الثورة الأمثى

حمودي عبد محسن
2021 / 4 / 26

الثورة الأنثى
هناك مقولة قديمة تشير إلى أن الشعوب تتجه إلى الغيبيات في مرحلة المعاناة وخاصة المرأة بالرغم من أن المرأة تتمتع بالصبر والبصيرة لكنني وجدت المرأة اللبنانية تتجه إلى الأدب بأنواعه وأجناسه خاصة القصيدة النثرية والقصة القصيرة والتداعي والخاطرة رغم ظلال المعاناة والقهر، وهذا تحول واعي لاسيما هذا الكم من كاتبات القصيدة النثرية الذي يمكن اعتباره استجابة نوعية وجدانية للواقع المعاش وفي نفس الوقت فيه إثارة ومدلول بتنوع الرؤية النقدية إلى ما يجري في المرحلة المعاصرة، وفيه أيضا التزاما بالموضوع وكذلك لا التزاما به وإنما تبنى الصورة الشعرية كرمز تكويني للفكرة التي يستنبطها ويستشف روحها القارئ مما تجعله يكتشف أن عالما كامنا يختفي وراء النص، وهذا محرك جديد يدخلنا إلى المضمون من أبواب مختلفة، وكذلك تركت أغلب النصوص النهايات مفتوحة في ثيمة النص وأسلوبه اللغوي، فلا حدود معينة للنص، وليس له قالبا جاهزا، وهنا نتوقف عند ديوان شعري للشاعرة منى مشون الصادر عن مؤسسة الرحاب الحديثة في بيروت عام 2015 الموسوم بعنوان (الثورة أنثى) إذ العنوان فيه إثارة تتحمل عدة مدلولات خاصة أن الثورة تعني تغير نظام قديم بنظام جديد، وهذا التغير يشمل المكونات الاقتصادية ـ الاجتماعية والبنى التحتية لمكونات الدولة إلا أن ورود مفردة أنثى في العنوان قد يشير إلى رفض الثقافة السائدة أو الرأي السائد من تلك العادات والأعراف التي تحط من قدرة وكفاءة المرأة في دورها في المجتمع والدولة، ويتوج ذلك بنزعة مقاومة أنواع الظلم والقهر التي طال مداها، ومواجهة العوائق من خلال الكلمة الحرة بالامتعاض من هذه الصنمية الثقافية التقليدية التي تعتبر المرأة سجينة البيت، وهذا ما نقرأه في قصيدة ( التحدي الصعب ):
(لم أعد ارتجف...لم أعد أهتم...
ولن أنتفض في المنام...
قررت أن أفعل ما أشاء)
لذلك جاء هذا الديوان الشعري كلغة تخاطبية واضحة تمتلك صاحبته وضوحا مكنها اختيار القصيدة النثرية بمنظورها الفكري، ورؤيتها الكونية لأنها هي حرة بنفسها، ونحو نفسها أن تكتب القصيدة النثرية، فكان ابداعها نتاج معرفة حددته بلغة تخاطبية في مناحي الحياة بأسلوب فيه حنان ورقة دون خشية من الرأي الثقافي السائد. هذا الاسلوب يعطي للنص روحا من كينونة عميقة تتجلى في القلب. فجاءت القصيدة معبرة مستقرة ثابتة في تألقها لأنها منتج فكري محررا نفسه من القيود ببنية واعية واختيار مفضل في ايقاع معنى الحياة وفي اكتشاف الذات، لذلك ادرج تجلين رئيسين لهذا الديوان الشعري:
1ـ تجلي الذات:
عندما قرأت القصائد بتمعن وجدت أن الشاعرة منى مشون كما لو أنها تنفصل عن الواقع المعاش، وتدخل محراب اعتكافها، لتختلي بنفسها منغمسة في تأمل عميق، وهي تبحث في ذاتها الانسانية عن كافة ما يمس الوجود الحاضر، ومفهوم الحياة، وتبحر متجلية في هويتها ككينونة ـ بنيوية فعالة، إذ الكيان هو جزء من كينونة الوجود، وما هي إلا الذات الواعية قد اعتزلت الآن واقعا قلقا متوترا بائسا تتحكم به السلطة الأبوية (الذكورية) مما جعلها تنفر من نزعته التسلطية الطائشة، وتنفر من نظرته العدمية ـ العشوائية للمرأة، فهي تحفز وتجاهد ذاتها أن تذهب إلى ينابيع تنويرية فيها الحقيقة والمعرفة الواعية، متخطية الظواهر البالية. هذا يقودها إلى التوهج المنهجي نحو تجدد المعنى في استخلاص قدرة الذات في تحديد ماهية الوجود وفقا لمعطيات تجربتها التي جعلتها تنتج القصيدة بدلالتي الثورة الأنثى كما هو العنوان لديوانها الشعري حين تقول في ذات القصيدة (الثورة الأنثى):
(أكتب بقلمي عن كل أنثى
أروي القصص المؤلمة
ألملم من قلبها أي حرقة
أمسح من عينها كل دمعة)
ثم قد بلغت الأمور حدا لترتقي في معرفة الذات ومعرفة العالم المحيط بها في لغة تخاطبية كما أشرنا وهي تنتشل ذاتها وتحررها بكفاءة رافضة كل شرط يرغمها على قبول الوجود المشوه والخضوع له. هذا بحد ذاته تحرر وجداني ـ انساني لاسيما وهي هي الشاعرة التي تمتلك ذاتها المثابرة المتألقة بجدلية الضرورة حين تقول في قصيدة(العشرون):
فتساقطت هنا وهناك الحروف...
وفضحت السر المدفون...
إلا أنها الشاعرة لا تكتفي أن تكون فقط محورا مضادا ومصارعا للمعايير والقيم العتيقة على مسيرة تاريخية طويلة ابتدأت منذ الانقلاب الكبير الذي تحولت السلطة من سيادة المرأة في المجتمع الأمومي إلى سلطة الرجل في المجتمع الأبوي، فسادت الحروب والعبودية وساد الظلم والاستغلال والقهر، لذلك خرجت الشاعرة من بودقة هذا التاريخ كنموذج رافض لهذا التسلط، وكانطلاقة راهنة متولدة من تأملها الذي يهدف إلى التغير على ما هو غير ملائم، وغير مناسب أن يطغي ويتغلب على الوجود الحاضر، وغير مقبول اتباع الوهم المحجوب بالتأويل المزيف كي يناسب التشويه، ولذلك تقول الشاعرة في قصيدة (الذكر والأنثى):
أما أنا...فلا أحتاج ما تحتاج...لأكون أنثى...
كنت منذ بدء الأزل...ودمت...ولم تزل...
تحتاجني لتكون رجلا...ورجلُ...ورجلٍ
أنت تحتاج دوما لأسباب لتقنعني...
لتقنعني بحبك...وسلطتك...ورجولتك...
فكلما صادفت حبا...ازدادت انانيتك...
وكلما بسطت سلطتك...توسعت سيادتك...
وكلما تنامت رجولتك...تعمقت قسوتك

2ـ تجلي الصمت:
قبل عتبة طقوس محراب الاعتكاف والانفصال عن دنيا الفراغ الذي نزل فيه الاغتراب، اذ كان هناك صمت عميق دفين مندمج مع الذات قابعا في الهموم والأحزان بوصفه نموذجا موغلا في القدم، وهو حاضر مغلق، وماضوي مغروس في النفس، ومتناقل في الموروث العتيق الذي له برزخ بين رغبة التخلص منه ورهبة تداعيه على الآخرين، فهو ماضوي كامن، وهو غياب، وهو ضياع بالرغم من براءته، لذلك نجده في القصيدة نمط احتفائي كأنه يخرج من شرنقته متحديا عنيدا متعمدا لا يأبه الإخفاق في جذوته بل يندفع بإصرار خاصة أنه يمتلك لغة في ماض منفي، لذلك وهو في ذروة محرقته سينتفض في القصيدة بأصداء سواء كان ذلك في ظلام الليل أو وقت الغروب والشروق. هكذا هو الصمت عند منى شمون كاستعادة الذات وعودة للذاكرة وفورة غضب من تلك اللاعقلانية واللامبالاة والعدمية التي تسحق كل ما هو جميل لدى المرأة. هكذا يتم الترميز للصمت في القصيدة كادراك فجائي حسي عن طريق الاكتشاف، وهذا طبعه بعد أن كان مضطجعا مدفونا في الذات وهو يسمو في نعومته وخشونته في نفس الوقت، هادئا ساكنا ثم يوقظ نفسه جاريا متحولا متحديا ليصنع لنفسه طريقا نحو صرخة عالية، وهذا ما نقرأه في الدخول إلى ديوانها الشعري مباشرة في الإهداء الذي تناجي فيه الصمت باعتذار فتقول:
(فلم أبق وفية لك
لقد خنتك
ومارست الكلام
وانجبت القصيدة
وأضمد الجرح في كل لحظة)

هذا ما كانت تتدثر به الشاعرة، فلم يعد الصمت ممكنا، ولم يعد حكمة كما متعارف عليه بالرغم من أنه مثير خفي لكنه كشف عن نفسه بكلام معبر، يتحدى كل من يسمعه، فجعلت الشاعرة منى من القصيدة وحدها تتلفظ وتتكلم عوضا عنها، وهذه ابهة لغة الصمت في لحظة مهيمنة ونشوة خالصة، فالصمت بعد أن تحول إلى قصيدة صار يحكي عن طبعه، فالقصيدة خرجت من السكوت في كل الأحوال، وكسرته مستنيرة رشيقة برنين أو حفيف. هذا الاختراق لم يكن مألوفا سابقا، ولم يكن متصورا لأن الحياة ليست صامتة، والوجود حركة تاريخ أيضا ليس صامتا، إذ أصبح كل شيء يجري دون صمت، ولم تعد هناك ضرورة أو حاجة إلى الصمت كما أشارت إليه الشاعرة في الاهداء، فالقصيدة استمالتها من خلال التفكر الذي تخاطب فيه العقل، وتناجي القلب، وتداعب الخيال. هذا ما نلاحظه في قصيدة (صمتي أنا) حين تقول فيها:
( صمتي سيقتلني...
يعصف بي حتى الجنون...
وأمسك به بهدوء...
يقتلعني من ذاتي وأقتلعه...)
هذا، وقد جاءت القصيدة بعد نشوة تأمل، بعد أن كسرت حواجز الصمت والقلق والخوف، وهذه فضيلة وجدانية ونعمة عاطفية فيها التعقل والمنطق، وفيها صلاة روحية حميدة لتكون الأصدق والأدق في لغتها، إذ القصيدة هي من اللغات الصعبة خاصة وأن الشاعرة انتجتها سواء في الليل القصير أو الطويل وهي تبحث عن فردوسها الأرضي المفقود بكونه شوق وسعادة في أسى شامل، في بعد قدسي مغيب. كل ذلك جرى كمصفاة النفس، ووسيلة الحوار مع الذات، وكمقام روحي يطهر الذات ويزيد من رفعته وسموه، وهي تقاسي ليلها الذي فيه يتضاعف حزنها ويحيط بها من كل جانب، فتقضي ليلتها في هموم التي أقبلت عليها متراكمة، ولم تستطع ردها إلا بقصيدة وهي في أرقها، وهذا مقياسها الزمني لذا نجد الشاعرة تقول في قصيدة (غابتي الحزينة):
(فقررت في النهاية أن أنام...
لأعانق جاهدة أحلامي الضائعة
ثم أصحو من المنام...
خائفة، مبعثرة، مثقلة بالأوهام...)

هذه الكتاب يجب أن نأخذه مأخذ الجد كإرادة بوحدة بنائية ـ ابداعية في اطار جدلي لأنه يغوص في عالم الأدب والفلسفة والتاريخ مختزلا الكيان الوجودي ـ الانثوي، فهو مباشر وواضح بقصائده، إذ يستخدم توظيف (أنا الذات) كتقنية في معالجة موضوع مهم جدا بأسلوب وجداني ـ شعوري، فجاءت القصائد تؤكد ماهيتها الخاصة الفريدة، وتؤكد حريتها في إعادة اعتبار الذات، وقد اتسمت الشاعرة بالجرأة لواقع قد لا يتقبل الرؤية النقدية ومراجعة تفكيره. أجل، الكتاب هو انطلاقة موضوعية ـ تنويرية نحو العقلنة دون غموض لأن المرأة هي الملاك الحقيقي في ذات الوجود، وهي الزهرة التي لا تذبل في بستانها الذي يزهو بألوان قوس قزح، وهناك مقولة مشهورة مفادها أن تطور المرأة من تطور المجتمعات. أخيرا بودي أن أشير إلى أن هذا ديوان الشعر أيضا هو رسالة هدفها وغايتها صياغة علاقة ودية حميمة بين الرجل والمرأة، وهو كذلك يفتح نافذة لإعادة النظر كما أشرت في الكثير من المعايير والقيم التي لم تعد تناسب العصر، وما علينا نحن معشر الرجال إلا أن نتفكر بما تقوله الشاعرة لتقويم سلوكنا، ليكون عالمنا المشترك مع المرأة أكثر جمالا. نعم، لنحيا من أجل عالم متآلف معاش سعيد.
أجل، نحن أمام جيل جديد له آلية كتابة تجعل القارئ يبحث عن تلك البصمات المختبئة في داخل النص لأنه سيكون شغوفا في معرفتها، وقد يحس بمتعة القراءة.

26.04.2021

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي