لماذا تعاني الدول المصدرة للمواد الاولية عدم الاستقرار الاقتصادي؟

محمد رضا عباس
2021 / 4 / 25

كان الاعتقاد السائد عند الاقتصاديين ان الدول المصدرة للمواد الأولية غير النفطية هي وحدها من تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي , اما الدول المصدرة للنفط فلا , لان سوق النفط لم يعاني من تذبذبات كثيرة مثل سوق المواد الأولية , وثانيا ان الدول المصدرة للنفط أصبح لها خزين كافي من الثروة تستطيع بها تعويض أي تراجع في أسعار النفط او كمية الطلب عليه.
لقد كان هذا الاعتقاد غير موفق , حيث اثبتت التجارب العالمية ان الدول النفطية هي الأخرى أصبحت تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي وخير دليل على ذلك , هو العراق ذو التاريخ الطويل في تصدير نفطه والذي يمتد الى أكثر من سبعين عاما , ومع هذا ما زال يعتمد على إيراداته بنسبة 90%. العراق لم يستطع من تنويع اقتصاده وبقي يعتمد على تصدير بضاعته الوحيدة , النفط. وعند بداية حرب الأسعار بين روسيا الاتحادية والمملكة العربية السعودية في ربيع عام 2020 وانتشار وباء كورونا حول العالم , تدهور أسعار البرميل الواحد من النفط الخام حتى وصل الى حد 20 دولار للبرميل الواحد , وهو سعر لا يغطي كلفة انتاجه في بعض الدول المصدرة. التجارب التاريخية اثبتت ان الطلب على النفط غير مرن في الأمد القصير , ولكنه يصبح مرنا جدا في الأمد الطويل. وهكذا فان احتكار سوق النفط من قبل منظمة أوبك حفز دول كثيرة للبحث عن بديل لهذه المادة فأصبحت هناك الطاقة الشمسية والهوائية والمائية واخيرا النفط الصخري وإنتاج السيارات الكهربائية.
صادرات المنتجات الزراعية مثل القهوة والكاكاو والشاي هي الأخرى تعاني من عدم استقرار الطلب العالمي عليها , وبذلك فان الدول المنتجة لهذه السلع تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي المستمر منه. على سبيل المثال ارتفاع الطلب على القهوة لا يصاحبه زيادة في الإنتاج في الأمد القصير , بسبب ان شجرة القهوة تحتاج من سنتين الى ثلاث قبل ان تصبح شجرة مثمرة. وعليه فان ليس باستطاعة المزارع من زيادة انتاجه من اجل الاستفادة من ارتفاع الأسعار. بل حتى في مواسم الوفرة لهذا المحصول , فان المزارع سوف لا يستفاد كثيرا من الإنتاج , لان الطلب على القهوة هو طلب غير مرن وان تخفيض أسعارها من اجل التخلص منها سوف لن ينفع, وبذلك تنقلب الوفرة في الإنتاج الى خسارة المزارعين. كما وان انخفاض الطلب على هذه السلع يؤدي الى انخفاض أسعارها في السوق لان المنتجين لهذه السلعة سيقبلون اي سعر بدلا من اتلافها. وهكذا, إذا كانت مرونة الطلب على النفط غير مرن في الأمد القصير ومرن في الأمد البعيد , فان عرض المنتجات الزراعية القابلة للتصدير غير مرن في الأمد القصير والبعيد , وبذلك تعاني الدول المنتجة لها تذبذبات اقتصادية مستمرة. على سبيل المثال , سوء الأحوال الجوية , الفيضانات , الجفاف , الحرائق , والامراض والآفات الزراعية تؤدي الى تقليص الإنتاج السنوي والتصدير وبالتالي انخفاض الدخل الوطني وزيادة العاطلين عن العمل. في مثل هذه الحالة لا يستطع الفلاح التعويض عن خسارة انتاجه , والاقتصاد الوطني يسير نحو التراجع. عرض القهوة غير مرن في الأمد القصير , وقريب من الشكل العمودي على الخط البياني , ليس خط العرض العادي والذي يتجه نحو الشرق. وفي حالة انخفاض سعر القهوة بسبب تغيير في ذوق شاربيها سوف يؤدي الى انخفاض الدخل المتأتي من بيعها. فلو ان مجموع العروض من القهوة العربية (Arabica) هو 1000,000 طن ,وان سعرها قد انخفض من 3,600 الى 3,000 دولار للطن الواحد, فان مجموع خسارة البلدان المصدرة لهذه السلعة سيكون هو 600 مليون دولار , وهو مبلغ كبير لدولة فقيرة مثل اثيوبيا وكولومبيا واليمن.
هذا وبسبب عدم استطاعة المزارع بزيادة انتاجه في فترة قصيرة , فان زيادة الطلب على انتاجه سوف يرفع أسعارها ويزيد دخل الفلاح , ولكن هذه الزيادة سوف لن تستمر طويلا , لان إضافة مساحات جديدة لزيادة إنتاج القهوة يؤدي الى انخفاض اسعارها وانخفاض الدخل منها. حظ العراق أحسن من حظ الدول المصدرة للمنتوجات الزراعية , لان العراق يستطع زيادة انتاج نفطه في ظرف ساعات في حالة زيادة الطلب عليه وارتفاع اسعاره, بعكس اثيوبيا مثلا التي لا تستطع زيادة انتاج القهوة الا بعد سنوات الى حين تعطي الأشجار ثمارها. الا ان المشكلة الاقتصادية للدول المنتجة للنفط , كما كشفتها حرب الأسعار بين الملكة السعودية وروسيا الاتحادية هي قدرة كبار المنتجين التحكم بحجم صادرات المنتجين الصغار مثل إيران والعراق وبقية الدول المصدرة للنفط. هذه الحادثة كشفت ان اقتصاديات الدول المصدرة للمواد الأولية النفطية والغير نفطية ما زالت معرضة الى الهزات السوقية. وان الطريق الاسلم لبناء اقتصاد مستقر هو التنوع في الإنتاج وعدم الاعتماد على سلعة او سلعتين. وبالنسبة الى الدول النفطية , وان كان الطلب على النفط غير مرن في الأمد القصير , الا انه ينقلب الى طلب مرن في الأمد الطويل. بمعنى , إذا كانت بعض الدول لا تستطيع الاستغناء عن استيرادات النفط في الأمد القصير , فأنها تستطيع في الأمد الطويل التحول الى مصادر أخرى للطاقة او اكتشاف طرق أخرى حديثة لإنتاج النفط , كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية والتي بفضل استخدام التكنلوجيا الجديدة انقلب هذا البلد من مستورد للطاقة الى مصدرا لها. فاعتبروا يا الو الالباب.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا