السياسة المقدسة

عبدالله عطية شناوة
2021 / 4 / 27

تقول كتب التراث الإسلامي أن أبو بكر وقف في ختام اجتماع سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة النبي محمد، ليلقي خطبته الأولى كخليفة فقال: (( لقد وليت عليكم ولست بخيركم،، فأن رأيتم في إعوجاجا فقوموني ))، فانبرى أحد الحاضرين لإجابته: إن رأينا منك أعوجاجا قومناه بحد سيوفنا.

حينها لم ينهض احد ليحز رأس من تجرأ على الخليفة بمثل هذا الكلام. لماذا؟ لأن أبوبكر أعترف انه بشر قد يخطئ ويعوج، وأن لهم حق تقويم إعوجاجه.

إعتراف أبو بكر كان وليد ظرفه، فأختياره لم يكن بإجماع المسلمين، ودون رضا من بعض كبار الصحابة والأنصار، لا بل ان الأنصار طالبوا المهاجرين بتقاسم السلطة: منا أمير ومنكم أمير، فكان الرد: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء. فسلم الأنصار بالأمر وإن على غير رضا.

لم يحضر هنا أي مظهر من مظاهر التقديس، مسلمون متساوون في القيمة الإعتبارية، يناقشون أمر إدارة شؤون مجتمعهم بعد رحيل نبيهم.

متى حضر التقديس لمن تولى دونما إجماع إدارة المجتمع الإسلامي ولمن أقر بانه ليس خير المسلمين، وأنه يمكن أن يخطئ؟

حضر التقديس، وكان حضوره لازما، حين لم يكتف بعض المعترضين برفض البيعة، بل رفضوا كذلك دفع الزكاة الى بيت المال، وهو عماد السلطة، يماثل الإمتناع عن دفع الضرائب في مجتمع معاصر لا موارد للسلطة فيه سوى الضرائب.

هنا كان لابد من استحضار المقدس الديني، لمعاقبة من تنصلوا من أداء أستحقاق إقتصادي - سياسي هو الزكاة، وإضفاء القداسة عليه بإعتباره ركنا من أركان الدين، وهو ليس سوى واجب من واجبات التضامن والتكافل الإجتماعي. وعبر ذلك إضفاء القدسية على من أخذ على عاتقه القيام بقيادة الكيان السياسي الإسلامي الفتي. وكان لابد من شن الحرب على الممتنعين بشعارات دينية وهذا يستدعي تقديس قائد الحرب وخلفائه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول