تأمّلات في الإِسْلام و القرآن 1 محمّد و دونيّة المرأة في الإسلام

سهيل أحمد بهجت
2021 / 4 / 26

تابعوني على تويتر @SoShow11 و اشتركوا في قناتي على يوتيوب https://www.YouTube.com/c/SohelBahjat
في عصر العِلم و التطور حيث الإنترنت و الكومبيوتر و التطبيقات البرمجية البحثية متوفرة بالعشرات ، أصبح الدّفاع عن النّصّ الديني – و ليس هذا الكلام حصراً بالإسلام طبعا – واحداً من أصعب الأمور على المؤمنين لأنّ هذه النّصوص المقدسة و تفاسيرها أصبحت متاحة لأبسط الناس و يمكن للباحثات و الباحثين مقارنتها بكل سهولة.
من هذه المسائل الّتي أصبحت فاضحة و مثيرة للإحراج للدعاة و رجال الدعوة الإسلامية – و للدّاعيات الإناث خصوصاً – هي مسألة الحطّ من كرامة المرأة و نزع أي قابلية ممكنة لها لاتخاذ قرار حتى فيما يتعلق بأبسط و أتفه أمور الحياة. و الآية 34 من سورة النساء تحديداً تعتبر النّص التأسيسي لعلاقة اللا تكافؤ بل و علاقة الهيمنة الذّكورية على المرأة الّتي تمّ تدشينها و تطبيقها – و لا يزال – طوال 1400 سنة. النصّ التأسيسي الفقهي الأعلى في الإسلام هو القرآن طبعا و لكن هذا القرآن محاط بشروحات و أسباب نزول تقيد الآية نفسها بحيث لا يمكن إييجاد تأويل جديد لها – و أي جديد هو بِدعة و ضلالة طبعا حسب الفقه المتزمت – و تصبح الآية نفسها مجرد متن "بلاغي" جامد يخدم نمطاً غير متغير في الفكر الدّيني المتوارث.
قبل أن نورد الآية و نناقشها من خلال منظور فقهي ، علينا أن نراجع السّبب الّذي من أجله نزلت الآية. ينقل الطّبري في تفسير الآية 34 من سورة النساء "حدثنا الحسن: أنّ رجلا لطمَ امرأته، فأتت النبي صلعم ، فأراد أن يُقِصّها منه، فأنزل الله:"الرجالُ قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم"، فدعاه النبيّ صلعم فتلاها عليه، وقال: أردتُ أمرًا وأراد الله غيرَه." (الحديث 9304 في تفسير الطبري) و ينقل أيضاً عن عدة رواة بنفس المعنى و يضيف في الحديث 9307 "عن الحسن: أنّ رجلا من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلعم بينهما القصاص، فنزلت: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [سورة طه: 114] ، ونزلت:"الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضَهم على بعض".
أسباب النزول هذه تظهر بما لا يقبل الشكّ أن آية القوامة إنّما كان هدفها الواضح و الصريح ، و الذّي ناقض ما أراده محمّدٌ بداية في المساواة بين الذكر و الأنثى ، هو إلغاء أي نوعٍ من المساواة بين الرّجل و المرأة بل و تحويلها إلى تابع للرّجل و بشكل يؤسس لإهانتها لكي تضطر إلى القبول بالأمر الواقع. هذه النّصوص طبعا هي أحكام تعسّفية و لا تمتّ للطبيعة بأي صلة ، لكن رجال الدين يحاولون – و دون الاستناد لأي دليل علمي – إسناد هذا "التفاوت" بين الرجل و المرأة للطبيعة كما سنرى. نشرت مجلة "الجامعة الإسلامية" في المدينة المنورة في عددها 128 الصادر 1425 هـ. الموافق 2004 م. مقالاً بعنوان: "النشوز بين الزوجين" للدكتورعايد بن عبد الله الحربي و هو أستاذ مساعد في كلية القرآن في نفس الجامعة و مقاله المطوّل يجسّد بحق كل التحيزات الممكنة ضد المرأة و كلّ ما يمكن لتعظيم سلطة الرّجل و جعله بمثابة صاحب سلطة "إلهية" على المرأة.
يزعم الحربي أن الله و القرآن عبرا عن خطتهما الإلهية لنزع الخلاف و "النشوز" بين الزوجين في أسلوبٍ يوحي و كأنّهما متساويان أمام الحاكم الشرعي بينما هما في الواقع لا يتساويان البتة في شريعة محمّد. فالحربي يحيل للآية 128 من سورة النساء {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} و هي آية لا توحي بكثير من التعاطف تجاه المراة الّتي تشعر أو تجد زوجها يسيء في معاملتها أو يبدي سخطه تجاهها. الحربي و غيره يحيلون للآية مع أنها لا تقدم للمرأة شيئا.
بينما نجد الآية التي تتحدّث عن خوف الرجال من سخط زوجاتهم و نشوزهن تقدّم عدة حلول و طرق و أساليب لليّ عنق المرأة و جعلها خاضعة بالتمام حيث تقول الآية 34 {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} فهذه الآية تعلن مقدّما أن للرجل حقّ القيمومة و أن هذه القوامة مصدرها الله و أن للرجل حقّ اتخاذ الإجراءات – لمجرد الخوف من تمرّد المرأة عبر "الوعظ" (كأنها على وشك المعصية) و هجر معاشرتها جنسيا – و طبعا الرجل في الإسلام لديه خيارات جنسية متعددة على عكس المرأة – و أيضا يبيح له ضربها. فالحربي يقول " وذلك بأمر كلٍّ من الزوجين بالقيام بحقوق الآخر واحترامه، وتلافي أسباب الفتنة والاختلاف، فأمر الزوج - عند خوفه نشوز زوجته - بوعظها ومناصحتها وتذكيرها بحقه عليها، ثم بهجرها في المضجع إن لم تستجب لوعظه، ثم بضربها إن ألجأته لذلك ورآه ناجعًا في إصلاحها وتأديبها، كما أرشد المرأة - عند خوفها نشوز زوجها - إلى مصالحته بما تراه يستجلب رضاه، كأن تتنازل له عن بعض حقوقها عليه، أو تدفع له شيئًا من المال تستعطفه وتستميله به مقابل أن يبقيها في عصمته" (ص 15)
فكما ترى ، لكي تحاول المرأة أن تبعد عن نفسها سوء المعاملة و الإيذاء فهي لا تملك سوى أن تتخلّى حتى عن أبسط حقوقها حيث يقول الحربي نصّا "- إلى مصالحته بما تراه يستجلب رضاه، كأن تتنازل له عن بعض حقوقها عليه." بمعنى أنها إضافة إلى كونهن بلا حقوق ، يمكن لزوجها أن يستخلص منها جزءا من مهرها – مثلا – كما هو واضح من كلام الحربي. ليس هذا فحسب ، بل مُنعت المرأة حتى عن وضع هذا الحكم محطّ تساؤل كما ينقل الحربي عن أن آية ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء 32) إنّما كانت جوابا لاعتراض أمّ سلمة – إحدى زوجات محمد – حيث اعترضت بالقول: "يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث" (مسند أحمد 6/ 322) فهي تشهد بأنّ هذه الأحكام بالفعل تضيف قيوداً على أحكام سبقت ، و كأنها كانت تستغرب هذا المنطق الظالم من نبيّ يُزعم أنّه نبي العدالة.
يحيل الحربي إلى هذا التساؤل من قبل النساء ، أمّ سلمة أو غيرها ، كان بالأحرى يشمل قضايا أخرى أيضا اعتبرها محمّد تفضيلا للرّجال على النّساء كـ"الميراث، والغزو، والإمامة، والشهادة، والدية، والولاية في النكاح، والطلاق، والرجعة، وغيرها.." (ص 18) و هي كلها أحكام و مسائل لا تتعلّق مطلقاً بوظائف طبيعية أو حتى متعارف عليها خارج مجتمع الإسلام ، بل هي أحكام اختصّ بها الإسلام عن غيره من الأديان و الاستدلال بها ضد ما طرحته أمّ سلمة من تساؤل منطقي هو إجحاف لا منطقي يستدلّ على صحة القانون المحمدي المتحيز للذكور بنفس التشريع و القانون. فالظلم في الميراث لم يكن موجوداً قبل الإسلام بين العرب بالصيغة الّتي أسسها الإسلام بدليل أنّ خديجة هي الّتي عيّنت محمدا كوكيل لتجارتها في الشّام و أيضا مسألة الغزو و الإمامة الّتي قصرها محمد على الرّجال هي أيضاً أحكام لا علاقة لها بالسّنن الطبيعية و يمكنك قياس الأحكام الأخرى على نفس المنوال.
لا يكتفي الحربي بهذا بل ينقل عن محمد علي السّايس قوله "وقوام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر، بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوام على امرأته، كما يقوم الولي على رعيته بالأمر والنهي، والحفظ والصيانة." (الحربي ص 18) فالعلاقة بين المرأة و زوجها في الإسلام ، و بينها و غير زوجها من المحارم كالأب و الأخ ، هي علاقة مرؤوس برئيسه ، و في الإسلام يمتلك هذا الزوج ذات السلطات المطلقة الّتي يمتلكها الحاكم (سواءٌ كان خليفة أو ملكاً أو أميراً) بحيث يحتكر كلّ قراراتها كما يحتكر هؤلاء الحكّام جميع صلاحيات الحكم. إنّ وضع هكذا تشريعات ذكورية لا تستهدف النساء أو المرأة فحسب ، بل تستهدف المجتمع ككل لأن ترسيخ مبدأ الاحتكار في الأسرة إنما هو إجراء يتجاوز الأسرة ليشمل احتكار السلطة الّذي تجسّد بوضوح في صلاحيات محمّد المطلقة و كذلك خلفاءه ، سواء الأربعة الّذين تعاقبوا من غير وراثة ، أبو بكر و عمر و عثمان و علي الّذين جسّدوا مرحلة "ديمقراطية الذّكور" ، أو السّلالات المتعاقبة كالزّبيريين و الأمويين و العباسيين و الفاطميين و العثمانيين و الصفويين الذّين جسّدوا مرحلة "استبداد الذّكور". هذه العصابيّة في الحُكُم تجسِّد و إلى اليوم نزعة محمّد لاحتكار المرأة و السّلطة.
يضيف الحربي: "وعلى هذا فقوامة الرجل على المرأة تستلزم رعايته لها، وتربيتها، وإصلاحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالبًا، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها، يضاف إلى ذلك أنه دفع مهرًا لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها." (ص 19) نجد في هذا الكلام كمّا هائلا من التعسّف و الإضرار بالمرأة بناءا على أحكام مسبقة ، كعادة العقل الدّيني ، متناسياً أن هذه الأحكام الّتي تعامل المرأة كطفل غير قابل للبلوغ هي من جملة الشّريعة الذكورية ذاتها. فالحربي يدرك أنّ هناك في الطبيعة استثناءات غير قليلة حيث نعثر على نساءٍ أذكى من كثير من الرّجال و ما كثرة المرويات الحديثية عن عائشة إلاّ دليل سذاجة هذا الزّعم حيث يقول " عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالبًا" و الشكّ واضح في قوله بسبب استعماله كلمة "غالبا" التعسفية ، فهو أضاف هذه الكلمة لعلمه و يقينه أن هناك أمثلة لا تحصى من تغلّب النّساء على أزواجهن في الذّكاء و الفطنة و إيجاد الحلول السريعة للمشاكل الّتي يواجهانها في الحياة ، و أيضا التجربة الإنسانيّة حافلة بالملكات و الأميرات و السّياسيّات و الأساتذة السّيدات و رئيسات الوزراء و في عالم العمل و جني المال ما يسحق هذه المزاعم الذّكورية الّتي تمّ تغليفها بغلاف القداسة.
و الحربي يُدرك ما قلناه آنفاً فيقول: " وهذا لا يعني انعدام تلك الصفات في النساء، لكنها في الرجال أقوى وأكمل وأتم. فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد. ثم إن تلك القوامة إنما استحقت بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر." (ص 19) فما يسمّيه هو بالفطرة ليس سوى المعتقد الشخصي لبدويّ كان يرعى الغنم في شعاب مكّة في القرن السّابع الميلادي و هو يناقض كلّ المنجزات الحديثة للمرأة و لكنّها قابلة للتطبيق في الدّول الإسلامية لأنّ هذه الدّول في الغالب تجبر النساء على اتخاذ نمط حياة محدد و قبول موقعٍ هامشي – تعسّفي – لا يمت للطبيعة و الفطرة بصلة. و ما يسمّيه بـ"الفضل" لا يعدو أن يكون دورا باطلاً في الاستدلال بفضيلة الرجال على النساء استناداً إلى الشّريعة و الحكم الشرعي الّذي هو موضوع النقد هنا.
و يكرّر الحربي نفس الحكم التّعسفي بالقول في ص 20: "فالرجال أقدر على الكسب والتحصيل والتصرف في سائر الأمور، فلأجل هذا كانوا هم المكلفين بنفقة النساء ورعايتهن وحمايتهن، والقائمين بأمر الولاية والرئاسة عليهن." إذ أن قوله أنّ الرّجال أقدر على الكسب و التحصيل و التصرف هو استنتاج يناقض سيرة محمد ذاتها – كما أشرنا – إذ من المعروف أن محمد عمل في خدمة خديجة (أنظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن و السّنّة ج 1 ص 214) و أنّه لولا هذه المرأة لبقي محمد فقيرا و بلا أبناء – إذ أنّ محمدا يعترف بأنه حرم من الإنجاب من غير خديجة (أنظر البخاري حديث 3821 ومسلم حديث 2437). فكما ترى ، الفقه الإسلامي و تحديداً فيما يتعلق بأحكام النساء قائم على أحكام ذكورية مسبقة تناقض الاستنتاج العلمي و تناقض الطبيعة البشرية.
و بعد أن ينقل عن الصابوني و شروحه في أحكام القرآن ، و هي أحكام توافق مزاج الحربي التقليدي و الذّكوري ، يضيف الحربي في ص 21: "والحاصل: أن الرجل أكمل من المرأة، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والدنيوية، والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض، وغير ذلك من الأعمال والصنائع." فهذا التعميم ، الّذي لا يختلف كثيراً عن تعميمات القرآن السطحية و السّمجة ليس بحق المرأة و الرّجل فحسب ، بل حتى في تعامله مع طوائف دينية و مجتمعات بأكملها.
ها هو "الدكتور" عايد بن عبد الله الحربي يضيف (ص 21) في عكسٍ واضح لمجتمعه الذكوري على أحكام يريد أن يوحي لنا بأنها جزء من الفطرة – الكلمة الّتي تعني طبيعة الإنسان الأصلية في الفقه – حيث يقول: "كون الولايات كلها مختصة بالرجال، وكذا النبوة والرسالة، وباختصاصهم بالجهاد البدني، ووجوب الجماعة والجمعة ونحو ذلك، وبما تميزوا به عن النساء من العقل والرزانة والحفظ والصبر والجلد والقوة التي ليست للنساء، وكذلك يده هي العليا عليها بالنفقات المتنوعة، بل وكثير من النفقات الأخر والمشاريع الخيرية." فهذه الامتيازات لم تكن حصراً بالرجال إلا بفعل قهري و بأحكام ذكورية مسبقة و لو أخذنا احتقار الإسلام لدم الحيض مثلا – و هي فكرة مستقاة من عقيدة اليهود في الطهارات – سنجد أنّه لو كان الإسلام قرّر أن دم الحيض و حالة الحيض هي حالة طبيعية و لا ينقص من إيمان و دين المرأة في شيء ، لكانت أحكام الفقه اختلفت كليّاً ، لكن لأنّ محمد كان يجهل – رغم ممارسته المستمرة للجنس – طبيعة المرأة و طبيعة التكاثر البشري.
فاختصاص النبوة بالرجال مثلا هو حكم مسبق لا يستند إلى دليل علمي و حتى القرآن يناقض هذا الطرح في الآية 7 من سورة القصص التي تنصّ قطعاً أنّ الله أوحى إلى أمّ موسى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) و طبعاً فإنّ هذا النّص الصّريح في أنّ أمّ موسى تلقت الوحي لم يعجب هؤلاء الذكوريين و كان لا بدّ من إيجاد تأويل يناسب مزاجهم ، فنجد في تفسير الطبري إشارة و روايات إلى أنّ هذا الوحي ليس في الحقيقة وحيا ، فيروي "عن قَتادة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وحيًا جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة، أن أرضعي موسى" بينما نجد القرطبي أكثر وضوحاً في محاولته إبعاد النبوة عن النساء و اختصاصها بالرجال فيقول في تفسيره لهذه الآية: "وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْوَحْيِ إِلَى أُمِّ مُوسَى، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ قَوْلًا فِي مَنَامِهَا وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِلْهَامًا وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ بِمَلَكٍ يُمَثَّلُ لَهَا، قَالَ مُقَاتِلٌ أَتَاهَا جِبْرِيلُ بِذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا هُوَ وَحْيُ إِعْلَامٍ لَا إِلْهَامٍ وَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً" (تفسير القرطبي ج 13 ص 250) لكن الواضح من تفصيل "الأمر الإلهي" لأمّ موسى أنّه بالفعل كان وحي نبوة و حسب قول مقاتل كما ينقل القرطبي في الاقتباس أعلاه فقد تمّ هذا الوحي لأم موسى عبر جبريل ، وهو الملاك الّذي كان يوحي لمحمّد ، و هؤلاء يقعون في إشكالات عظيمة و تناقضات صارخة لأنّ مريم – الّتي سمّاها القرآن خطئاً ابنة عمران – أيضا تلقّت وحياً حسب القرآن من مجموعة من الملائكة (آل عمرآن 45) ، كما أنّه من الجدير بالذكر أن قصة موسى و رميه في النهر إنما أخذها اليهود من أساطير الأكديين حيث ينجو الملك سرجون الأكدي – حينما كان رضيعا – من أن يُقتل على يد الملك و ليصبح خادم الملك و ساقيه كما يشرح السايكولوجي العظيم سيغموند فرويد في كتابه "موسى و التوحيد".
و يضيف الحربي (ص 21-22): "فعلم من ذلك أن الرجل كالوالي والسيد على امرأته، وهي عنده أسيرة عانية تحت أمره وطاعته، فليتق الله في أمرها، وليقومها تقويما ينفعه في دينه ودنياه، وفي بيته وعائلته، يجد ثمرات ذلك عاجلًا وآجلًا، وإلا يفعل فلا يلومن إلا نفسه" و الواضح من هذا الخطاب و كون المرأة (الزوجة) أسيرة عانية عند زوجها حسب هذا الفقه ، أنّ هذه العلاقة الزوجية في الإسلام هي علاقة تغلّب و غصب و اعتداء ، لذلك لا نجد عجباً من أن النساء يعانين أكثر في الدّول الإسلامية الّتي تحتكم إلى الإسلام و شريعته التغلّبيّة الذكورية – كالسّعودية و إيران و باكستان و أفغانستان و العراق - عن تلك الدّول ذات الأغلبية المسلمة الّتي لا تهتم أو تهمل الشّريعة و تحتكم إلى القوانين الحداثية العلمية كتركيا – قبل إردوغان طبعا.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول