المهاجر و البلاد الأصلية (2)

خليل قانصوه
2021 / 4 / 26

لن نتوقف عند الروابط العاطفية بين المهاجر و بلاده الأصلية التي تتحول بمرور الوقت و لكنها لا تمحى خصوصا بالنسبة للجيل الأول ، كونها وجه من أوجه الإنتماء المُضمر بالإضافة إلى أنها أيضا مسألة إرضاء ذاتي ، فالمهاجر قد يكون شاهدا ولكنه بالقطع ليس مبشرا .
يختلف الأمر في موضوع السياسة ، نظرا إلى أن الهجرة تعكس في الواقع مشكلة في بنية الدولة التي تتولى الإدارة في البلاد الأصلية . هناك احتمالان فإما أن هذه الإدارة سيئة و أما أن البلاد ضيقة في الأصل أو انها فقدت بعض اجزائها . هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فمن الطبيعي أن يقارن المهاجر بين البلاد التي استوطنها والإدارة فيها من جهة و بين البلاد الأصلية و الإدارة فيها من جهة ثانية ، فهذه الأخيرة تطرد سكانها بينما تلك تفتح أبوابها ، بشروط معينة ، امام الذين يرغبون في العيش مع أهلها .
مجمل القول أن سؤالا واحدا ، يلازم المهاجر دائما ، يستجوبه باساليب مختلفة وفي مناسبات متنوعة : لماذا لا يكون ما أمكن تحقيقه هنا ممكنا في البلاد الأصلية ؟ لم يستطع المهاجر كفرد عضو في جماعة أن يعيش و يعمل هناك بينما تمكن من ذلك كفرد بمفرده هنا .
لا شك في ان وجود الجماعة الأصلية بماهي كيان إحتماعي قائم على أساس النسب أو العرق أو المعتقد ، ذو صفة تمثيلية خالصة و حصرية ، ما يجعل الإنتماء إليه فرضا مفروضا ، يقزم الفرد إلى حد كبير ويقيد حريته على عكس الجماعة المُحدثة على أساس سياسي ،فكري أو عقائدي ، التي يكون الدخول إليها والإنفصال عنها إراديا أي فعلا عقلانيا ، إعترافا و دليلا على قبول تعددية الآراء و ضرورة الحوار بحثا عن القواسم المشترك في توليف و ابداع حلول ملائمة للمسائل الجديدة بدل مواءمة هذه المسائل في القوالب العتيقة .
من البديهي استنادا إليه أن الحرص على الجماعة الأصلية يتم على حساب المصلحة العامة ، أي على حساب الجماعات الأصلية الأخرى المشابهة بوجه عام ، التي ينضوي إليها سكان البلاد ، و على حساب الفرد بوجه خاص ، لا سيّما في ظروف توتر العلاقات واحتدام الصراع بين مختلف هذه الجماعات الأصلية . من المعلوم في هذا الصدد أن معاودة الصراع تتكرر بين الفينة و الفينة حيث تلجأ زعامة الجماعة إلى إثارة العصبية في تحريض و تجييش أفرادها ، دعما لزعيمها ، فهو الفاعل الوحيد في الصلح و الخصومة مع زعماء الجماعات الأخرى ، هكذا عندما يتنازع هؤلاء الزعماء تعود عقارب الزمن مائة إلى الوراء دفعة واحدة . فلا نجازف في الكلام أن وجود الجماعة الأصلية يعكس في الواقع تخلفا إحتماعيا فاضحا ، يمثله زعماؤها . و من نافلة القول في السياق نفسه ان التخلف الضروري و اللازم لتمكين زعيم الجماعة الأصلية من ممارسة تسلطه و إظهار جبروته ، هو ضروري ولازم أيضا للمستعمرالطامع ، كونه يُضعف روابط الشراكة و التضامن و الثقة بين سكان البلاد عموما . ينبني عليه أنه لا مفر من الإقرار بأن تنسيقا عن و عي أو غير وعي ، قائم موضوعيا ، بين الجماعات الأصلية من جهة و بين الذين يرغبون في إضعاف المجتمع الوطني .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي