م 1 / ف 10 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 832

أحمد صبحى منصور
2021 / 4 / 27

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 832
( سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة :)
لم يذكر المقريزى الديباجة المعروفة في التأريخ لكل عام ، من أسماء أكابر المجرمين من السلطان وقادة المماليك وأكابر الوظائف الديوانية كالاستادار وكاتب السر ، وأكابر الوظائف الدينية ( قضاة القضاء ). دخل مباشرة في تسجيل الأحداث ، فقال :
( شهر الله المحرم، أوله الاثنين:
مناخ وكوارث
( ففي ليلة الاثنين خامس عشره: حدث مع غروب الشمس برق متوال، تبعه رعد شديد، ثم مطر غزير، واستمر معظم الليل، فلم يدرك بمصر مثله برقاً ورعداً، ولا عهدنا مثل غزارة هذا المطر في أثناء فصل الخريف. وقدم الخبر بأنها أمطرت وقت العشاء من ليلة الاثنين ثامنه بناحية بني عدي من البهنساوية برداً في قدر بيضة الدجاجة وما دونها كبيضة الحمامة، فهلك به من الدجاج والغنم والبقر شيء كثير، فهلك لرجل ستون رأساً من الضأن، وهلك لآخر خمسون رأساً من المعز، ولم يتجاوز هذا البرد بني عدي، وكان مع البرد والمطر راعد مرعب من شدته، وبرق متوال ورياح عاصفة . ). واضح أن للمقريزى ( مراسلين ) يخبرونه بما يحدث في القاهرة وخارجها .
أكابر المفسدين يتتبعون مواضع الفساد
( وفي هذا الشهر: تتبع الأمير قرقماس حاجب الحجاب مواضع الفساد، فأراق من الخمور وحرق من الحشيشة المغيرة للعقل شيئاً كثيراً، وهدم مواضع، ومنع من الاجتماع في مواضع الفساد . ).
تعليق
مواضع الفساد المُشار اليها هنا لا تشمل الأماكن المرخّصة للدعارة والتي تدفع عنها ( ضامنة المغانى ) رسوما للدولة . كانت ضامنة المغانى تُرغم الرجال المارّين ن على دخول بيتها ، وإن رفضوا ألزمتهم بدفع مال ، لأنه كان مقررا عليها أن تدفع مالا محددا . أصبح هذا معلوما من الدين السُّنّى بالضرورة . وفى بعض ما يسمى بالبلاد ( الإسلامية السُنّية ) يتم تشريع الدعارة ويدفع القائمون عليها ضرائب . وكان هذا معروفا في مصر في النصف الأول من القرن العشرين. نعود للمقريزى وهو يتكلم عن تتبع أماكن الفجور الشعبية ، والسبب ظاهريا هو التظاهر بالفضيلة ، والسبب الباطنى هو حثُّ الفاجرين على الذهاب الى الأماكن المُرخّصة لتتعاظم حصيلة السلطان من الضرائب . الدليل أن أماكن الفجور الرسمية لم تكن تحفل بتناول الحشيش ، أو بتعبير المقريزى ( الحشيشة المغيرة للعقل ). كانت هناك منتزهات على النيل لتناول الحشيش وممارسة الزنا والشذوذ . وقد أنتشر الحشيش والشذوذ بالتصوف الذى جعلهما دينا ، وقد شرحنا هذا في موسوعة التصوف المملوكى في الجزء الخاص بأثر التصوف في نشر الانحلال الخلقى في مصر المملوكية ، ومقالاته منشورة هنا . المماليك ـ على أي حال ـ شأن العسكر المصرى الحاكم الآن ــ يتظاهرون بالفضيلة وهم أساس الفساد والخراب . بدليل الخبر التالى :
مظالم أكبر أكابر المجرمين
يقول المقريزى:
1 ـ ( وحدث في هذا الشهر: ثلاث مظالم، إحداها: أنه كان قد تقرر في العام الماضي مع الفاضي كريم الدين عبد الكريم بن بركة ناظر الخاص أن تعفي تجار الشام ومشهد علي والكوفة والبصرة، الذين يتبضعون من متاجر الهند، من القدوم من مكة إلى القاهرة بضاعتهم، وأن يقوموا عن كل جمل بثلاثة دنانير ونصف، فانتقض ذلك في الموسم بمكة، وألزم سائر التجار أن يحضروا من مكة ببضائعهم صحبة الركب، وتتبعوا، بحيث لم يقدر أحد منهم أن يتأخر بمكة ولا يتوجه إلى الشام، بل حضروا بأجمعهم، وأقيمت عليهم الأعوان في طول الطريق بتفقدهم وبعد أجمالهم، حتى قدموا صحبة الحاج فحل بهم من البلاء ما لا يوصف)
أي رجع السلطان في وعده وألزم الحجاج ومنهم التجار بالمجىء مقبوضا عليهم الى القاهرة ومعهم البضائع التي اشتروها ليدفعوا مكوسها أو جماركها .
2 ـ ( ثانيها: أنه منع بالإسكندرية أن ينصب قبان لوزن بضاعة أحد من التجار، فامتنع الكافة من بيع البهار على الفرنج، وألزم الفرنج بشراء فلفل السلطان المحضر من جدة بمائة وعشرين ديناراً الحمل، وكانت قيمته مع التجار ثمانين ديناراً، فأخذ الفرنج منه ما وصلت قدرة مباشري السلطان أن يبيعوه عليهم، وامتنعوا من أخذ بقيته، ورجعوا بكثير مما حملوه من بضائعهم إلى بلادهم، فشمل التجار وغيرهم من ذلك ضرر كبير. ). طبقا لسياسته في إحتكار التجارة الشرقية وفرضها على التجار الأوربيين فقد ألزمهم برسباى بشراء البهارات منه فقط ، واستولى السلطان على ما لدى التجار من الفلفل الأسود والبهارات الهندية ، وباعها للأوربيين بالسعر الذى يحدده . وقلنا سابقا إن هذا الجشع في إحتكار التجارة الشرقية وحظر حج الأوربيين الى القدس واحتلال قبرص جعل الأسبان يتجهون الى الوصول للهند غربا ، فكانت الكشوف الجغرافية .
3 ـ ( ثالثها: أنه بلغ السلطان أن التجار الواردة إلى القاهرة من الموصل وحماة ودمشق تربح فيما تجلبه من الثياب المنسوجة من القطن مالاً كثيراً فألزم السماسرة أن لا تبيع لأحد من هذا الصنف شيئاً، بل يكون بأجمعه متجراً للسلطان، فأخذ تاجر ومعه ثمانون ثوباً، وأخذ آخر ومعه عشرة ثياب، وقومت، بأقل من ثمنها في بلادها، وكتب إلى بلاد الشام بأن لا تمكن التجار من حمل شيء من ذلك إلى القاهرة، فصادف قدوم قفل من الموصل إلى مدينة حماة بثياب موصلية، فرسم عليهم حتى رحلوا من حماة بما معهم وعبروا إلى البرية عائدين إلى بلادهم. واحتج عليهم بأنهم ردوهم لأن طول الثياب نقص عن ثلاثين ذراعاً كل ثوب، وأنه لا يمكن أحد منهم أن يبيع ثوباً حتى يكون ثلاثين ذراعاً في عرض ذراع ونصف، وأن لا يكون فيها ثوب يغلو ثمنه، فحل بالناس بلاء لا يمكن حكايته، وخربت الموصل بعد ذلك، وبطل عمل الثياب بها، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.). إحتكار السلطان وصل الى المنسوجات فتسبّب في خراب الموصل التابعة له .
4 ـ ( وقدم مع ذلك الحمل من جزيرة قبرس وفيه ثياب صوف، فحملت إلى دمشق، وهي ثمانمائة ثوب، فطرح الثوب بثمانية عشر ديناراً، ويحتاج إلى دينار آخر كلفه، فأبيع أحسنها باثني عشر ديناراً، فخسر كل ثوب سبعة دنانير، وطرح بها أيضاً السكر المعمول بالأغوار على الناس، فلم يكد يسلم أحد من الأخذ منه، ولله عاقبة الأمور.). برسباى يفرض على الناس الشراء بالسعر الذى يحدده .
5 ـ وفى كل ذلك يقول المقريزى متألما : ( وحدث في هذا الشهر: ثلاث مظالم، ) ( وأقيمت عليهم الأعوان في طول الطريق بتفقدهم وبعد أجمالهم، حتى قدموا صحبة الحاج فحل بهم من البلاء ما لا يوصف)( فشمل التجار وغيرهم من ذلك ضرر كبير) ( فحلّ بالناس بلاء لا يمكن حكايته، وخربت الموصل بعد ذلك، وبطل عمل الثياب بها )( فلم يكد يسلم أحد من الأخذ منه، ولله عاقبة الأمور. ). ولكن المهم إن هذا معروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!
الحج
( وفي ثاني عشرينه: قدم ركب الحاج الأول صحبة الأمير أينال الششماني، وقدم من الغد محمل الحاج ببقيتهم . )
شهر صفر، أوله الثلاثاء:
إلزام الناس بالشراء بسعر مُضاعف
( فيه جبيت أثمان البضائع بالعسف )
وظائف أكابر المجرمين
( وفي حادي عشرينه: كتب على يد نجاب بحضور الطواشي فيروز الساقي من المدينة النبوية ). نفاه السلطان ثم أسرع باعادته . ولا يعرف المقريزى لماذا نفاه ولماذا أعاده .
مصادرة خيول الأعراب
( وفي رابع عشرينه: خرجت تجريدة لأخذ خيول أهل الغربية والبحيرة . )
الخيول في هذا الوقت كانت ضمن أجهزة القتال ، لذا كان يحرص المماليك على مصادرة ما لدى الأعراب من الخيول . الفلاحون المصريون لا شأن لهم بالخيول.
شهر ربيع الأول، أوله الخميس:
المماليك الجلبان ينهبون المباشرين ( كبار الموظفين )
( فيه ترك طائفة كبيرة من مماليك السلطان الجلب الذين يسكنون الطباق بقلعة الجبل إلى بيت الأمير زين الدين عبد القادر بن أبي الفرج أستادار، وتسوروا الجدران حتى دخلوه فنهبوا ما فيه، وكان غائباً عنه، وعبثوا في طريقهم بالناس، فأخذوا ما قدروا على أخذه، ثم مضوا إلى بيت ناظر الديوان المفرد، ثم إلى بيت الوزير، فأدركهم مقدم المماليك والزمام، وتلطفا بهم، حتى انصرفوا عن بيت الوزير وسبب ذلك تأخر جوامكهم بالديوان المفرد لشهرين، فلما شكوا ذلك إلى السلطان قال لهم امضوا إلى المباشرين. فنزلوا وكان يوماً شنعاً . ) .
تعليق
1 ـ فساد السلطان برسباى : ( أكبر أكابر المجرمين ) وصل الى تحريض مماليكه الجلبان على سلب ونهب الاستادار الذى يجلب له الأموال بالعسف والجور. برسباى يعلم أن الاستادار يختلس مما يجمعه، وانه يُخفى اختلاساته . تأخرت ( جوامك / مرتبات ) مماليكه الجلبان شهرين ، فسلّطهم برسباى بالغارة على بيت الاستادار ونهبه ، ولأن المماليك الجلبان متخصصون في السلب والنهب فقد وجدوها فرصة للهجوم أيضا على منزل ناظر ( الديوان المفرد ) الخاص بإدارة وتنمية أموال السلطان ، وهو من أكابر الحرامية أيضا، وفى الطريق الى منزل ( ناظر الديوان ) سلبوا الناس في الشوارع ، أو كما يقول المقريزى : ( وعبثوا في طريقهم بالناس، فأخذوا ما قدروا على أخذه )، ومفهوم من هذا التعبير أن الناس رجالا ونساءا وصبيانا كانوا يفرُّون منهم ، ومن أدركوه سلبوا ما معه . وخوف ( الانفلات الأمني ) أرسل اليهم السلطان من أعادهم . من أسف أننا لا نعلم تفصيلات ما حدث للضحايا المستضعفين،المقريزى يكتفى بقوله:( وكان يوماً شنعاً . ).! سنعيش فيما بعدُ مع وحشية المماليك الجلبان ، والتي أصبحت معلوما من الدين السُنّى بالضرورة .!
2 ـ كارثة أن يكون برسباى سلطان الإسلام ، وأن يكون هؤلاء مسلمين ..!!
فوضى غشّ العُملة
( وفي خامسه: نودي بمنع الناس من المعاملة بالدراهم البندقية والدراهم اللنكية، فامتنعوا وتصدى جماعة لأخذها بأقل من قيمتها، لعلمهم بأن الدولة لا يمضي لها أمر ولا تثبت على حال، فخسر طوائف من الناس جملة، وربح آخرون . ).
تعليق
( الدراهم اللنكية ) اى التي أصدرها من قبل تيمورلنك ، وانتشرت في العراق وشرق العراق ، ووصلت الى الدولة المملوكية . والقرارات في موضوع العملة تتوالى لتشبع شهوة برسباى في السلب ، وأحيانا لا يتم العمل بها ، ولكن المهم أن تلاعب السلطان بالعُملة كان يتمتع بمباركة قُضاة القُضاة ، أي كان من المعلوم من الدين السُّنّى بالضرورة .!.
صراع أكابر المجرمين
( وفي حادي عشره: قبض على الأمير زين الدين عبد القادر أستادار، وضرب، ثم خلع عليه من الغد، واستقر على عادته . ). هذا خبر مُضحك ، وهو معتاد ومعروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).! ولكنه يكشف عن تعامل السُّلطة العسكرية مع خدمها من المدنيين . من السهل جدا أن يعزلهم السلطان ويسجنهم ويضربهم ، ثم يعيدهم الى وظائفهم . لا فارق هنا بين مدنيين في الوظائف الدينية كالقضاة أو الوظائف الديوانية كالاستادار . هو يعرف أنهم ظالمون مرتشون ولصوص ، ويعتبر ما يسرقون حقا ّله ، وهو السارق الأكبر ، لذا يستبيح عزلهم وضربه حتى يعترفوا ببعض ما سرقوه وخبأوه ، فيصادره . وبعدها يعفو عنهم ، ويعودون لمواصلة السرقة لسلطانهم ولأنفسهم . طاحونة تدور بالظلم .!.
ولا تزال تدور في مصر التي يحكمها العسكر المصري. إنها ( مصر المحروسة بالحرامية ).!!

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي