إنحسار دورالطبقة الوسطي .

محمد حسين يونس
2021 / 4 / 26

كتب هيرودوت ((كان بمصر طبقين الفرق بينهما واسع)) ..لقد كان هذا هو واقعنا الذى إستمر بعد ذلك عبر الفين سنة و أكثر..
طبقة غنية متيسرة متنعمة متحكمة .. سواء كانوا بطالسة أو رومان أو عرب أو أتراك أو مماليك .. و أخرى شديدة الفقر و العوز و التخلف .. تجاهد كي لا تبيع أطفالها في سوق النخاسة .
فلسوء الحظ لم نمر بالمرحلة الإقطاعية بالمفهوم الأوروبي ..بمعني لورد ( مالك للأرض يعيش بها يتحكم في كل ما يتحرك داخل ممتلكاته و مسئول عن إعاشه و حماية و كفالة الأقنان الذين يعملون في الزراعة أو الرعي أو الحرف اليدوية مع الحرص علي إستمرارهم ينتجون ) في تحالف مع رجال الدين الذين يطوعون عقل و روح السكان ليرضوا بالضيم .. وما يصاحب هذا من سيادة مجموعة قيم و سلوك يتوارث جيل بعد جيل ..و أساليب حياة نابعة من علاقات قديمة مستقرة .. وإلتزامات واضحة من الإقطاعي تجاة (الحاكم) و تجاه باقي أفراد الرعية .
و لم نمر أيضا بمرحلة الرأسمالية الصناعية و تطوراتها .. بكل ما حملت من تعديلات في بنية المجتمع..و تغيير لوسائل الإنتاج الأساسية ..مع تحرير الأقنان.. وتدريبهم و تعليمهم و تشغيلهم في المصانع و الورش .. و ضمان سيادة قدر مناسب من الحريات يكفل للجميع بدساتير عادلة .. و قوانين يلتزم بها أرباب العمل وأصحاب المصانع وعمالهم الذين حصلوا بسببها علي مكاسب مهنية بعد طرق أساليب مختلفة للكفاح جعلتهم مستقرين أمنين علي حقوقهم .. معتمدين علي نقابات خاصة بهم تدافع عنهم .. و ترقب تطبيق ساعات العمل المتفق عليها .. والحصول على أجر عادل وعطلة أسبوعية وإجازة سنوية و رعاية في حالة المرض أو البطالة .
لم نشهد هذا المجتمع الجامح الذى يشجع الإبتكار و الإكتشافات الجغرافية .. و السعي خلف المواد الخام و الأسواق .. و ينافس عن طريق تطوير المنتج و تحسينة .. و تعديل مناهج و إسلوب الحياة بما يدفع للنمو و الترقي المستمر .
كان ركدنا دائما عند نوع من الحكم يصنف علي أنه (طغيان شرقي) ..عصبة متغيرة من المستغلين والمحتلين ..يسقط بعضها بعضا .. بالتأمر ويحل محله قسرا ..يحكموننا مستخدمين القوة و الإرهاب لإخضاع أفراد المجتمع ..و إبتزازهم ..و إستنزافهم .. دون أى محاولة لتطوير حياتهم أو تحسينها ..ما دامت الأمور تسير في طريق تحقيق مصالحهم والإبقاء علي نفوذهم و شذوذهم .
في بلدنا كان هناك دائما حاكم فرد ديكتاتور( سواء كان أجنبيا محتلا أو من أبناءها ) .. يحيط به بعض المنتفعين ..من أكيلة العيش الذين يؤدون أعمالا داعمة لسطوته خصوصا ما يتصل بالنهب والجباية ..أو القتل و التعذيب و السجن أو تسكين الشعب بطقوس و فتاوى نشر الخرافات و الأساطير .
لقد كان حكامنا بصورة مستمرة ..غير منتمين للبلد أو لأهلها .. حتي لو ولدوا وعاشوا فيها .. فهم إما أسر حاكمة أجنبية ( البطلمية و الطولونية و الإخشيدية و الفاطمية و أسرة محمد علي ) تتوارث العرش بما في ذلك تمليك الأطفال و الشواذ و المعاتيه
أو (والي) مفوض من قبل المستعمرين ( الرومان و العرب و الأتراك و الإنجليز ) يبقي لفترات صغيرة و يستبدل ..
أو إنكشارية مملوكية و عصابات من المرتزقة .. و اللصوص .. والفتوات .. إبتلينا بهم .. يتبادلون بالعنف وظائف كباررجال الدولة و جباة الضرائب .. و أمراء العسكر..ويفرضون إرادتهم بالقوة المسلحة .. و السجون و التعذيب .. مع التربح من الوظيفة .. و إهمال تطوير من يحكمون .. مع نزح ثروات البلاد للخارج .

الطبقة العليا المصرية لالفين سنة كانت دائما ما تتمثل فى الحاكم ( أو الوالي أو مندوب الإحتلال أو قادة عصابات المماليك و العسكر ) واسرهم وحاشيتهم ..
طبقة تحرص علي أن يكون ملاك الأرض ..و كبار موظفى الدولة وحكام الاقاليم منها ..كذلك القادة العسكريين أو أمرأء حاميات الإحتلال ..و تحرص علي التحالف مع الدعاة من كبار رجال الدين و رؤساء القبائل و العشائر تستميلهم بالرشوة و الهدايا و النفوذ .
في نفس الوقت كان لدينا طبقة واسعه من الكادحين المحليين لم يتغير حالها و بؤسها علي مر الزمن .. عمال زراعيين و حرفيين و صيادين و مراكبية.. و خدم .. و عبيد
هذة الطبقة الكادحة تفاوتت لديهم درجات الفاقة و البؤس..فلقد تميز منها شرائح هامشية ضعيفة .. فقيرة و لكنها أفضل حالا من المعدمين.. فهي تضم كل من له دخل شبه دائم ( حتي لو كان لا يكفي ) و يستطيع أن يجدعشاء يومه ..
و تتكون من صغار الموظفين ( الجباة و الإداريين و المساحين و القياسين و الكتبة ) و صغار الملاك للأرض الزراعية .. و الفنانين و الصناع و التجار ..و المشايخ و بعض المرتزقه من الجنود.. ومعلمي الحرف و الصناعات ( ورق ،زجاج ،مراكب، أقمشة ، أثاث، زيوت و سكرو صابون ) ..
هؤلاء الذين قد نطلق عليهم تجاوزا الشريحة العليا من الطبقة الكادحة كان يليهم قاع واسع رهيب من الفقراء شبه الأقنان..و العبيد .. وعمال الزراعة وصغار الحرفيين ..والصيادين ..والملاحين ..والرعاة .. والخدم و الأتباع .يعيشون علي الكفاف .
هذه التقسيمة الطبقية الشاذة ..التي فيها الأغلبية تشقي .. لإنتاج أسباب رفاهية عصبة أو عصابة حاكمة .. لم تتغير إلا قليلا في منتصف القرن التاسع عشر .. عندما كان الخديوى إسماعيل .. يحاول تحديث البلاد .. وتعديل نظام الحكم .. فإستعان بالمتيسر من المتعلمين و المؤهلين في زمن والدة..لأداء بعض الأعمال العصرية ..
عمالة مستحدثة لم تكن من الحكام أو المعدمين .. لتتوسع بذلك الشريحة العليا من الطبقة الكادحة و تصبح ( طبقة متوسطة ) .
الطبقة البازغة كانت ..تشمل بجانب من تعلموا بالخارج.. أو تملكوا أرضا زراعية .. الأجانب و المهاجرين واليهود الذين كانت لهم جاليات كبيرة في مصر منذ القرن الخامس ق.م و منتشرين في كل الارجاء و لهم دور ملموس في الحياة الإجتماعية و الإقتصادية خصوصا في الأسكندرية و تداول وتجارة القطن .
بكلمات أخرى كان المحتلين علي مر العصور .. منذ زمن الإغريق و البطالسة .. يرون أن المصريين عبيدا لهم ..يقمعونهم بواسطة حاميات عسكرية في طول البلاد و عرضها ..و أن عليهم( أى المصريين ) أن يعملوا في الزراعة والخدمات و الأنشطة الدنيا .. و يخضعون لسيطرة جهاز إدارى قمعي من أبناء الجاليات الأجنبية و المحتلين .
كانت هذه سياسة دائمة للمستعمرين في مصر و حتي عندما إستقلت جزئيا في زمن إبن طولون .. والبطالسة و الفاطميين و محمد علي ..لم تتغير .. كانت السخرة من نصيب المصريين .. و النعيم للحكام المفتريين .
البطالسة و الرومان إبتكروا هذا النظام ..و الإستعمار الإستيطاني العربي ..سار علي نفس السياسة..فإنتشرت قبائل عربية مهاجرة حول القرى و المدن .. تنشر الرعب و الذعر بين السكان المحليين و تخضع لوالي معين من قبل الخليفة ..و مسئول جباية .. يحلب العلقة و يرسل الفيء للمدينة أو دمشق أو بغداد
الإستعمار العثماني كرر نفس الأساليب و الأسباب .و الإستعمار البريطاني سار علي نفس النهج ..و لم يشذ عنهم ..إلا مضطرا .
فبعد منتصف القرن التاسع عشر مع التغييرات العالمية و إنفتاح أبناء محمد علي علي أوروبا ..توسعت الطبقة الوسطي وإزداد نفوذها و قوتها وتوجهاتها وإرتفع سقف أمانيها .. و في بدايات القرن العشرين بعد 1919 حدثت نهضة إدارية و فكرية و إجتماعية و سياسية صاحبها تغيرات إقتصادية جعلت من توليها ( أى الطبقة الوسطي ) الحكم أمرا حتميا و طبيعيا .
لقد حدث الأمر ببساطة .. فمع الحربين العالميتين و نتيجة لرغبة الإنجليز في تقديم الخدمات الضرورية لجنودها في المنطقة .. شجعت الطبقة الوسطي علي أن تنمو ويتعاظم تأثيرها على المجتمع فكان منها.. أرباب الصناعة و الإقتصادين و العسكريين و السياسيين و المفكرين و العلماء و الفنانين و و إنتشر التعليم في مصر أو الخارج .
الطبقة المتوسطة عندما تولت الحكم . قدمت أربعة إو خمسة نماذج تتناسب مع فكرها و ثقافتها و تعليمها و تجربتها .
النموذج الأول : الحكم الملكي الدستورى الليبرالي المشابه لما كان يحدث في أوروبا الغربية و منقول عنه
النموذج الثاني :الدولة التوتالية المركزية القومية المشابهه لخلطه من النازية مع الستالينية مع الطغيان الشرقي
النموذج الثالث : الدولة التابعة المنبطحة ..المنفتحة علي السوق العالمي ..اسلامية التوجهات .. و أمنية الإدارة .
النموذج الرابع : الدولة المسحوقة الهوية داخل الخلافة الإسلامية المرتقبة ..و التي تقودها عناصر متطرفة دينيا و تقترب من الشكل الإيراني الذى فيه الحكم للفقية .
ثم أخيرا و منذ سنوات لا تزيد عن أصابع الكف الواحد
النموذج الخامس: جمهورية من جمهوريات الموزالتابعة لامريكا يحكمها كومبرادورات من ألمليارديرات و المليونيرات العسكر .. يتحكم في إقتصادها صندوق الدين ..و مافيا القروض ..و المشاريع التي يتولي إدارتها ضباط ومنعدمة الجدوى .
بمعني أن الطبقة الوسطي بعد أن حكمت مصر منذ معاهدة 1936 و حتي اليوم .. جاءت إقتراباتها للأسف كلها عاجزة عن عدم فهم طبيعة العلاقات في المجتمع المصرى و إحتياجاته للحرية و الديموقراطية و التنمية وتقديم العون لحل مشاكلها القومية الزمنة.
الطبقة الوسطي عندما حكمت إستمرت ..خصوصا بعد الإنقلابات الميرى ..تسير علي النهج القديم تضع العقبات أمام تطور مجتمعها .. ولا تحسن القيادة أو تقدم حكم رشيد.. و تفاقم من مشاكل الفوارق الطبقية
لقد ترددت .. و تلعثمت .. و خافت علي كراسي الحكم ( من القوى الخارجية أو الداخلية ) فوقفت في المعسكر المضاد لأماني الناس ..
السبب في ذلك يعود إلي أن العوامل التي شكلت ثقافتها كانت في أغلبها مستعارة من مجتمعات أخرى دون أن تضع في الإعتبار .. تغير البيئات و الزمن .. و الظروف التي أنتجت تللك الرؤى و الفلسفات .
مبررات توهة الطبقة الوسطي و هي علي كراسي الحكم .. قد نجملها في الأتي :
أولها .. ذاتي ، بمعني أن هذه الطبقة بحكم أصول نشأتها ارتبطت بالاستعمار الاوروبي وضمت العديد من المهاجرين المتمصرين الذين متــَّنوا من قوى هذا الارتباط فجاءت طبقة عقيمة غير قادرة علي الابتكار ومراكمة الخبرة (كما حدث في اليابان والهند والصين ) بل حرصت علي التقليد والنقل (فيما نسميه عقدة الخواجة)
والثاني ..خارجي فالتغيرات التي شهدها العالم من حولها كانت جذرية وعميقة وكان من الصعب علي طبقة هشة مثلها حديثة التكوين تعتمد في الاساس علي السلطة التي يمنحها لها كرسي الوظيفة لا علي بنية إقتصادية داعمة .. الفكاك من هذه التغيرات فدارت في فلكها .
بكلمات أخرى عندما إنتهت الحرب العالمية الثانية كانت هناك أربعة تيارات ثقافية رئيسية تحكم فكر وتوجهات الطبقة الوسطي المصرية
- التوجه الرئيسي والكاسح بين مثقفي الطبقة كانت الافكار القومية الاشتراكية ( النازية الفاشيستية ) سواء تلك (المصرية )المرتبطة بتاريخ مصرى بعد أن تعرفوا عليه حديثا عند فك طلاسم اللغة القديمة او مستوردا نقلا عن مثقفي الشام والعراق الذين عانوا من الاستعمار وسحق الهوية العثماني فإخترعوا (القومية العربية )
- التيار الآخر الأقل في قوته كان الماركسية أو الشيوعية الأممية المرتبطة (بستالين) الذى حقق إنتصارا ساحقا علي الالمان وظل يلاحقهم حتي دخل برلين ..
لقد كانت هناك أحزاب شيوعية لها خلاياها علي أرض الواقع تؤمن بان (علي عمال العالم أن يتحدوا) ورغم مطاردة الملك لهم والانجليز الا أنهم كانوا يأملون أن يبنوا وطنا علي شاكلة سوفيتات (ستالين) ويحققون مثل إنتصاراته علي الامبريالية العالمية ولكنهم للاسف لم ينجحوا الا في تقليد هيئته وزيه وأسلوبه في التعالي علي الامبرياليين وإنتهي الامر بهم بناء علي توجيهات خورشتشيف إلى الاندماج في الاتحاد الاشتراكي والتنظير له .
- التيار الثالث كان تيارا سلفيا مسيحيا و اخر إسلاميا .. يرى كل منهما أنه علينا الحذر من الغرب و تبعيته وأن علينا أن نقيم مجتمعا له خصوصية (يراها كل تيار بتصوره )
المسيحيون يرون انهم اقباط وعليهم التمسك بكنيسة تضم عشرة اوعشرين مليونا و تجنب أن تبتلعهم كنائس تضم المليارات فتقوقعوا علي ذاتهم دون أى تطوير،
اما المسلمون فقد كان تيارهم السلفي ضعيف الصوت مرتبط بافكار قادمة (أيضا) من الخارج يروجها المسلمون الهنود (الباكستان ) والافغان ويرعاها (ابناء عبد الوهاب ) في الجزيرة العربية ولا تجد الا الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة لينتشر بينها فكرهم مسيطرا علي أفرادها بواسطة المساعدات الاقتصادية والاجتماعية (التي كرست في النهاية انفصاما مذهبيا لا زال قائما بحدة بعد أن تدخلت اموال الخليج تدفق بكرم مشكوك في دوافعه)
- اما التيار الليبرالي الذى تبناه حزب (الوفد) و رواد عظام مثل شبل شميل وسلامة موسي وطه حسين ولويس عوض .. فلقد كان الجميع ينظرون إليه بارتياب علي اساس انه (خصوصا بعد تضخيم أحداث 4 فبراير 1942 الشهيرة ) يتوافق مع الاستعمار و أعوانه و فلسفاته و حرياته المشكوك في صلاحيتها ( في تصورهم ) لمجتمع مقفل لم يشف بعد من آثار إنغلاق الفقهاء ..
الطبقة الوسطي تحت الحكم الناصرى ( 1954 – 1970 ) توسعت بشكل سرطاني علي حساب ملاك الأراضي و ارباب الصناعات ..و ضمت شرائح متعددة .. من الفلاحين الذين تمتعوا بالإصلاح الزراعي .. و المهنيين و العمال الذين عملوا في المصانع الجديدة ..و الموظفين الذين ملأوا دواوين الحكومة .. و كلهم محكومين بإرادة الحكام .. لا يسمح لهم بالنمو أو الخروج عن محدداتهم الطبقية .
في نفس الوقت إنخفضت معدلات الفقر و أعداد المعدمين .. وزادت المدارس و الوحدات الصحية ..والأجهزة الثقافية ( كونسرفتوار و معهد بالية و مسرح و سينما ) و زاد تفوذ القوة الناعمة المصرية و إنتشار الفن المصرى في الدول المحيطة الناطقة باللغة العربية
ولولا العثرات المتتالية التي هزت دعائم النظام. لتحقق مجتمع شبيه بدول المعسكر الشرقي تحت نفوذ الإتحاد السوفيتي .
بدأت العثرات الاولي مع الهزائم العسكرية في معارك ضد الصهاينة المحتلين فلسطين منذ 1947 ( وإعتبر الشعب أن الذى هزم هو الملك وأسلحته )
ثم هزيمة أخرى في بورسعيد عام 1956 ( وإعتبرها الشعب إنتصارا بعد تهديد بولجانين وأوامر أيزنهاور وإنسحاب العدوان ) ..
ولكن مع عام 67 وهزيمتين في اليمن و سيناء إنتهت علاقة الطبقة الوسطي الطيبة بعسكر الانقلاب .
لتسقط ممثليها (من الناصريين بتوجهاتهم الفاشيستية) وتبحث عن وجوه أخرى(إنفتاحية تتوافق مع السيد الجديد الامريكي ).. لديها القدرة علي أن تحتفظ للطبقة بمكاسبها منذ أيام إسماعيل حتي أيام الفاروق .
ولكن للاسف، كما تفسد السمكة من الرأس أفسد الوجه الآخرللطبقة المتوسطة المهزومة مجتمعها إفسادا كاملا كان من الصعب أن يقوم به أعدى أعداء الوطن .
الطبقة الوسطي التي عرفناها قائدة في منتصف القرن العشرين تفسخت، تميعت، توحشت وأصبحت تضم عاهات خلـّفَها وجهين متتالين دفعت بهما للحكم كان كل ما يهم افرادهما هو الكسب خصوصا غير المشروع او المُتحَايَل عليه ..لقد ترهل وفسد الجهاز الادارى ففسد المجتمع فاصبح معرضا لهجوم أصحاب دولارات الجاز وشراء الذمم والتلاعب بالشعب باسم الدين .
الطبقة الوسطي التي نشأت مع إنفتاح إسماعيل وجده علي اوروبا إكتسبت ثقافتها و إسلوب حياتها من نماذج مجتمعات خارجية وفقدت القدرة علي الابتكار والتطور وأصبح همها الأوحد هو الحفاظ علي كراسي الحكم بين براثنها تبدل الوجوه ببساطة فعندما تجد أن الجماهير علي وشك الكفر بقياداتها تقدم عبد الناصر بدلا من فاروق الفاسد والسادات بديلا لعبد الناصر المهزوم والمبارك العسكرى البطل بعد إغتيال الخائن .. ليحافظ الأخيرعلي مصالحها بركود المجتمع وتحوله إلى بحيرة آسنة تمتلئ بالعفن والضواري،
وعندما ينتهي صبر الشعب من سوء الاحوال تقدم الطبقة له طنطاوى وشلة منتفعيه كوجوه عسكرية جديدة لتستبدل فورا بالمرشد على أمل أن يكون ممثل زقاق الاسلامجية في الشارع السياسي المصرى أكثر مهارة وقبولا ..
وعندما يحدث العكس وتقوم القيامة ضد سياسته الرجعية المتحجرة تقدم الطبقة وجه قاضي مبتسم ورئيس وزراء من الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف .. لنعيش فترة إنتقالية أخرى تلتقط فيها الطبقة انفاسها و تعيد تفنيط اوراق اللعب و لتتحفنا بتشكيلة جديدة من وجوه ذات قبول عسي أن تهدأ ثائرة المهتاجين.
إذا نظرنا اليوم إلى ساحة المجتمع بعد خمس سنوات من تطبيق إرشادات البنك الدولي و صندوق الدين فيما يسمي بالإصلاح الإقتصادى ..لا نجد طبقة وسطي لها عطاء مماثل لعطاءها منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر حتى العقد السابع من القرن العشرين،
لدينا طبقة ثرية متخمة من نهب أموال القروض و عمل مشاريع وهمية لا قيمة لها ..مشغولة بإظهار ثرائها منعزلة عن المجتمع لا تتفاعل معه
وأخرى مطحونة تعيش على حافة المجتمع مشغولة بتوفير أساسيات الحياة، و ما بينهما طبقة تأكلت تحت ضربات المليونيرات و سياستهم .
لقد أضناها التكلفة الفلكية للحياة .. بعد أن أصبح لكل خدمة ثمنا مضاعفا لعشرات المرات ..فحدثت حالة من الانعزال التام بين طبقات المجتمع،
فأبناء الطبقة العليا صاروا يدخلون نظم تعليمية تغربهم تماما عن باقى الطبقات وتعد نسبة كبيرة منهم للهجرة خارج البلاد، وعزلوا مساكنهم فى «كمباوندات» داخل أسوار لها بوابات تمنع دخول السوقة و الدهماء
ويرفهون عن أنفسهم بمعزل عن باقى الشعب، فبعد أن كانت المصايف تتراوح طبقيا بين المنتزه وميامى والأنفوشى صارت تنقسم إلى الجزر اليونانية ومارينا والمصايف الجماعية للشركات.
إنها خمس سنوات فقط .. وضع الضباط الذين يحكمون مصر المسمار الأول في نعش الطبقة الوسطي .. بما يسمي الإصلاح الإقتصادى الذى خسف بقيمة الجنية الأرض .. و غير المقاييس الإقتصادية لحلب المصريين عن طريق الضرائب و الأتاوات .. و إقترض ديون متلتلة ..تستهلك خدمتها أغلب الموازنة .. وأقام مشاريع لا قيمة لها و لا تهم إلا شريحة جديدة بدات تتبدى .. من بين أبناء الطبقة الوسطي يمتلكون الملايين و المليارات .. و يغيرون المجتمع في إتجاه تحكم رأسمالية طفيلية كومبرادورية ريعية عسكرية .. لتعيد الموقف إلي المربع صفر .. حيث يتكون في مصر الطبقتين اللتين تكلم عنهما هيرودوت الفارق بينهما رهيب .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول