قصة الولايات المتحدة (26) – الحركة المدنية

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 26

الحركة المدنية

"كيف نعاقب هتلر؟ "، سأل أحد المراسلين شابة سوداء أمريكية قرب نهاية الحرب العالمية الثانية. "أعطوه وش دوكو أسود، وهاتوه هنا"، أجابت الفتاة بمرارة. هذه الإجابة جاء نتيجة معاملة الأمريكان للرجل أو المرأة السوداء كإنسانة من الدرجة الثانية.

النتيجة، هي أن يقال له "لا"، لا يمكنك الالتحاق بهذه المدرسة، أو الحصول على هذه الوظيفة، أو السكن في هذه الناحية، أو الجلوس على هذا المقعد في الأوتوبيس، أو هذه المنضدة في الحدائق العامة.

السبب؟ هو كون بشرتك سوداء. هذا ما نعنيه بالفصل العنصري. وهو فصل السود عن بقية المجتمع البيض، ورفض منحهم حقوقا متساوية، يتمتع بها باقي المواطنين.

في عام 1940، عشرة ملايين، من مجموع الأمريكان السود ال 13 مليون، كانوا لا يزالون يعيشون في جنوب الولايات المتحدة. هم في حالة فقر مدقع. لكن بحلول عام 1970، كان الوضع قد تغير كثيرا.

لقد صار مجموع السكان السود في البلاد الآن حوالي أربعة وعشرين مليونا. نصفهم في الولايات الشمالية. يعملون في المدن الصناعية الكبرى. لقد حدثت هجرة جماعية. أكثر من 4.5 مليون أسود جنوبي قد ركبوا الأوتوبيسات والقطارات متوجهين إلى الشمال وإلى كاليفورنيا.

كان عامل الجذب، هو وظيفة بأجر جيد في مصانع المدن الكبرى مثل شيكاغو، بيتسبرغ وديترويت. لكن كان هناك سبب آخر للهروب إلى الشمال والغرب.

الهروب ليس بالضرورة من الفقر فقط. الهروب ممكن أن يكون أيضا من الذل والفصل العنصري، الذي هو بمثابة هم يومي وغم دائم في الجنوب. وكما كتب أحد المهاجرين السود إلى الشمال: "أنا لا يهمني أين أذهب، طالما هو مكان أجد فيه آدميتي."

خلال الحرب العالمية الثانية، بدأ الفصل العنصري يتحطم، على الأقل خارج ولايات الجنوب. العامل الأسود، بدأ يحصل على أجر مناسب أكثر من أي وقت مضى، عندما كان يعمل في المصانع جنبا إلى جنب مع البيض في زمن الحرب.

الجنود السود لم يقاتلوا ويقتلوا في الحرب فحسب، ولكن كانوا ينامون جنبا إلى جنب مع رفقائهم الأبيض. "شيء واحد مؤكد"، كتب أحد المراقبين عام 1946، "أيام معاملة الزنوج كالأغنام قد ولت إلى غير رجعة".

الأميركيون السود أثناء الحرب

في عام 1940، كان الجيش الأمريكي لديه اثنان فقط من الضباط السود. القوات البحرية لم يكن لديها أحد. في سبتمبر من نفس العام، بدأت الولايات المتحدة في تجنيد الشباب في القوات المسلحة. قبل ذلك، أقل من 4000 أسود كانوا يخدمون في الجيش الأمريكي.

كان معظمهم في وحدات الدعم، حفر الخنادق وتحميل وتفريغ السفن والشاحنات، وتقديم الطعام. العديد من المجندين السود الشباب اعترضوا على هذا. "نحن نريد ان نكون جنودا وليس خدما".

دعم المجتمع الأسود بأكمله المجندين. كذلك فعل العديد من البيض، بمن فيهم إليانور، زوجة الرئيس روزفلت. لكن النظام تم تغييره. في 1 ديسمبر 1941، فتح الجيش والقوات الجوية الأمريكية، جميع أنواع المناصب للسود المؤهلين. بعد ستة أشهر، فعلت البحرية نفس الشيء.

خلال الحرب العالمية الثانية، وحدات قتالية سوداء حاربت في كل من أوروبا والمحيط الهادئ. وحدة واحدة منها على وجه الخصوص، فازت بإعجاب كبير. كانت هذه هي الفرقة المقاتلة رقم 332 للقوات الجوية الأمريكية.

في السماء فوق فرنسا وألمانيا، دمر طياروها 261 طائرة معادية، وفازوا بما مجموعه 904 ميدالية للشجاعة. في مارس 1945، منحت الفرقة بأكملها أعلى وسام استحقاق.

أصبحت الفرقة 332 ترمز إلى نضال كل السود من أجل المساواة. ساعدت إنجازاتها في زمن الحرب على إنهاء الفصل العنصري في القوات المسلحة الأمريكية.

في يوليو 1948، أمر الرئيس ترومان بالمساواة في المعاملة لجميع الأشخاص في القوات المسلحة دون اعتبار للعرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي.

أصبح نضال الرجل الأسود من أجل المساواة في المعاملة، معروفا باسم حركة الحقوق المدنية. وجاءت نقطة تحول قانونية هامة عام 1954، في قضية تسمى قضية براون وتوبيكا. المحكمة العليا أعلنت أن المدارس المنفصلة غير قانونية. ثم أمرت بأن الأطفال السود، يجب أن يلتحقوا بأي مدرسة يريدونها، أسوة بالأطفال البيض.

في سبتمبر 1957، حاول الطلبة السود التسجيل في المدرسة الثانوية للبيض في ليتل روك، أركنساس. فتجمع حشد غاضب من البيض لمنعهم. فأرسل الرئيس أيزنهاور قوات الجيش لفرض قرار المحكمة العليا الصادر عام 1954 وتم قبول الطلبة. هكذا بدأ صراع طويل من أجل المساواة في التعليم. لكنه لا زال يحدث بعد أكثر من ثلاثين عاما.

معلم آخر من معالم النضال ضد التفرقة العنصرية، جاء في 1 ديسمبر 1955. امرأة سوداء تدعى روزا باركس ركبت أوتوبيسا في الجنوب في مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، التي تطبق الفصل العنصري بحزم.

جلست في مقعد في الجانب الخلفي من الأوتوبيس، وفعلت ما يجب أن يفعله الراكب الأسود. لكن بعد ذلك، ركب مجموعة من العمال البيض وشغلوا القسم الأمامي من الحافلة. فأمرها السائق بأن تخلي مقعدها لأحد العمال. لكن المرأة السوداء، السيدة باركس، رفضت أن تعامل بهذه الطريقة المهينة. وأصرت على عدم تركها للمقعد.

تم القبض على المرأة السوداء. لكن كل السود في مدينة مونتجمري قاموا بدعمها والوقوف إلى جوارها. جمعية النهوض بالملونين الوطنية، ساعدت في اقناع القاضي بالإفراج عن السيدة باركس. ثم بدأت الجمعية حملة لإنهاء الفصل العنصري في كل البلاد. قاد الحملة رجل دين شاب يدعى مارتن لوثر كنج.

أول شيء فعلته الحملة، هو مقاطعة أوتوبيسات المدينة. استمرت المقاطعة لمدة عام كامل. إلى أن أعلنت المحكمة العليا في نوفمبر 1956، أن الفصل العنصري في الأوتوبيسات العامة، هو إجراء غير دستوري. وهذا ينطبق على أوتوبيسات مونتجمري.

نجاح مقاطعة أوتوبيسات مونتجمري، شجع السود في أماكن أخرى على العمل معا ضد الفصل العنصري. قاطعوا المتاجر التي ترفض تشغيل العمال السود، ورفضوا دفع الإيجار حتى يقوم الملاك بتحسين ظروف السكن، وجلسوا معتصمين أمام المطاعم التي لا تخدم الزبائن السود. بذلك، حققوا العديد من النجاحات.

ثم جاءت ذروة حركة الحقوق المدنية في 1963. في يوم حار من أغسطس من نفس العام، 200 ألف مواطن، أسود وأبيض، شاركوا في مظاهرة حاشدة في واشنطن، مطالبين بالمساواة العرقية الكاملة. في خطاب مؤثر ومثير، لمارتن لوثر كينج، وهو خطيب مفوه، قال للملايين الأمريكان الذين كانوا يشاهدونه على أجهزة التلفزيون في جميع أنحاء البلاد:

"لدي حلم، بأن يوما ما ستنهض هذه الأمة، وتعي حقيقة أن كل الرجال قد خلقوا متساوين. لدي حلم أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه، على تلال جورجيا الحمراء، أبناء العبيد مع أبناء السادة السابقين، معا على طاولة الأخوة. لدي حلم أن أطفالي الأربعة الصغار، سوف يعيشون في وطن، لا يقيمهم بلون بشرتهم، ولكن بأعمالهم وأخلاقهم."

في هذا الوقت، كان جون كينيدي الرئيس المنتخب. قد أبدى تعاطفه مع السود، وبدأ العمل على خطة لضمان أن جميع الأمريكان، من أي عرق، سوف يعاملون معاملة متساوية.

ثم أرسل خطته إلى الكونجرس، لكي تصبح قانونا. لكنه للأسف، قتل قبل أن يتحقق هدفه. خليفته، ليندون جونسون، جعل تمرير القانون في الكونجرس من أول أهدافه.

في عام 1964، أصبح قانون الحقوق المدنية قانون البلاد. وأعرب العديد من الأميركيين عن أملهم في أن يؤدي مرور هذا القانون، إلى بداية عصر جديد من التوافق العرقي والصداقة المتبادلة بين سكان الولايات المتحدة.

لكنهم قد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة. فالعنصرية مرض عميق الجذور، لا يمكن علاجه بسهولة، بقانون أو بمظاهرات ومسيرات. نحن في حاجة إلى تغييرات جذرية في ثقافة المجتمع وظروفه الاقتصادية الأساسية.

في 1960s، لا يزال معظم السود الأميركيين يسكنون في أسوأ مساكن، ويحصل أبناؤهم على أسوأ تعليم، ويتلقون أقل أجور بالنسبة لباقي الأمريكيين.

رفض البعض بازدراء أفكار قادة مثل مارتن لوثر كينج، والتي تطالب بأن السود والبيض يجب أن يتعلموا العيش جنبا إلى جنب، في ظل مساواة وصداقة بينهم.

هناك العديد من الفقراء السود، يستمعون إلى وعظ جاهل وكاذب، بأنك يجب أن تحب أعداءك. هكذا كان رأي زعيم المسلمين السود. " أي حمق هذا أن تحب عدوك؟"

المسلمون السود هم أقلية فقط. لكن باقي الأميركيين السود، بدأ ينفذ صبرهم، لعدم إحراز أي تقدم حقيقي نحو المساواة القانونية والاقتصادية. في حرارة منتصف صيف 1960s، تطور نفاد الصبر هذا إلى غليان وعنف.

في أغسطس 1965، في شوارع واتس، في لوس أنجلوس، أصبحت ساحة معركة. لمدة ستة أيام، الشرطة ومثيرو الشغب يتبادلان العنف بين السيارات المحترقة والمباني. أحرقت مساحة كبيرة، وقتل 34 شخصا وأصيب أكثر من ألف.

انتقلت أعمال الشغب في واتس، إلى شيكاغو، ديترويت، نيويورك، ثم واشنطن. التحقيق الحكومي ألقى باللائمة على نقص فرص العمل. لكن العديد كان يعتقد أن الأسباب أعمق من ذلك. عندما سئل زعيم أسود عن سبب العنف أجاب:

"إذا كان هناك رجلا يقف على إصبع قدمك، وأنت تستسمحه، وتتوسل إليه، وتناشده، وتفعل كل شيء ممكن، لكنه لا يستجيب لكل هذا. إذن من واجبك دفعه بالقوة."

في أبريل 1968، قتل مارتن لوثر كينج. لقد قتل رميا بالرصاص وهو يقف في شرفة فندق في ممفيس، تينيسي، من قبل قناص أبيض. تحول الكثير من السود الآن إلى منظمة القوة السوداء. منظمة القوة السوداء تؤمن بأن الطريقة الوحيدة للسود، هي الحصول على العدالة والمساواة بالقوة والقتال.

لكن في 1970s و 1980s، قرر معظم السود أن التصويت الانتخابي هو وسيلة أكثر فعالية لتحسين وضعهم. كانت فكرتهم، هي انتخاب السود لمناصب السلطة. في مجالس المدينة، ورئاسة بلديات المدن، وكأعضاء في الكونجرس.

"نحن بحاجة إلى 10 آلاف مرشح أسود لمناصب الدولة."، قال جاكسون، أحد زعماء السود، " ترشح، ترشح، ثم ترشح. إذا ترشحت، قد تخسر، أما إذا لم تترشح، فأنت خاسر بالتأكيد."

بحلول عام 1985، أكثر من 5000 من 50000، تم انتخابهم لشغل مناصب في الولايات المتحدة، كانوا من السود. شمل هذا عدد رؤساء بلديات في المدن الكبيرة، مثل لوس أنجلوس وشيكاغو وفيلادلفيا وواشنطن.

في عام 1988، جاكسون نفسه اقترب اختياره مرشحا للحزب الديمقراطي في انتخابات لنفس العام. وقد حصل على أصوات السود والبيض على السواء.

الأسود لون جميل

في 1960s، بدأ الأميركيون السود يفتخرون بأصولهم الأفريقية. أصبح من الموضة اتخاذ أسماء أفريقية، وارتداء ملابس أفريقية طويلة، وسترات أفريقية قصيرة. كما أصبحت تسريحات الشعر الأفريقية موضة للأمريكان السود. بعض الشبان البيض قاموا بتقليدهم أيضا. قبل فترة طويلة، بدأ يسمع شعار في أمريكا مكون من ثلاث كلمات: "الأسود لون جميل "

مسرح الرقص في هارلم.

لكن الفخر باللون الأسود والوعي العنصري، قد أظهرا أنفسهما في أكثر من اللباس والمظهر. المدارس أصبحت تدرس للأطفال السود التاريخ واللغات وعادات أسلافهم الأفارقة. واحدة من الأحداث الأكثر لفتا للانتباه، كانت مدرسة الباليه التي تأسست من قبل راقص شاب يدعى آرثر ميتشل.

في مدرسة ميتشل، وهو شاب من شوارع حي هارلم بمدينة نيويورك، ابتكر رقصة جديدة، تجمع بين تقنيات الباليه الأوروبي الكلاسيكي مع إيقاعات الطبول الأفريقية. في غضون سنوات قليلة، أصبحت تلك الرقصة، مشهورة دوليا، وعلامة مميزة لمسرح هارلم للرقص.

آرثر ميتشل كان راقصا، وليس سياسيا. أسلوبه في محاولة تحسين وضع رفاقه السود، كان مختلفا عن أسلوب مارتن لوثر كينج. ومع ذلك نظرته الأساسية لآمال الناس واحتياجاتهم، لم تكن مختلفة جدا.

"أنا اعتدت أن أكون مليئا بالغضب"، قال ميتشل لمراسل عندما زار راقصوا هارلم، مدينة لندن عام 1976، "لكن ليس أكثر من ذلك. الصراخ والزعيق لن يقوداك إلى شيء. لقد اكتشفت أن الأسود أو الأبيض، أو الأخضر أو الأرجواني، جميعها ألوان متساوية. الناس كلها متساوية، لا أنظر إلى نفسي كرجل أسود، أولا وقبل كل شيء. أنا مجرد رجل، حدث أن له بشرة سوداء. "

لكن معظم الأميركيين السود استمروا في مكانة أقل درجة من الأميركيين البيض. في أواخر الثمانينات البطالة بين السود لا تزال أعلى من البطالة بين البيض. متوسط الدخل بين السود أقل من البيض. وكذلك بالنسبة للصحة والتعليم.

هذا بالمرغم من تحسن وضعهم الاجتماعي كثيرا عما كان عليه قبل 1960s. أجزاء كبيرة من أحلام مارتن لوثر كينج عام 1963، كانت قد تحققت بالفعل. لقد درس السود والبيض جنبا إلى جنب في المدارس والكليات.

لقد عملوا جنبا إلى جنب في جميع أنواع المهن. كما ارتفعت أعداد من يتعايشون جنبا إلى جنب في نفس المناطق. كما كان يحلم مارتن لوثر كنج، يبدو أن الناس بدأوا يتعلمون الحكم على بعضهم البعض، بالسلوك والأخلاق، أكثر من مجرد لون البشرة.

ولقد رأينا عمدة مدينة نيويورك، ديفيد دينكينز، اسود البشرة. وحتى رئيس الجمهورية، أوراك أوباما، لفترتين. وحاليا، نائبة رئيس الجمهورية الحالي، من أصول أفريقية هندية. وغيرهم الكثير. لقد أصبح لون البشرة في الولايات المتحدة، لا يعني شيئا. حاليا، أو في الطريق لتحقيق ذلك.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي