معارضة إسرائيل لتجديد الاتفاق النووي مع إيران

نهاد ابو غوش
2021 / 4 / 28

سبق لإسرائيل أن عارضت الاتفاق الذي وقعته إدارة الرئيس باراك أوباما مع إيران والمعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، أو اتفاق 5+1 ، وقد حاولت التاثير على قرارات الإدارة من داخل مؤسسات صنع القرار الأميركي مثل الخطاب الذي ألقاه نتنياهو في الكونغرس، ما اعتبر سابقة خطيرة وتدخلا فظا في السياسات الداخلية الأميركية على الرغم من الطبيعة الخاصة والمتميزة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية، وكانت إسرائيل من أبرز الداعين لإلغاء الاتفاق في عهد الرئيس ترامب، ولذلك تعمل إسرائيل بمختلف الوسائل لتعطيل وإحباط ،أو إذا أمكن إلغاء اي اتفاق نووي. وفي الحد الأدنى تسعى لوضع شروطها الخاصة بها لتضمينها في اي اتفاق جديد، ومن ضمنها الحد من نفوذ إيران الإقليمي، ووقف دعمها للحركات المعارضة لإسرائيل مثل حزب الله وحماس، تراجع إيران وتوقفها عن دعوات إبادة إسرائيل، وفرض مزيد من القيود والرقابة على إنتاج إيران لأسلحة غير تقليدية.
إسرائيل ليست وحدها ولم تكن يوما وحدها في إبداء التشدد تجاه إيران، ولكنها تلعب هذا الدور بالتوافق والانسجام مع قوى يمينية محافظة في الغرب، كما أن لها زاويتها الخاصة والإقليمية للنظر إلى إيران بخلاف النظرة الكونية للولايات المتحدة، ولذلك تسعى إسرائيل لتضخيم وتهويل الخطر النووي الإيراني دائما سعيا للتملص من أية استحقاقات سياسية تجاه القضية الفلسطينية بذريعة أنها اي إسرائيل تواجه خطرا وجوديا، كما تسعى لإبقاء الشأن الأمني والعسكري طاغيا ومتصدرا لملفات الشرق الأوسطـ، وكذلك لابتزاز مزيد من المساعدات والدعم العسكري والمالي، وغض نظر العالم والمؤسسات الدولية عن انتهاكاتها الخطيرة لحقوق الفلسطينيين واستمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية.
على الأغلب إسرائيل ستواصل هجماتها وتحرشاتها بإيران ، ولكن ضمن هوامش متفاهم عليها مع الولايات المتحدة، اي ضربات نوعية وذات طابع أمني واستخباري وتكنولوجي (سيبراني) ولكن دون التورط في مواجهة مفتوحة ودون توريط الولايات المتحدة والعالم الغربي، يمكن تلخيص هذا الموقف بمعادلة " أعلى من الصفر والجمود وأقل من الغليان والتورط"، إسرائيل لا يمكن لها أن تنفرد باتخاذ قرارات استراتيجية تجاه إيران، ولن تغامر بعلاقاتها ومكانتها عند الولايات المتحدة التي هي رأسمالها الأغلى.
وتطمح إسرائيل لدور مهيمن في منطقة الشرق الأوسط، وإذا كان هذا الشرق مفتتا ومجزءا إلى كيانات طائفية وعرقية فهذا أفضل لإسرائيل، هي تريد محيطا عربيا وإسلاميا مسالما وضعيفا ومعتمدا على الغرب وبالتالي يتعايش مع إسرائيل ضمن علاقات طبيعية، مشكلة إسرائيل مع إيران ليس القدرات النووية والسلاح، ولا السلاح النووي المزعوم، وإنما طموح إيران لأن تكون قوة إقليمية مؤثرة وهي بذلك تنافس إسرائيل على مجالها الحيوي، إسرائيل استغلت خطاب إيران المتطرف في بعض المراحل لتخويف العالم من إيران واستدراج التعاطف والدعم لإسرائيل، وترويج نظريتها الجديدة بشأن بناء نظام شرق أوسطي جديد يكون لها اي لإسرائيل مكان الصدارة العسكرية والتكنولوجية .
ومن المستبعد أن إيران تطمح لتطوير سلاح نووي ، أو أنها قادرة على ذلك في المدى المنظور، فهي ما زالت بعيدة جدا عن ذلك، سواء جهة نسبة تخصيب اليورانيوم أو الكميات او طبيعة ونوعية أجهزة الطرد المركزي، وحتى لو اجتازت إيران كل هذه المراحل، فهي بحاجة إلى اشهر أو سنوات بين اتخاذ قرار الاتجاه لانتاج اسلحة أو إنتاجها فعليا ، حين كان الاتفاق النووي ساريا كانت كل نشاطات إيران تحت الرقابة، وحين ألغي الاتفاق تحللت إيران من هذه الرقابة، وهذا بشهادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الدول الراعية للاتفاق، ثم حتى لو استطاعت إيران إنتاج سلاح نووي نظريا، هل من الحكمة إنتاجه عمليا؟ وهل ثمة عاقل يتخيل أن إيران سوف تستخدم مثل هكذا سلاح في المستقبل وهي تعلم وكل العالم يعلم أن خطو كهذه تعني الانتحار.
التصعيد والمواجهة ليسا من مصلحة أحد، وخاصة إيران وإسرائيل، يمكن لأي طرف أن يتحكم بالبدايات ولكن لا أحد يتحكم بالسياقات والنتائج، وهكذا فإن التهدئة هي من مصلحة الجميع لكن كل طرف يحاول وضع شروطه على هذه التهدئة، لا سيما مع تعدد واتساع نقاط الاحتكاك بين إيران وإسرائيل، والتي تشمل المواجهات المباشرة كما حصل مؤخرا، أو المواجهات من خلال وكلاء واذرع غير مباشرة، وأحيانا مواجهات بين أصدقاء الطرفين في ساحات بعيدة كما جرى في أزمة ناغورنو كاراباخ بين اذربيجان المدعومة من إسرائيل وارمينيا المدعومة من إيران. ولا شك أن التهدئة المشوبة بالحذر وليس المصالحة هي العنوان الأنسب لوصف العلاقة بين الطرفين كبديل للمواجهة والتصعيد وخاصة ان ثمة قضايا أقليمية كثيرة ما زالت مشتعلة أو تحت الرماد.
لا ينتظر من هذه التطورات أن يكون لها انعكاس مهم على حركات المقاومة في فلسطين، والتي يجب أن تعتمد أساسا على شعبها وعلى مواردها الذاتية، واعتمادها المالي على قوى خارجية كائنة من كانت يمس بمصداقيتها وبكونها تحمل أجندة وطنية خاصة بشعبها، الدعم الخارجي المعلن والمكشوف هو دعم شرعي ومطلوب ومحل ترحيب طالما أنه معلن ويخدم الأجندة الوطنية للشعب الذي تمثله المقاومة، لا ان تتحول المقاومة إلى ورقة يجري استخدامها من قبل الجهة الداعمة.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول