ميشيل سير (1930 - 2019)

غازي الصوراني
2021 / 4 / 26


فيلسوف ومؤرخ فرنسي، "إهتم بتحليل المجتمع المعاصر، حيث بدأت هيمنة الوسائل "السيبرنطيقية"([1]) على مختلف أوجه حياة البشر، وقاده اهتمامه هذا إلى تأليف أحد أهم مؤلفاته في كتاب "الإصبع الصغير" الذي يقول فيه: "إن الجنس البشري، يعيش اليوم ثورة" تقنيه ومعلوماتية متحركة بسرعة تعادل "سرعة الالكترون"، فهي ثورة رقمية تتخذ مداها على مستويات مختلفة ومتعددة، ثقافية واقتصادية ومعرفية وعلمية واجتماعية، إنها ثورة "الإصبع الصغير" كما يسميها ميشيل سير"([2]).
يعتبر ميشيل سير أحد أبرز فلاسفة العلم في العصر الحاضر، بل أكثرهم شهرة في العالم الأنجلوساكسوني"([3])، وهو أيضاً "أحد أكبر المفكرين الفرنسيين إنتاجاً. كتب ما يقارب ستين عملاً، وهو صاحب رأي، يهتم بمجالات عدة: الانفجار الكوني العظيم، والتكنولوجيات الجديدة، واللغات، وعلم الجينوم، ومعنى التاريخ"([4]).
"يندرج فكر ميشيل سير الإبستمولوجي ضمن التيار الباشلاري (غاستون باشلار)، إذ قام هو كذلك بتجديد الإبستمولوجيا وخرق الحدود بين النشاط العلمي والإبداع الفني، فقد كتب عن علاقة الفلسفة بالعلم وعن الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم، وبذلك فليس الأهم، في نظر سير، هو الفصل بين العلوم؛ أي الإغراق في التخصصات، بل التجوال على طول هذه المسارات والتعرجات أو ملتقيات الخطوط التي تجوب فضاء المعرفة العلمية،  لذا يدعونا إلى فلسفة للتواصل، حيث التقاطع والمبادرة والتوقيف، مفاهيم تلعب دوراً مهماً في عملية الإبداع، فالعقل العلمي الجديد– الجديد– عند ميشيل سير- يقتضي التخلي عن فلسفة النقطة الثابتة أو فلسفة الإحالة إلى مفاهيم الماهية والجوهر والذات والموضوع، أو الإله أو الإنسان أو الأصل والغاية، هذا ويتسم العقل العلمي لميشيل سير بثلاث سمات أساسية، هي: التفاعل بين النظريات، والتفاعل بين المواضيع، ثم التفاعل بين الذوات، وهو ما يعني أن بين العلوم داخل موسوعة المعرفة العلمية تقاطعات وأفعال نقل واستيراد؛ وأن موضوع العلم المعاصر هو الجسم الصلب وليس السوائل؛ أما التفاعل بين الذوات العالمة فيدل على أن العلم لم يعد يحيل على العالم المكتشف أو الرائد، بل على الجماعة أو المدينة العلمية.
حاصل القول أن م.سير يستقي خصائص إبستمولوجيته من أوصاف العلم المعاصر؛ أما إشكالاتها فهي ذاتها إشكالات الإبستمولوجيا التقليدية وقد أفرغت في العلم نفسه، فتصبح بذلك كل جهوية علمية إبستمولوجيا لعلمها الخاص، فتكون على شكل عِلم العلم، كما تمثل، في الوقت نفسه، إبستمولوجيا عامة لأنها تنفتح على باقي العلوم "([5]).
يقول عن تفجير القنبلة الذريه في اليابان: ماوقع في ناكازاكي وهيروشيما أحدث لَديَّ صدمة مهولة، لذلك فجأة، العلم الذي عشقناه، لأنه جاء لنا بالرفاهية والدواء ومختلف ما يفترض أنه يحدد نمط الحياة الجيدة، صار نفسه العلم الذي أنتج جريمة شنيعة: القنبلة الذرية.
في اجابته على سؤال ماهي الكفاءة النوعية للفيلسوف؟ يقول ميشيل سير :
"هناك رواية لـ جول فيرن، جال أحد شخصياتها يسمى فاليValet  العالم قاطبة، فأُطلق عليه لقب مفتاح عمومي. هكذا حقيقة الفلسفة: مفتاح لكل القضايا، إنها عربة صالحة لمختلف التضاريس، تطوي كل العالم، تجوب الحقول المعرفية، وتحيط بأفراد البشر، تلك هيميزتها، ويشكل ذلك أيضا قوتها بالنسبة للعالم الحالي، وقد تداخلت جل مشاكله بكيفية شاملة"([6]).
عن المثقف والتثقيف يقول: "من المهم بالنسبة للتثقيف التعلّم ثم الترسيخ في الذاكرة، لكن بقدر مايستمر السعي ضمن حدود التثقيف، فستظلون أيضاً عند حدود مجرد ترتيب المعلومات، وبالتالي يقتضي التفكير التحرر من ذلك، وفي اجابته على السؤال التالي: أكدتم بأن إنسانية جديدة بصدد التحقق. وفق أي سياق تختلف عن السابقة؟
يقول: "نعيش اهتزازاً ثقافياً مرّ حسب ثلاثة وقائع ضخمة، تشير الأولى إلى اختفاء طبقة الفلاحين، خلال القرن التاسع عشر، في بلدان تقارن بلداننا، شكَّلت الساكنة 90% من المزارعين، مقابل 0.8% حالياً.
تبلور عالم القرويين هذا منذ العصر الحجري الأخير، نعيش إذن نهاية هذه الحقبة. لم يعد هناك شيء أكثر أهمية بالنسبة للتاريخ الإنساني، لأن عالم الفلاحين اختلف كلياً عن عالم أفراد المدن.
الانقلاب الثاني، ديمغرافياً. حينما ولدت سنة 1930، قارب عدد سكان الأرض بالكاد ملياري نسمة. حالياً، أوشكنا على بلوغ ثمان مليارات، فهل علمتم عَبْر التاريخ، حياة بشرية معينة تضاعفت مرتين؟ كانت الأرض فارغة؛ بينما اليوم ممتلئة نتيجة ارتفاع مؤشر الأمل في البقاء"([7]).
أخيراً،حدث انقلاب ثالث ابتداء من سنة 1995 مع ظهور تقنيات جديدة. فالقطيعة عامة وذاتية في الوقت نفسه، لأنها خلقت انقلاباً على مستوى مِهَنِنا، وكذا طريقتنا في الحصول على المعلومة، ثم علاقتنا مع الطبيب وكذا المسؤولين السياسيين، لذا ينبغي على الفيلسوف الاشتغال ليس فقط من أجل خلق العقول الفردية، مثلما تصور سقراط، بل المجتمع المستقبلي.
العديد من طلابه يتذكّرون الطريقة التي كان يفتتح بها دروسه: "آنساتي، سادتي، أنصتوا جيّداً، إن ما ستسمعونه سيغيّر حياتكم...". وبالفعل ما أن يغادروا دروسه حتى تتغيّر ألوان الحياة، وتصبح أكثر ابتهاجاً.
كان ميشيل سير رجلاً سعيداً، أو على الأقل كان يعمل على الظهور كذلك، مثلما كان يظهر، بمزاجية خالصة، شديد الانفعال. لقد وُلد نجماً مسرحياً، ولم يكن ينقصه سوى العثور على جمهور في مستواه، ويعتقد "سير"، في هذا المقام، أن موقعاً مثل "فيسبوك"، يوزع الفاعلية بالتساوي على الناس ويمنحهم أصواتاً ليعبروا عن أنفسهم فيما يشبه إنتاج روابط اجتماعية جديدة لم تنجح الأجيال السابقة في إنتاجها، وهو ما يرى فيه أساساً لعقد اجتماعي جديد سيكون نواة لحياة الأجيال المقبلة. وليس “فايسبوك”، في هذا السياق، هو الممدوح الوحيد، إذ أن "سير" يتوقف لدى هاري بوتر ومحطات القطارات المزدحمة وطرق التعليم الجديدة على الإنترنت والمستشفيات، كثيمات لحياتنا المعاصرة تساهم، مع ثيمات أخرى كثيرة، في تشكيل هذا العقد الجديد.
كان ميشيل سير من الأوائل الذين أدخلوا مفهوم "بنية" إلى حقل تاريخ الفلسفة، لكن لم يكن يطمع في أن يتمّ إقحامه في معسكر "البنيوية"، هو الذي كان يكره كل أشكال الموضة، وكان يردّد عادة أنه ابتداء من سن الثلاثين "على الفيلسوف الذي يحترم نفسه أن يكف عن قراءة معاصريه". "كان مسافراً كبيراً، ما سمح له أن يكون أيضاً سارداً مدهشاً للحكايات. كان فيلسوفاً، بل وحكيماً على طريقته الخاصة، ولهذه الأسباب سيبقى العالم يتذكّره"([8]).
ظهر أول كتبه، عام 1968، "نظام ليبتنز ونماذجه الرياضية" (منشورات جامعة باريس)، أطروحة الدكتوراة التي قدّمها حول فلسفة لايبنز، والأجزاء الخمسة التي وضعها حول هرمس، إله الاتصال لدى الإغريق، في بدايات تجربته، تشير إلى رغبة واضحة لدى الرجل في فهم العالم الذي يعيشه، فلسفياً. ليس عالم الأمس الذي شغل ميشيل فوكو، ولا عالم المفاهيم الذي شغل زميله الآخر جل دولوز.ثم انتقل إلى العاصمة باريس للتدريس في جامعة باريس 8 وباريس، كما أنه استأنف تأليف مجموعة كبيرة من الكتب، بلغت الستين كتاباً على الأقل.
  وَصَفَت جريدة "لوموند" الفرنسية (عدد 4 يونيو 2019) الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير، مباشرة بعد موته أول يونيو 2019، بأنه فيلسوف وأكاديمي محبّ للحياة وعقل موسوعي، ومالك لثروة هائلة من الكلمات، ومفكر كبير في التقاليد الشفوية([9]).
 


([1]) السيبرينطيقا هو علم التحكم في القوى الدقيقة (الكومبيوتر / الانترنت / الأقمار الصناعية / سفن الفضاء.. إلخ).
([2]) عز الدين بوركة – ميشيل سير فيلسوف العلوم – موقع معنى – الانترنت – 11/3/2020.
([3]) د. يوسف تيبس – فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين – موقع: أنفاس – 26/2/2009.
([4]) حوار مع ميشيل سير: التفكير سعادة عميقة – ترجمة: سعيد بوخليط – موقع الحدث – 1/7/2019.
([5]) د. يوسف تيبس – مرجع سبق ذكره .
([6]) حوار مع ميشيل سير: التفكير سعادة عميقة – ترجمة: سعيد بوخليط – موقع الحدث – 1/7/2019.
([7]) المرجع نفسه.
([8]) محمود عبد الغني – ميشيل سير: الفيلسوف الفرنسي جالب الأفكار – موقع ضفة ثالثة – 7 يونيو 2019
([9]) المرجع نفسه .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول