا على الحرب فدعه ينطق بإرادته. وهل الإله يعلم ما قُدِّرَ له، أو هل يعرف هو كيف يكون المصير؟
وفي وقت الليل شددت قوسي، وفوقت سهامي، وأرهفت خنجري، وصقلت أسلحتي، وعند الفجر كانت فلسطين قد جاءت؛ إذ إنها أثارت قبائلها، وحشدت نصف ممالكها، وهيَّأت هذا النزال، وقد برز إلى المكان الذي كنتُ أقف فيه،
وقد وقفت بالقرب منه، وكان كل قلب يحترق من أجلي، ولغط النساء والرجال، وكان كل قلب مكلومًا بسببي، وقالوا: «هل هناك رجل آخَر شديد يستطيع منازلته؟»
ثم سقط درعه وفأسه وحزمة حرابه عندما تفاديت سلاحه، وجعلت سهمه يمر بي طائشًا، ولمَّا اقترب كلٌّ منَّا من الآخَر هاجمني، وأرسلت سهمي عليه فلصق بعنقه، فصاح وسقط على أنفه، وألقيته أرضًا بفأسه، وصحت صيحة النصر على رقبته، وصاح كل آسيوي، وقدمت الثناء «لمنتو» قربانًا، وحزن له أتباعه، أما هذا الأمير «ننشي» بن «آمو» فضمَّني إلى صدره.
وبعد ذلك أخذتُ متاعه، وأتلفت ماشيته، وما قد دبَّره من النكاية بي جعلته يحيق به، واستوليت على كل ما في خيمته، ونهبت معسكره، وقد أصبحت عظيمًا بهذا، واسعًا في ثروتي، غزيرًا في قطعاني.
وقد فعل الإله «ذلك»؛ رحمةً بفرد غضب عليه، وجعله يفر إلى أرض أخرى، واليوم أصبح قلبه فرحًا ثانية... كنت فارًّا هرب في وقته.. والآن يكتب التقرير عني في مقر المليك
وكنت ثقيلًا يتضاءل بسبب الجوع.. والآن أقدم الخبز إلى جاري
وكنت رجلًا ترك بلاده بسبب العري.. والآن أرتدي الملابس البيضاء والكتان
وكنت رجلًا أُسرِع الخطى لعدم من أرسل.. والآن أملك العبيد بكثرة
بيتي جميل، ومحل إقامتي رحب.. وإني أُذكَر في القصر الملكي.
وأنت يأيها الإله، أيًّا كنتَ، الذي أمرتَ بهذا الهرب، كُنْ رحيمًا وأعدني ثانية إلى مقر الملك، وربما تسمح لي أن أرى المكان الذي يسكن فيه قلبي، والأمر الذي هو أهم من ذلك أن تدفن جثتي في الأرض التي وُلِدت فيها، تعالَ لمساعدتي. ولقد وقع حادث سعيد، لقد جعلت الإله يرحمني، وليته يرحمني ثانية؛ حتى تحسن خاتمة مَن قد عذَّبه، وقلبه رحيم يحن لمَن حتم عليه أن يعيش في الخارج، وإذا كان رحيمًا بي اليوم فليته يصغي إلى دعوات فرد ناءٍ، وليته يعيد مَن قد نكبه إلى المكان الذي أخذ منه.
آه ليت ملك مصر يرحمني حتى أحيا برحمته، وليتني أسأل سيدة الأرض التي في قصره عن إرادتها، وليتني أسمع أوامر أولادها.
آه ليت جسمي يعود إلى الشباب ثانية؛ لأن كبر السن قد نزل بي، واستولى عليَّ الضعف، وعيناي ثقيلتان، وذراعاي ضعيفتان، وساقاي قد وقفتا عن السير، وقلبي متعب، والموت يقترب مني، حينما سأحمل إلى مدن الأبدية دعني أخدم سيدتي الملكة، وليتها تتحدَّث إليَّ عن جمال أطفالها، وليتها تخلع عليَّ «قبرًا» للأبدية.))

اللة اللة علي الجمال .. و حسن سرد ( شكسبير مصر ) ..هل تذكرك هذه القصة .. بقصص أخرى شبيهه .. لعلاقة مصرى هرب إلي الصحراء فقابلة البدو هناك و أكرموه لأنه مصرى .
ام أن
الخوف من التفكير.. أصبح سمة واضحة لسكان هذا المكان ..كما لو أن عقولهم قد صيغت بإسلوب يجعلها تجتر ما أملاة عليها رجال الدين .. تسجن نفسها في محددات لا تتجاوزها .. تعلمتها في الصغر و تحتفظ بها حتي النهاية .
المصرى( مسلم أو مسيحي ) يخاف أن يقترب من أى معلومة .. سواء بالنقد أو التساؤل .. خصوصا لو كان الأمر يتصل بتعاليم و طقوس دينه .. فهو يؤديها دون تفكير أو مناقشة ..او بما يسمعه من المتحدثين المتدينين خلال شاشة التلفزيون ..( هو أنا حفهم أحسن منهم ) ..و يردد ما قيل بثقة ردا علي الحقائق .. أو علي الاقل يصمت .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول